من جمعة الى جمعة …

طريق السلام إلى سوريا

مزروعة بالشقوق والشكوك

Syrian-road-map

 حسّان الخوري

بعد أربع سنوات ونصف السنة من القتال، وسقوط 250 ألف قتيل، ومليون جريح وتهجير 6،7 ملايين شخص داخل البلاد و4 ملايين آخرين إلى الدول المجاورة وأوروبا، وأضرار مادية تقدر بـ 279 مليار دولار وكلفة إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار، تمكن مجلس الأمن من التوصل إلى قرار، وعلى الأصح «خارطة طريق» للسلام في سوريا.

sc-vote-inside

TOPSHOTS A handout picture released by ...TOPSHOTS A handout picture released by the Syrian opposition's Shaam News Network shows destroyed buildings in Syria's besieged central city of Homs following shelling during fighting between government and opposition forces, on October 7, 2012. Syrian troops entered the rebel district of Khaldiyeh in the besieged central city of Homs on October 9, 2012, state television said. AFP PHOTO/HO/SHAAM NEWS NETWORK == RESTRICTED TO EDITORIAL USE - MANDATORY CREDIT "AFP PHOTO / HO / SHAAM NEWS NETWORK" - NO MARKETING NO ADVERTISING CAMPAIGNS - DISTRIBUTED AS A SERVICE TO CLIENTS - AFP IS USING PICTURES FROM ALTERNATIVE SOURCES AS IT WAS NOT AUTHORISED TO COVER THIS EVENT, THEREFORE IT IS NOT RESPONSIBLE FOR ANY DIGITAL ALTERATIONS TO THE PICTURE'S EDITORIAL CONTENT, DATE AND LOCATION WHICH CANNOT BE INDEPENDENTLY VERIFIED ==-/AFP/GettyImages

لم تكن أي من الاعتبارات أعلاه، مجتمعة أم منفردة، وراء القرار، فقد وقف المجلس موقف المتفرج طول الفترة السابقة، على غرار موقفيه من حرب الإبادة في رواندا في العام 1994،ومجزرة سربرينيكا بعد عام ، ما يشكل لطخة عار في جبين منظمة أنشئت أصلًا في أعقاب حربين عالميتين لتجنب قيام أوضاع مشابهة، ومعالجتها ومنع استشرائها في حال حصولها.

mandate_of_syria

ما دفع الدول الأعضاء الدائمين مجلس الأمن إلى التحرك أخيرًا إعتبارات أخرى تمس مصالحها الذاتية مباشرة، وفي مقدمها تعرض هذه البلدان لهجمات إرهابية مباشرة ( تفجير الطائرة الروسية المدنية، باريس، سان برناردينو)، وتفاقم أزمة اللاجئين السوريين، خصوصا في القارة الأوروبية، فإنه من السائد في الشرق الأوسط ملامة الدول الأجنبية الإستعمارية على كل الويلات والشرور في المنطقة (وعد بلفور، إتفاق سايكس-بيكو…) لكن هذه الدول لم تكن تتعرض في المقابل لأي أذى. قضية  اللاجئين كذّبت للمرة الأولى هذه المقولة بشكل جلي إذ أدت إلى إقفال الحدود الأوروبية المفتوحة بموجب معاهدة شينغن التي أعتبرت في حينه إنجازا وحدويًا أوروبيًا بالغ الأهمية، كما ولّدت توترات بين الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي تهدد إستمراره، وكشفت عن هزال أوروبا في مواجهة التحديات الخارجية وأكّدت مقولة أن العالم تحول إلى قرية كونية.

main_900

هذان الإعتباران ولّدا قناعة قوية بانه إذا لم يعم السلام سوريا ويتم القضاء على داعش سوف يزداد عدد اللاجئين والعمليات الإرهابية.

ليس الآن

Russia-sends-28-war-planes-to-Syria-according-to-US-officials-350538

يضاف إلى هذين الإعتبارين إعتبار ثالث يتمثل  بالتدخل الروسي العسكري القوي في سوريا الذي قلب قواعد اللعبة رأسًا على عقب، فالخلاف الأساسي بين واشنطن وموسكو كان حول دور بشّار الأسد في الحكومة الإنتقالية، وقد نزع هذا الفتيل بعد هذا التدخل بتراجع الولايات المتحدة عن معارضتها لبقاء الأسد في الحكم، وتحول موقفها من “على الأسد الرحيل” إلى “على الأسد الرحيل ولكن… ليس الآن”. بتعبير آخر تحوّل الموقف من هدف إلى مجرد وجهة نظر. هذا التراجع أعتبر تنازلًا جوهريًا، لكنه كان الثمن الذي إضطرت واشنطن إلى دفعه مقابل عدم ممارسة كل من روسيا والصين حق النقض ضد مشروع القرار كما فعلا مرات عديدة في السابق بحيث أجهضتا كل محاولات إستصدار قرارات بإنهاء الحرب في سوريا.

US-monitoring-reports-of-Russian-troops-in-Syria

في الواقع لم يكن أمام الولايات المتحدة بدائل أخرى إزاء تمنعها مع حلفائها عن زج قوات برية في القتال الدائر، وقد كشفت صحيفة النيويورك تايمس أن الرئيس باراك أوباما أسّر لعدد من الصحافيين في حديث غير معد للنشر أن التدخل البري الأميركي سيؤدي إلى سقوط 100 قتيل أميركي شهريًا ما يعني العودة إلى حرب العراق وأفغانستان.

لم يكن قرار مجلس الأمن متأخرًا، ولا يرعى مصالح سوريا بقدر ما يراعي مصالح صانعيه وحسب، بل كان أيضًا قرارًا ناقصًا تتعدد فيه العورات والثغرات، وكان أول المشككين فيه صانعا القرار الرئيسيان وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف ونظيره وزير الخارجية الأميركي جون كيري. لافروف لم يتورع عن القول ، وهو يجلس إلى جانب كيري خلال مؤتمرهما الصحافي المشترك في مقر الأمم المتحدة في أعقاب التصويت على القرار: “أنا لست متفائلًا جدًا بما أنجزناه اليوم”. من ناحيته أعلن كيري خلال المؤتمر ذاته: ” إن 80% من الضربات الجوية الروسية ما زالت تستهدف التنظيمات المعارضة للأسد التي يتوقع ان يشترك العديد منها في مفاوضات تشكيل الحكومة الإنقالية”، وذلك  على مسمع من لافروف الذي قطّب جبينه لدى سماعه هذه الأقوال. إلى لائحة المشككين ينضم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي-مون نفسه الذي طلب من كيري ولافروف التخلي عن خلافاتهما والتحلي بروح قيادية، وأن واجبهما إلتقاط فرصة السلام العابرة.

e6fd650b-405a-49f4-a86a-8c247ca13d1b

في مقدمة العقبات الرئيسية أمام تطبيق القرار أن الخلاف ما زال قائمًا بين واشنطن وموسكو حول الميليشيات التي ستتم دعوتها للمشاركة في مفاوضات السلام والميليشيات التي سوف تتلقى دعمًا جويًا، نظرًا لتعدد هذه الميليشيات (يقدرعددها بحوالي 167ميليشيا) وتشابك العلاقات وتقلب التحالفات في ما بينها، فروسيا تنطر إلى التنظيمات التي تحارب الأسد كمنظمات إرهابية ( ربما بإستثناء الجيش السوري الحر) ، فيما  يحظى معظمها في المقابل بمساندة الولايات المتحدة. ويعابر البيت الأبيض والكرملين معًا المقاتلين الاكراد كحلفاء، فيما تعتبرهم تركيا، وهي دولة حليفة للولايات المتحدة في الحلف الأطلسي من ألد أعدائها، وقد هددت بالإنسحاب من العملية السلمية إذا تمت دعوتهم إلى المفاوضات.

16F59424-8579-4D22-B40F-6EC92A6D3AA1_mw1024_n_s-620x348

إزدواجية الموقف التركي

الموقف التركي بهذا الشأن يتسم بالإزدواجية، فأنقرة تؤكد أنها ملتزمة كليًا بمحاربة الإرهاب وتؤيد مساعي السلام ، لكن هذه ليست أولوياتها. إهتمامها الرئيسي هو الحيلولة دون قيام حكم ذاتي لأكراد سوريا تخوفًا من أن تكون له تأثيرات الدومينو تؤدي إلى قيام حكم ذاتي لهم داخل الأراضي التركية، خصوصا أن بين السيناريوهات التي يجري التداول بها إحتمال قيام حكم لامركزي في سوريا يتم بموجبه تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق على أساس مذهبي وعرقي.

kurds kobani

من هذا المنظور ترى أنقرة أن إنتصار الأكراد على داعش سيولد لها مشكلة أكبر وليس العكس، خصوصا أن التوقعات تجمع على إحتمال إستيلاء القوى الديموقراطية.

المؤلفة من أكثرية كردية مع عرب أشوريين على عاصمة داعش في الرقة، وإقفال الخط الذي يمتد 98 كلم على الحدود التركبة- السورية ويمر عبره المقاتلون والذخائر والأسلحة إلى سوريا ذهابّا والنفط والقطع الأثرية إيابًا، بل يتخوف المسؤولون الأتراك من إنتقال القتال إلى الداخل التركي، وحديدا إلى « كردستان» التركية.

لقد هدف الرئيس أردوغان منذ وصوله إلى الحكم إلى أن تكون تركيا القوة المهيمنة في المنطقة، وفي هذا الإطار سعى منذ إندلاع القتال في سوريا إلى قيام حكم فيها وموال لها خارج وصاية ونفوذ عدويها التاريخيين إيران روسيا، بقيادة الإخوان المسلمين، لكن نظام الأسد لم يلفظ أنفاسه الأخيرة، بل حقق بفضل التدخل الروسي العسكري القوي من تحقيف تقدما على جبهات حلب واللاذقية وضواحي دمشق ، ولم يستطع الغرب بالتالي إطلاق رصاصة الرحمة عليه، كما همّشت المنظمات المتطرفة المعارضة المعتدلة أو تبين أنها لم تكن أصلًا معتدلة .

كما تبدلت النظرة إلى تركيا من قوة إعتدال ذات ثقل إقليمي ، ومثال للإستقرار والنمو الإقتصادي إلى دولة متعاطفة بل مؤيدة وراعية لمنظمات إرهابية، إلى درجة أن الرئيس بوتين إتهم الحكومة التركية بعد إسقاط الطائرة الروسية في 24 تشرين الثاني الماضي في تصريح علني بأنها متواطئة مع الإرهاب، وهو إتهام تردد على ألسنة عدد من المسؤولين الغربيين لكن بلغة ملطفة أكثر ديبلوماسية، وفي عدادهم نائب الرئيس الأميركي جو بيدن الذي أعلن في لحظة إسترخاء أن حلفاء الولايات المتحدة هم المشكلة الكبرى التي تواجهها في حربها ضد داعش.

التوافق الوحيد بين واشنطن وموسكو هو إعتبار كل من داعش والنصرة منظمتين إرهابيتين، وهذا ما يحمل المراقبين على الإعتقاد أن العد العكسي قد بدأ بالنسبة لداعش، وأن أيامها أصبحت معدودة، أما النصرة فوضعها مختلف بإعتبار أنها تتعاون أحيانًا مع بعض فصائل الجيش السوري الحر، وهو تنظيم مقبول من واشنطن وموسكو على السواء، لكن موسكو تصر على إعتبار أحرار الشام وجيش الإسلام اللذين تتهمهما بتفجير سفارتها في دمشق منظمتين إرهابيتين وتؤيدها طهران في هذا الموقف فيما أنهما يحظيان بدعم تركيا والسعودية وقطر. كما تصر موسكو على إعتبار الثوار التركمان الذين أردوا قائد الطائرة الروسية التي أسقطها الأتراك إرهابيين .

هذا التضارب في وجهات النظر بشأن المليشيات بلغ درجة أن إيران طلبت، كما رشح من أوساط ديبلوماسية، إدراج وكالة الإستخبارات المركزية كمنظمة إرهابية، وذلك ردًا على المطالبة بتصنيف الحرس الثوري كذلك.

من ناحيتها ترى روسيا، كما أعلن وزير خارجيتها لافروف خلال مؤتمره الصحافي مع كيري دعوة ما سماه “المعارضة الوطنية” فقط للمشاركة في محادثات السلام، وإستبعاد المنظمات المتطرفة والإرهابية، فيما تعتبر الولايات المتحدة أن الجدال بشأن تصنيف المليشيات مضيعة للوقت لإستحالة الوصول إلى توافق بهذا الشأن حاليًا، على أن يتم التصدي لها لاحقًا ، وتدعو إلى خيمة واسعة تضم بعض المنظمات المثيرة للجدل .

وتجدر الإشارة في هذا السياق أن اللائحة التمهيدية التي قدمها وزير الخارجية الأردني ناصر جوده الذي كلف بتصنيف المنظمات الإرهابية كانت تضم الحرس الثوري الإيراني وميليشيات أخرى مؤيدة للنظام السوري، وضمنها منظمة أمل ومنظمات تدعمها الولايات المتحدة كوحدات الحماية الشعبية الكردية.

“قمر الجهاد”

1d62c81d2f06a6e0c972319150e0cabd

ولهذا التقارب إسقاطات أخرى إذ سيدفع الفرقاء المتنازعين إلى تصعيد القتال خلال الأيام المقبلة في محاولة كل فريق بسط سيطرته وتوسيعها للوصول إلى طاولة المفاوضات وفي يده أكبر عدد من الأوراق، وفي هذا الإطار يمكن إدراج مقتل “قمر الجهاد” زهران علوش مؤسس وزعيم حيش الإسلام الذي يضم ما بين 15 ألفا – 20 ألف مقاتل من 50 ميليشيا لديها  26 فرعًا وعضو قي الجبهة الإسلامية، وتعتبر من أقوى الميليشيات والقوى السياسية المعارضة للأسد، وعدد من قياديي فيلق الرحمن الموالي له   الذي إعتبره المراقبون نقطة تحول ميدانية حول العاصمة السورية – حيث إستطاع علوش خلق «دولة ضمن الدولة « في دوما في غوطة دمشق الشرقية   وإبعاد جميع منافسيه منها -ستقلب ميزان القوى، وتعزّز وضعية النظام السوري على طاولة محادثات السلام.

كما يخشى المراقبون من أن يؤدي مقتله إلى إنفراط عقد جيش الإسلام على غرار ما حصل للواء التوحيد في شمال سوريا بعد مقتل قائده عبد القادر صالح في العام 2013، لكن في المقابل ينبغي التذكر أن أحرار الشام لم يتأثروا رغم التصفية الجماعية لقادتهم في العام 2014.

syria-rubble

إلى جانب ذلك هناك العديد من الشقوق الأخرى على طريق السلام في سوريا تتمثل  بمسائل فرعية أغفلها القرار وفي عدادها:

– آلية تنفيذ وقف إطلاق النار.

-الجهة التي سوف تشرف عليه.

-كيفية إجراء الإنتخابات ، وهناك مناطق واسعة تسيطرعليها داعش، و5،4 ملايين غادروا البلاد ، و8 ملايين آخرين مهجرين في الداخل.

-دور الرئيس الأسد خلال المرحلة الإنتقالية بعدما ضمن بقاءه في الحكم عامين، أي حتى إجراء الإنتخابات في العام 2017.

s01_10031615

بإختصار طريق السلام في سوريا لن تكون مفروشة بالورود، بل بالأشواك والشكوك وتتعدد فيها الإشارات الصفراء دون معرفة إذا كانت الإشارة التالية ستكون خضراء أم حمراء.

192639

لكن من المؤكد أنه بعدما إستعادت روسيا دورها كلاعب رئيسي في الشرق الاوسط ورغبتها بعدم التخلي عن هذا الدور سوف تواصل في العام 2016عملياتها العسكرية وضرباتها الجوية في سوريا لدعم قوات الأسد البرية ، بل تتوسع لتشمل ضرب المزيد من مواقع داعش ومقراتها، وأنظمة إتصالاتها ومصادر تمويلها ، لكن لن يكون هناك تصعيد، بل ستكون الضربات إنتقائية فيما يتم التركيز أكثر على الديبلوماسية والتسوية السياسية.

Syria
Syria
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s