“حارس الموتى” لـ جورج يرق

Mariam Nassar
مريم نصّار

مريم نصار

أن تحرس الأموات وتنظف جروحهم، تجبِّر القلوب المتوفاة التي توقفت عن نزيف الحياة، ليس بالأمر السهل. أنه لأمر يخضع لمشيئة الإله. أن تُطعن في الظهر، وتُمارس فيك طقوس القهر لتجد نفسك ضحية حرب الفتنة والذل. لعله قدرك المقسوم.
مِثل مخلوق فضائي يصنع الذهول في وجوه العابرين، العاطلين عن الفرح. تنعكس مراياهم في أناه وهو القادم من عوالم التصحر. تُهيبه الأبواب والنوافذ المتداعية بفعل آلة الحرب. هنا مباح كل شيء. والذريعة هي غنيمة الحرب، هالته الندب والجروح التي دُمغت على الأجساد. ترقب عن كثب فرحة القناص الذي زاد من رصيد صيده اليومي، عابر طريق آخر.

جورج يرق
جورج يرق

“حارس الموتى” رواية الكاتب: جورج يرق الصادرة عن منشورات الضفاف ومنشورات الاختلاف 2015. رواية لا تُشبه مثيلاتها من الروايات التي تحدثت عن الحرب. لعلها تلتقي مع أخواتها فقط عند بابيّ الموت والخراب.
أراد الكاتب المواربة والاختباء خلف ظل قلمه عندما وشى بأن روايته من نسج الخيال وأن شخوصها جاءوا بمحض الصدفة. لكنه ومن خلال انتقاله من باب إلى آخر تكتشف بأنه عاش الحالة تماماً لكأنه بطل الرواية.
بدأت الحكاية عندما قرر “عابر ليطاني” مغادرة الضيعة، واضعاً حداً لحياة التشرد والجوع والحرمان. فأقفل وراءه دفاتر البؤس. كم ستفتقده شمس البلدة الحارقة، والغيوم الحبلى بقطرات المطر، وشوارع الضيعة الخاوية.
هنا يبدأ الكاتب نصب كمائنه حين يمرر حوارات ومواقف لامست وجع القارئ الظامئ إلى جرعة أمل تزيل من هواجسه صور القتلى الذين لا يريدون لقتلاهم أن يموتوا. بل يعيشون الموت الذي هو اهون من الموت نفسه. حين طعَّم لغته السردية السهلة الممتنعة باللهجة المحكية اللبنانية والتي حمَّلها ببعض المقولات الشعبية كالحكم والأمثال وليؤصل المعطى، أدغم حبكته ببعض القصائد لشعراء، أمثال “ميخائيل نعيمة” وغيره، أما لغة الحرب فكانت مدغمة بحكم لقادة مشهورين أمثال “بونابرت” و”صن تزو”

غلاف "حارس الموتى"
غلاف “حارس الموتى”

تلك هي حقبة السبعينيات. الزمن الذي عاش فيه “عابر” هارباً من حياة التشرد والطبيعة الماكرة، لتحتضنه بيروت بصدر رحب كمحارب متنقل من سماء البرق والرعد إلى سماء مطر الرصاص. ضعيف على هيئة محارب يختبئ وراء المتاريس، ساقه القدر لعامل مساعد ينظف جثث الموتى في غرف العمليات هارباً من مغتصب فتاة الهوندا وقاتل عزيزي أو الصائغ نابليون.
هي رواية من  أدب “رواية المتشردين”. لم يوفر الكاتب جهداً في اشغال القارئ  في كل تفصيل من حكاية “عابر” وفي النهاية ترك لنا سؤالاً واحداً: ما الذي حصل مع هذا المتشرد، أين هو الآن وماذا يفعل، هل مات “عابر” أم أنه لم يزل على قيد الحياة؟!!..
لعل الأجوبة الهامة قد أغفلها الكاتب في النهاية المؤجلة، ولا أدري لماذا تنصل ووارب عندما حاول تبرئة ذاته أمام عناد أسئلة قارئه الحق، حين قال في أول سطر منه الرواية: “المصادفة وحدها مسؤولة عما اعانيه الآن”.
جورج يرق عاش جوانية اللبناني الذي تجرع ويلات الحرب، ظل متوجسا حتى السطر الأخير واضعا يده على قلبه وكأن القيامة ستقوم الآن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s