“أسياد الفكر”

رحلة شاقّة وممتعة في مركب له من الذوق الأدبيّ شراع

كتاب “أسياد الفكر” للباحثة جولي مراد

عصارة أجيال من التفكير البشريّ المبدع

جولي مراد
جولي مراد

قزحيا ساسين

حقًّا، إنّ اختيار الكلام قد يكون أصعب من تأليفه. ولاسيّما إذا تتطلّب هذا الاختيار رحلة شاقّة وممتعة في آن، في مركب له من الذوق الأدبيّ شراع، ومن المعرفة الإنسانيّة الموشومة بالجمال ماء يجترح الموج على زرقة شهيّة.

وماذا يقال عن جولي مراد في جديدها “أسياد الفكر”، شرقًا وغربًا على مرّ العصور؟ إنّنا أمام منتَج ذهبيّ، فالقلم من تراب والكلام من ذهب في زمن بات فيه معظم حَمَلَة الأقلام عندنا يكتبون بأقلام ذهبًا كلمات ترابًا.

غلاف كتاب "أسياد الفكر"
غلاف كتاب “أسياد الفكر”

تشهد مؤلفات مراد لها، أديبة وباحثة وناقدة، بأنّها ليست ذات نرجسيّة كتابيّة، فهي تكتب كلمتها التي تلحّ على وجدانها، وتترك الكثير من وقتها لتعيد كتابة الآخرين، أو بمعنى أدقّ لتدعو الآخرين من عظماء الكلمة إلى إعادة كلمتهم من خلالها. وعليه، فإنّ مراد تحبّ بناء مجمّعات سكّانيّة للكبار. ترغب في جمعهم بين سورَي كتاب تتحوّل صفحاته ميادين للأعلام الفوارس، الذين جعلوا كوكبنا ينتمي إلى جغرافية الكلمة التي لا ينال منها تصحّر، والتي تبقى طبقة أوزونها بألف خير.

“أسياد الفكر” أم آساده؟ لا فرق. لكن، يجب الإشارة إلى أنّ آساد الفكر ليسوا كآساد السلطة في غابتنا البشريّة، إذ لا دم في رقابهم ولا عروش لهم عائمة في بحيرات الدماء. إنّهم مفترسو البشاعة والجهل، المهدون إلى كلّ ليل نجمة وإلى كلّ عطشان فكر كأس ماء. نعم، إنّ أسياد جولي مراد تليق بهم السيادة ويستحقون أن نستضيفهم في مكتبات بيوتنا وجامعاتنا ومدارسنا إلى الأبد، وكيف يستغنى عن هؤلاء القناديل الذين لا يجود بهم الزمن إلاّ بعد سنين من الشحّ في حين أنّنا نجد كلّ يوم ألف ملكٍ للعرش الواحد.

وإذا كان أهل الكلام كثيرين على مرّ العصور، فإنّ غربال الأيّام الذي لا يخجل من أحد لا يعلن إلاّ أسماء قليلة ناجية من ظلمة النسيان، باعتبار أنّ الطحين هو دائمًا كثير غير أنّ الخميرة قليلة على الدوام. وفي هذا السياق يظهر “أسياد فكر” جولي مراد كتابًا سيّدًا في مدينة الكتب، له تُرفَع القبّعات، وله تهتف العيون الجائعة إلى الجمال أبدًا.

فلاسفة البشريّة ومفكّريها

لولا استطاعت مراد، لعادت إلى زمن التفاحة الأولى وسلخت الكلمة الأولى عن أوراق التين وبشرة التفّاح الحمراء وأوردتها في كتابها مقدّمةً. غير أنّها رضيت بما وصلت يدها إليه وجمعت فلاسفة البشريّة ومفكّريها حول مائدة للكلمة واحدة. وقدّمت لخزانة الأدب جديدًا فيه اختصار الشقاء لمن لا يزال يؤمن بالكلمة فاكهة لا تذبل، وفيه رحيق الأزمان حبرًا، وفيه شهادة لا شكّ فيها لعظمة الإنسان متى يعتنق المعنى النبيل ويحاول أن يصنع منه روحًا لهذا الوجود: “كتاب عمليّ الاستعمال، واضح النصّ، غنيّ المضمون، يحوي بين دفّتيه عصارة أجيال من التفكير البشريّ المبدع”.

وقد تمتّعت مراد برحلتها الاستثنائيّة ومتّعَت، فهي فتحت أبواب ما قبل المسيح، وملأت سلالها من ثمار الإغريق ذات الطعم الفلسفيّ، ومن العناقيد المتدلّية من عرائش حكمة الصين، ولم تحرم صناديقها من خيرات بلاد فارس، ولم تنسَ إلقاء التحيّة على ديار الفكر العربيّ: “يعود إلى حقبات ما قبل الميلاد، فيجول في مدارج الفلسفة الإغريقيّة، والحكمة الصينيّة، منتقلاً إلى الحضارة الفارسيّة، ومنها إلى العبقريّة العربيّة حتى يصل إلى شاطئ الفكر المعاصر شرقًا وغربًا”. وتعرف مراد جيّدًا، أنّها أرادت أن تتعب نيابة عن قارئها، وأن تشعره بأنّه مكرَّم وهو في حضرة كتابها، الكتاب المعرِض، أو الكتاب المتحف، الذي يقدّم بطاقة هويّة عن كل مقيم فيه إضافة إلى ما أتى به من بضاعة طيّبة وصحيحة الانتماء إلى الفكر والجمال.

فأيّ قارئ يطلب المزيد، ومن منّا لا يشكر النحلة تضيّفه حديقة ورد في قطرة من العسل واحدة: “تلتقي على صفحاته بنخبة منتقاة من الفلاسفة والمفكرين والأدباء والشعراء، فتتصرّف بهم نشأة وتأليفًا، وتغرف من أقوالهم ما دوّنه الزمن في سجل التاريخ”. ولا يقال أبلغ ممّا قالته مراد في توطئة كتابها، هو حقًّا: “مكتبة في كتاب واحد”، وهو أيضًا هديّة إلى هؤلاء الكبار، الذي لا يرون هديّة تهدى إليهم سوى قراءتهم.

ومن لقمان الحكيم في القرن العاشر قبل الميلاد إلى إدوارد سعيد في بداية القرن الحادي والعشرين يشعر قارئ مراد أنّ الإنسان على تعدّده واحد، والأرض على اختلاف أوطانها وطن واحد، والفكر على تنوّع لغاته واحد… وكأنّ لقمان الحكيم يقول اليوم: “أينما تقف الجيوش تنبت الأشواك، والمجاعة نهاية المعارك”. وكأنّ كونفوشيوس يكتب في الصفحة الثقافيّة، في إحدى صحفنا: “لا تتراجع عن الحقّ ولو كنت تواجه أستاذك”. وهل زينوفون بعيد من حقيقتنا الإنسانيّة وهو يقول: الطبيعة الأنثويّة لم تكن يومًا أدنى من الطبيعة الذكوريّة إلاّ بانتقاص قوّتها”. وهل عمر بن الخطّاب غريب عن جوهر الحكمة الذي لا يذهب به غبار زمن حين يتفوّه حكيمًا: “إنّ الطمع فقر، وإنّ اليأس غنى، وأنّه من ييأس عمّا في أيدي الناس استغنى عنهم”.

كبار الكلمة

وهل لنا في آننا ابن مقفّع يوقف بقلمه شلاّلات الدم الهدّارة ويدعو إلى العقل سلطانا وقوّة: “إنّ العاقل قد يبلغ بحيلته ما لا يبلغ بالخيل والجواد”. ومن كالجاحظ يدلّ على حماقة عَبَدة المال الذي صَنَع الفقر وحفر وديان المآسي: “مَثَل الأغنياء والبخلاء مَثَل البغال والحمير؛ تحمل الذهب والفضة وتعتلف بالتبن والشعير”. وعند توما الأكويني تخشع سماء وتفيض جرار الروح بفرح الإيمان الذي يعطّر كلّ زمن برحيق من أصابع الله: “وامنحني أن لا أندفع وراء عمل لا حكمة فيه، وأن لا أعدل عن عمل لا رغبة لي فيه، فلا أشتهي ولا أعاف ما عليّ قبل أوانه”. وتحت قناطر شكسبير نسأل عن تراب وجذور لنا قد تكون في هذا التراب وقد تكون سرابًا خارجه: “أكون أو لا أكون، هذا هو السؤال”. وفي حدائق لافونتين حيث زهر الحكمة المتوَّج بعطر البساطة، نرى أنفسنا على قوارب وبقيّة بين جزر الحياة ومدّ الموت: “التألّم لا الموت، هذا شعار البشر”. وفي ظلال الدهشة يستوقفنا عقل كارل ماركس ليشرح لنا ما هو التاريخ، ذاك الصندوق الراشح دمًا أبدًا: “ليس التاريخ سوى نشاط لأشخاص يسعون وراء حتفهم”… ونمضي من قمة إلى أخرى منتشين بالارتفاع، وصولاً إلى مسك الختام، إدوارد سعيد، الذي ينظر من أعماق عينيه وقلبه وعقله إلى هذا العالم التائق إلى الحرية والمساواة والكرامة، ويقول: “نحن جميعًا حالات خاصّة”.

في “أسياد الفكر” قالت جولي مراد كلمتها بأصوات كبار الكلمة، وجادت علينا بكتاب لا يموت لأنّه يحمل أعمار كلّ هؤلاء الكبار، ومن يعاشر الكبار حبرًا وعقلاً يصِر منهم، وعليه، فإن من حق جولي مراد أن تنعم في كتابها كبيرة بين كبار، وسيّدة في دار أسياد.

Advertisements

2 thoughts on ““أسياد الفكر””

  1. إن إضاءة قزحيا ساسين على هذا العمل مبهرة وملفتة، فقد عرف كيف يختار ألوانا جذابة من كتاب جولي مراد ليدعونا من خلالها الى وليمتها. ألف مبروك جولي، زمننا بحاجة لشبيبة أمثالك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s