الصحافي والمثقف والشاعر

نبيل غصن: الاذاعات اليوم

“تسترخص” فلا لغة ولا صوت

الشاعر نبيل غصن
الشاعر نبيل غصن

 

فاديا فهد – المغارب

نبيل غصن، الصحافي والمثقف والشاعر الذي شغل مناصب إعلامية رفيعة عدّة، كان آخرها مدير البرامج  في اذاعة لبنان الرسمية واستمر فيه حتى تقاعده أخيراً.

عرفته مخلصاً لمهنته، منكبّاً على عمله، متفانياً في تقديم الأفضل لإعلاء شأن الإعلام الرسمي في لبنان. مثاليته وعصاميته ربطتا اسمه بالفترة الذهبية للإذاعة اللبنانية، وسام يعلّق على كتفه بكلّ فخر، لكنّ حفلات التكريم تزيد غصن تواضعاً، كما هي حال الكبار. أما الكتابة الشعرية فهي الفضاء الحالم الذي يحلّق فيه حالياً، ويبدع. الحوار معه يفتح صفحات من تاريخ طويل من الإعلام الصادق الصدوق.

مسيرتك الإعلامية الطويلة، كيف تختصرها؟ وبأيّ خلاصة خرجت منها؟

عملت في الحقل الاعلامي مدة ٤٥ عاماً متنقلاً بين الصحافة المكتوبة في البدايات، ومراسلة الاذاعات (إذاعة لندن ـ إذاعة ألمانيا العربية ـ إذاعة أبو ظبي) ثم انتقلت إلى الاذاعة الرسمية في نهاية ثورة ١٩٥٨، حيث كلّفت بكتابة برامج وإرشادات توجيهية تدعو إلى التآلف والمحبة. ثم أدخلني المرحوم أسعد الأسعد المدير العام لوزارة الأنباء آنذاك، في كادر الموظفين في الاذاعة اللبنانية، حيث كنت أمارس الكتابة والاخراج في الوقت نفسه.. ومع الوقت ارتقيت إلى رتبة رئيس دائرة الريبورتاج، حيث انشأت دائرة شُبّهت “بقفير النحل” كما أرادها وطلبها منّي الدكتور شارل رزق الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب المدير العام لوزارة الاعلام.  وفي سنة ١٩٨١ تسّلمت المديرية العامة للبرامج، حيث استمرّيت في اشغالها حتى إحالتي على التقاعد… إنّ تجربتي الإعلامية غنيّة ومتنوّعة كونها المجال الرحب الذي تعلّمت من خلالها، وأدركت أنّ الإعلام الصحيح هو في نشر المعلومة الصحيحة وفي تناول “المع” و”الضد” في آن واحد، عملاً بحرية الرأي التي يتميّز بها لبنان.

عملت لسنوات طويلة مديراً للبرامج في إذاعة لبنان الرسمية، أيّ بصمة تحّب ان يذكرك بها تاريخ الإعلام في لبنان؟

لأنني مارست أدواراً مختلفة ومنوّعة في مسيرتي الإعلامية، فقد اكتنزت بالطبع معلومات وافية عن كل دور توليته، الأمر الذي وفّر لي قدرة الإختيارات الأنسب في تقديم البرامج والأغاني على اختلافها، واعتماد بالتالي الأساليب الجاذبة والمغايرة لما كان يقدّم في الإذاعة من قبل‫. فعمدت الى رسم خريطة البرامج، هو اعتماد الرشاقة والسرعة في معالجة البرامج، بحيث يتمكّن المستمع من استيعاب أي معلومة تصل إليه بالوقت القصير الذي يناسبه.. لأننا اليوم نعيش في عصر السرعة والإنشغالات الكثيرة‫. ثم ركّزت على البرامج التي تعالج مشاكل الناس لا سيما الجيل الجديد، وأتحنا للجميع إمكانية التعبير عن آرائهم بشكل مباشر على الهواء

قبلي، كانت سائدة في الإذاعة موجة المطوّلات الغنائية الكلاسيكية التي بات الاستماع إليها في وقتنا الحاضر مقتصراً على نخبة من الناس لا سيما أبناء الجيل الماضي

من هنا سعيت إلى تطعيم الألوان الغنائية بالأغاني الشبابية الحديثة المختارة بعناية لجهة جودتها ورقيّها.. كذلك، استعنت بوجوه فنيّة وأدبيّة شابّة لتقدّم فترات البث المباشر، والبرامج التي تعالج كل المواضيع التي تهم المستمعين على المستويات كافة.. فعلى سبيل المثال، فقد خصّصت مثلاً مذيعين مهمتهم فقط نقل حركة السير في طرقات المدينة وضواحيها على مدى النهار، من خلال وجودهم في مركز مراقبة السير في مديرية الأمن الداخلي، وقد أدّت هذه الخدمة دوراً رائداً ومفيداً بالنسبة للسائقين

لقد سعيت جهدي لأجعل من الإذاعة مرفقاً حياً يواكب حياة المواطنين بمختلف أعمارهم وثقافاتهم.. وقد نجحت إلى حد كبير في هذا المسعى بشهادة الناس أنفسهم والمسؤولين، فأضحت إذاعة لبنان في حينه مركز استقطاب لجميع التيارات والشرائح الفكرية والفنيّة والإجتماعية

تلك الفترة الذهبية لإذاعة لبنان بالذات هي التي اعتزّ بها، وربما سيذكرها يوماً ويقدّرها تاريخ الإعلام الإذاعي في لبنان‫.

ما هو أكثر ما يستفزّك في الواقع الإعلامي المتراجع في لبنان وفي العالم العربي؟

أكثر ما يضايقني ويستفزّني فعلاً حالة الفوضى العارمة السائدة اليوم في ساحتنا الإعلامية.. ذلك أن أي إنسان “يستحلي” أن يسمع صوته عبر الإذاعة، قادر أن يفعل ذلك بسهولة كون الوسائل متوفّرة على كثرتها وهي “تسترخص” وتعبىء فتراتها  بـ “هب ودب”.. لا أصوات جيّدة ولا لغة جيّدة ولا مخارج حروف ولا ثقافة عامة.. أخطاء لغوية بالجملة.. وتقديم مواضيع تافهة معظمها يعتمد على الاتّصالات الشخصيّة والمسابقات.. فالمهم تعبئة الوقت دون الإهتمام بالمضمون ولا بالمستوى

إن الحرية الإعلامية التي يتميّز بها لبنان، إنما تتكرّس بضوابط ذاتية أولاً، ثم بالضوابط الإدارية‫. في السابق، كان المذيع أو المخرج يخضع لدورات تدريبيّة طويلة مع أساتذة مرموقين أصحاب خبرة… وحين نلاحظ تقدّمه واستيفاء أدنى الشروط المطلوبة، نسمح له ولمدة أشهر الوقوف أمام الميكروفون وتقديم أسماء الأغنيات فقط… وكذلك الحال بالنسبة للمخرج، حتى يتسنّى لهما التآلف مع المايكروفون وأدوات العمل الإذاعي والقدرة على مواجهة المستمعين بثقة كاملة

أما بالنسبة للمغنين.. فقد كنا قديماً نتولّى اختيار الأغنيات والمطربين ونصنّفهم إلى درجات ونتولّى نحن كإذاعة تسجيل أغنياتهم في استديوهاتنا مع مراقبتها كلاماً ولحناً وتوزيعاً.. وحين انخفضت ميزانيّة الدائرة الموسيقيّة، بتنا نستقبل الأغنيات المسجّلة في الخارج ونذيعها..لذلك أنشأت يومها لجنة من خيرة الموسيقيين والشعراء تجتمع برئاستي كل أسبوع لنستمع للأغنيات المقدّمة إلينا، ونختار منها الأجود، ونرفض بالتالي كل أغنية لا تستوفي الشروط الفنيّة الملائمة

ولا أخفي أننا رفضنا أغنيات كثيرة مشهورة بثّت في إذاعات ال إف إم لمطربين معروفين، لتدنّي مستواها

في عصر الإنترنت والإعلام الإلكتروني والهواتف الذكية والآي بود، هل يمكن ان نعلن موت الإذاعة بمفهومها التقليدي؟

أبداً.. فلكل وسيلة دور يختلف  عن الآخر .. فالإعلام الإلكتروني يعتمد على المعلومة السريعة بشكل عام.. أما الإذاعة فهي تعتمد هذه الطريقة لكن بتوسّع أكثر .. بحيث تستعين بالريبورتاجات والتحقيقات وبالتفاصيل التي تحيط بالمعلومة أو الحدث من جوانبه كافة.. بالإضافة إلى كون الإذاعة قادرة أن تجعل من فترات البث الكلامي مطرّزة بأنواع الأغاني والموسيقى التي ذكرتها آنفاً إطاراً جاذباً للمستمع

لقد قيل أن الإذاعة سينتهي دورها عند بدء ظهور التلفزيون.. لكن تبيّن أن الإذاعة بقيت حيّة وإن خفّ وهجها عن السابق .. صحيح أن التلفزيون جاذب للمشاهدين أكثر كونه مكوّن من صوت وصورة، إلا أننا يجب ألا ننسى أن مشاهدته لفترات طويلة تتعب النظر والأعصاب، لذا يحتاج الانسان إلى إراحة عينيه من الأضواء وإذا لم نقل إراحتها من بعض السخافات التي تنتشر في معظم البرامج‫.

إذن الإذاعة تنافس التلفزيون من هذا الباب بالذات.. بحيث أن الراديو يبقى بمتناول المتلقي حيثما يكون لاسيما في وسائل التنقل، بعكس التلفزيون.. حتى في البيت أو في مكان العمل يحتاج كل منا إلى إغماض عينيه وإراحة  أعصابه، فينصرف إلى الموسيقى والأغاني والبرامج في الراديو، ويترك لخياله فرصة الانطلاق بحرية إلى حيث يشاء‫.

تتفرغ اليوم للكتابات الشعرية وقد صدر لك أخيراً ديواناً بعنوان “اسكنيني… وارحلي”، ماذا عن شغف الكتابة الذي تعيشه؟

إن بذرة الشعر مزروعة ومتأصلة بي منذ صغري.. فوالدي شاعر زجلي (عبده بدران غصن صاحب مجلّة الشحرور) وقد تأثرت به وأعجبت به وأعجبت بالشعر وتعلّقت به، وكانت لي في الصغر محاولات شعريّة متواضعة.. غير أن طاحونة العمل والمسؤوليات، لم تترك لي الوقت الكافي للإنصراف إلى كتابة الشعر.. فكنت دائماً أقرأ شعراً وأراكم ما أقرأه في ذاكرتي .. ومع الوقت بت أشعر بأن شيطان الشعر راح يدقّ بابي بإلحاح..حتى أخيراً شرّعت له أبواب فكري وقلبي، ورحت أنهل من نبعه وأروي عطشي بالكتابة وبالتعبير الشعري‫.

هل يندم الشاعر الذي فيك لتركه الساحة طويلاً للإعلامي كي يتألّق الأخير على حساب الأول؟

بين الشعر  والعمل الإعلامي صلة قربى وثيقة إلى حدّ ما.. فالإعلامي الناجح يستعين بالحالة الشعرية غالباً كأسلوب تعبيري شفاف في سياق كتاباته وتحقيقاته‫. الإعلام هو ملعب الشعر الرحيب.. فهناك يلعب بالكلمة ويتلاعب بالأحاسيس .. يباري ويتبارى .. يهزم وينهزم‫. وأنا في الواقع لم أندم لأني تأخرت في إبراز موهبتي الشعرية، فقد كان للوقت دور فعّال في تغذية ذاكرتي بقصائد الشعراء الكبار والتتلمذ في مدارسهم وأساليبهم المختلفة، الأمر الذي جعلني متمكناً بشكل أفضل من الكتابة الشعرية، وبالتالي اعتماد أسلوب يطبع شخصيتي في كتاباتي الشعريّة‫. إن كنت كما تقولون قد تألقت في مجال الاعلام، فإني آمل أن أحظى أيضاً بالتألق يوماً في مجال الشعر‫.

في الشعر، هل يتحوّل نبيل غصن الى شخص آخر؟

قد يكون التحرّر من الالتزامات والمسؤوليات الوظيفية، فتحت أمامي فضاءات الحرية، فاتاحت لي المجال للانصراف إلى ذاتي أحاورها وتحاورني وتحولني إلى طائر يملك جناحين يحلّق في فضاءات علويّة .. أرسم واستنير .. وأغفو وأستيقظ على أحلام قد

تتحوّل إلى وقائع .. وهذه طبيعة الشعر والشعراء‫.

وفيما يلي قصيدة له:

اسمك هويتي (من ديوانه الشعري الجديد “أسكنيني.. وارحلي”)

حروفُ اسمِكِ.. نَسيتُها..

نسيتُ أشكالَها..

ولم يبقَ في أفقِ البالِ

غيرُ شَذَراتِ الضوءِ منها..

                                                * * * * * *

كتبتُ اسمَكِ

 بحروفٍ جديدةٍ وهّاجة..

بحُبيباتِ القلبِ

 صوَّرتُ أشكالَها..

ومن عروقِ الصدرِ

رسمتُ فواصِلَها..

وبرموشِ العين

عيّنتُ حركاتِها..

فصار اسمُكِ لغةً فريدةً..

قصيدةَ عِشْقٍ ملوّنة،

غامضةَ الوزنِ والقوافي

لا يُتقِنُ قراءتَها غيري..

                                                * * * * * *

وبين الحرفِ والحرفِ

كنتُ أذوبُ.. وأذوبْ..

حتى صار اسمُكِ

هُويَّتي وعُنواني..

وصِرتُ أخافُ البوحَ به

كي لا يَظُنَّني الآخرونَ..

أنتِ.!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s