من جمعة الى جمعة

شعبوية ترامب – لوبان إلى زوال

 وأيام تنظيم «داعش»… معدودةha-ok

 

حسان الخوري

حتى فترة وجيزة كانا بنظر الطبقة السياسية الحاكمة، وأغلبية الناخبين في بلديهما مجرد- كما تصفهما مارغريت وينتي في صحيفة “غلوب اند ميل”- شخصين سخيفين تدور التكهنات بشأنهما، ومثيرين للقلاقل ولاعبين هامشيين في الحياة السياسية.

حاليًا تنظر إليهما الطبقة السياسية الحاكمة كالخطر الأكبر الذي يهددها، ويراهن المواطنون عليهما كبارقة الأمل لتحسين أوضاعهم.

السؤالان الأساسيان اللذان يطرحان في هذا الصدد:

_ ما هي أسباب تنامي شعبية الثنائي اليميني على جانبي الأطلسي دونالد ترامب ومارين لوبان؟

– ما الذي يحمل الناخبين الى التصويت لهما؟

بالطبع ساهمت العمليتان الإرهابيتان في باريس وسان برناردينو في صعود نجميهما، وربما كان على ترامب ولوبان توجيه رسالة شكر إلى داعش بإعتبار أنهما المستفيدان الرئيسيان من العمليتين اللتين أثارتا ردود فعل قوية لدى المواطنين دفعتهم إلى الإلتفاف حول شخصيات قيادية تتحدث بلهجة قوية ومباشرة من أمثال ترامب ولوبان.

الخبير المعروف قي شؤون الشرق الأوسط البروفسور مايكل كورتس يستشهد بقول سياسي قديم مأثور «من يسيطر على الأجنده يسيطر على الحل «لينتقل إلى الإشارة إلى أن الأجندة السياسية الرئيسية اليوم في الولايات المتحدة وفرنسا هي الهجرة والإرهاب ، وإن أكثر ما يتحدث عنهما من الطامحين إلى السلطة هما دونالد ترامب ومارين لو بان . في الوقت نفسه يقدمان نفسيهما كالمعبرين عن الإرادة الشعبية ضد السلطات والأقوياء والنخبويين الذين يحرمون المواطنين من حقوقهم.

لكن لا يمكن حصر الإجابة بالهجرة والإرهاب ، فثمة أسباب أخرى لاتقل،إن لم تكن أكثر أهمية ، وفي مقدمها عجز السلطات الحاكمة في البلدين عن فهم قلق شرائح واسعة من أبناء الطبقة ، فترامب يقول أشياء لا يجرؤ غيره من السياسيين على التلفظ بها، كمطالبته مثلًا بترحيل ملايين المهاجرين المكسيكيين غير الشرعيين، وحظر قبول اللاجئين المسلمين. الإعلام يقابل عادة دعواته بالإستهجان، لكن الإستطلاعات تكشف قي المقابل أن 76% من الجمهوريين و43% من الديموقراطيين يرون أن القيم الإسلامية لا تتفق مع أسلوب الحياة في أميركا.

حسّان الخوري
حسّان الخوري

الأمر نفسه بالنسبة للوبان، فهي تقف إلى جانب المواطنين العاديين، خصوصا في الأرياف والمدن الصغيرة والشبان والعاطلين من العمل والمتضررين من تردي الأوضاع الإقتصادية وتتحدث بلسانهم ، لكنها بخلاف ترامب تحاول تقديم ذاتها كشخص عقلاني معتدل.

النخب السياسية تنظر إلى مؤيدي ترامب ولوبان كمجموعة من الجهلة عديمي الثقافة غير قادرين على تقبل العصرنة والتقدم والقادمين الجدد. هذه النظرة هي جزء من المشكلة، فالمكاسب الآنية التي حققها كل من ترامب ولوبان لا تعود إلى إعتبارات غرائزية بقدر ما ترتبط بعدم كفاءة القيادات السياسية وعجزها عن التصدي للتحديات ومعالجتها، وإلى هذا الأمر أشارت الصحيفة الباريسية لوفيغارو بقولها أن للغضب الجماهيري تاريخًا طويلًا، وقد كتب رئيس تحريرها ألكسيس بريوي يقول: « إنه غضب بارد، وحشي، خشن، بلا رحمة خمّرته 30 سنة من ضعف الدولة وفشل الحكومات».

« إقفل فمك»

لقد ظهر الرئيس السابق وزعيم الحزب الجمهوري نيكولا ساركوزي بعد يوم واحد على نتائح الدورة الأولى في إنتخابات المناطق على التلفزيون، وبدا متوترًا وغير قادر على السيطرة على أعصابه ، ولام الحكومة الراهنة وسياسة الهجرة والحدود المفتوحة وترتيبات شنغن على الفشل ما حمل أحد المراقبين على القول: كان عليه أن يلوم نفسه بالدرجة الأولى لتحول ناخبيه للتصويت للوبان وسياسة الخوف والتخويف .زعماء حمهوريون آخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك وطلبوا من ساركوزي عدم المشاركة في حملاتهم الإنتخابية تخوفًا من تكتيكاته التقسيمية، فيما قال له زافييه برنار الذي تغلب على لوبان في المنطقة الشمالية أن “يقفل فمه”.

إرتباك وأزمة الحزب الجمهوري عكستهما دعوة رئيس الوزراء السابق آلين جوبيه الذي أعلن عزمه على الترشح في إنتخابات الرئاسة في العام 2017 إلى إجراء نقاش داخل الحزب. غالب الإعتقاد أن النقاش إذا عقد- سيدور حول النقاط  الرئيسية التالية:

-نظرة الحزب إلى الأوضاع والقضايا الراهنة في البلاد.

– موقف الحزب من دعوات الجبهة الوطنية المعادية للهجرة؟

– الإيديولوجيا والإستراتيجية اللتان ينبغي إعتمادهما لإستعادة دوره قبل إنتخابات الرئاسة.

لكن يبقى لشعبية كل من ترامب ولوبان خصوصيتها.

ذكاء الثعالب

Le PeN-Trump

بما يتعلق بترامب هناك أسباب جانبية أخرى لا يمكن التقليل من أهميتها وتأثيرها يجب أن تؤخذ بعين الإعتبار، وفي مقدمها:

_ يعتقد الأميركيون أن بلادهم في أزمة، وترامب يشيع هذه النظرية، وفي الأزمات يتطلع المواطنون إلى شخصية قيادية قوية من أمثال ترامب الذي يصفه أنصاره بأنه ذكي كالثعالب.

_ يعترف مؤيدوه بأنه ربما قام بأعمال سيئة، وتفوه بأقوال سيئة، لكن مقارنة بالأوضاع السيئة القائمة في البلاد، وهي أمور أكثر اهمية من أفعاله وأقواله يبدو أنه الأكثر أهلية لمعالجتها.

_ هناك شعور عام لدى الناخبين الجمهوريين أنه لا يوجد بين المرشحين الجمهوريين الحاليين للرئاسة مرشح أفضل من ترامب ، بل أن بعضهم على إستعداد للتصويت له إذا لم يقع عليه خيار الحزب، وخاض معركة الرئاسة كمرشح مستقل.

_ يرى مؤيدو ترامب أن مواقفه صحيحة بصورة عامة ، وإن لم يكونوا موافقين على كل كلمة يقولها .

_ قد يعتري مؤيديه الحرج من بعض تصريحاته، لكنهم يشعرون دائمًا أنه رجل قيادي بإمكانهم إيلاء مصيرهم إليه.

_ للوهلة الأولى تبدو تصريحات ترامب مستهجنة، لكن لا يلبث أن يفسرها ويوضحها بحيث تبدو منطقية ومقبولة.

_ يرى الكثيرون من الجمهوريين أن ترامب هو الأقدر على تصفية تركة أوباما.

180 درجة

من ناحية مارين لو بان: صحيح أنه فشلت في الدورة الثانية من الإنتخابات المناطقية بعد المكاسب التي كانت قد حققتها في الدورة الأولى،  مع ذلك يجمع المراقبون على توصيف الفشل كنكسة، وليس هزيمة، وأنها خسرت معركة، لاحربًا، ويرون أنها لاتزال لاعبًا فاعلًا ومؤثرًا في صناعة الخارطة السياسية الفرنسية، وستدفع الجمهوريين إلى إتخاذ مواقف أكثر يمينية لفرملة صعودها وإقتناص أصوات أصحاب النزعات اليمينية، لكنهم سيبدون كيمينيين مزيفين، فيما تبدو أنها الوجه اليميني الحقيقي.أكثر من ذلك تبدو لوبان المرشحة الوحيدة بين المرشحين المعروفين الحاليين للرئاسة التي تملك الزخم للوصول .

من الدلائل الباكرة على تنامي دورها أنها إقترحت في أعقاب هجمات باريس طرد جميع الأجانب الذين يدعون إلى الكراهية فوق الأراضي الفرنسية، ونزع الجنسية الفرنسية عن الإسلاميين الذين يحملون جنسية مزدوجة، فما كان من رئيس الحكومة مانويل فالس الا أن سارع إلى دعم الإقتراح، فيما إقترح الرئيس هولاند تطبيقه على الذين أدينوا بتهمة الإرهاب وإن يكونوا قد ولدوا في فرنسا، ما حمل صحيفة لومند إلى إتهامه بأنه بدّل موقفه 180 درجة.

تجدر الإشارة أن لوبان عمدت إلى تلطيف لهجتها وخففت من إنتقاداتها ضد الحكومة في أعقاب هجمات باريس إنسجامًا مع مزاج التضامن الوطني والحداد الذي ساد البلاد، وتجنبت بذلك الخطأ الذي إرتكبته  في موقفها من العملية الإرهابية ضد مجلة شارلي ايبدو في كانون الاول الماضي حيث بدا أنها تغرد خارج الإجماع الوطني.

غضب جمهوري وإذلال إشتراكي

في تفسير تراجع الجبهة الوطنية في الدورة الثانية تقدم الأسباب التالية:

_ يبدو أن إستراتيجية لو بان بإبعاد والدها من الجبهة لبعض تصريحاته المعادية للسامية، وتطهير الجبهة من العناصر الاكثر تطرفًا لم تحقق هدفها بتحقيق مكاسب إنتخابية.

_ التغطية الإعلامية السلبية الواسعة لنجاح الجبهة في الدورة الاولى حملت الكثيرين من الفرنسيين على إعادة النظر في مواقفهم السابقة. وهذا ما حصل لوالدها ومؤسس الجبهة الوطنية جان-ماري لوبان عندما حصل في الدورة الأولى من إنتخابات الرئاسة في العام 2002  على نسبة من الأصوات تخوله منافسة جاك شيراك في الدورة الثانية،فصدرت معظم الصحف الفرنسية الرئيسية بعنوان « الصدمة» ، فإنحسرت موجة التأييد له في الدورة الثانية .

_ إن نظام الدورتين يسمح للحزبين الرئيسيين الإشتراكي والجمهوري باعادة رص صفوفهما، وعقد صفقات بينهما تحول دون وصول أحزاب أخرى تشكل تهديدًا لهما معا. وقد حصلت الصفقة فعلًا نظرًا لغضب الجمهوريين وهلعهم وشعور الإشتراكيين بالإذلال بعد نتائج الدورة الأولى.

في الوقت نفسه لا بد للدلالة على تنامي قوة وتأثير الجبهة الوطنية من إبداء الملاحظات التالية:

_ إضطر الإشتراكيون إلى سحب مرشحيهما من منطقتين للجبهة فيهما وجود قوي، تجنبا لإقتسام الإصوات مع الجمهوريين لتفويت الفرصة على المرشحين الجبهويين.

_ تراجعت نسبة الأصوات التي حصل عليها الإشتراكيون 16% مقارنة بالإنتخابات السابقة التي جرت قبل 5 أعوام.

لقد أثبتت الإنتخابات أن الجبهة هي القوة الثالثة في البلاد، ويصعب جدًا فرملتها، فالـ 8،6 ملايين صوت( أي ناخب من أصل 10 ناخبين) التي حصلت عليها رقم قياسي لا يمكن الإستهانة به. كما أن التحالف التكتيكي الإنتخابي بين الإشتراكيين والجمهوريين دليل على تراجع شعبيتهما. أكثر من ذلك إنه بمثابة وقود يصب في أدبيات لوبان أن لا فوارق جوهرية بينهما.

isis caricature

يبقى اخيرًا القول إذا كان ترامب ولوبان المستفيدين الرئيسيين من داعش، فإن التنظيم بدوره قد نجح في تسجيل بعض النقاط وتحقيق بعض أهدافه بزرع شروخ داخل الحزب الجمهوري الإميركي وهزّ قواعده، وتوسيع الهوة بين شرائح المجتمع الفرنسي بحيث أن أحد كبار المسؤولين شبّه فوز الجبهة الوطنية في الدورة الأولى من الإنتخابات المناطقية بإندلاع حرب أهلية، لكن غالب الإعتقاد ان شعبوية ترامب ولوبان ستكون ظاهرة آنية ، كما ستكون أيام داعش على ضؤ التحضيرات والترتيبات الإقليمية الجادة حاليًا … معدودة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s