أنيسة النجار…

رائدة العمل الريفي بامتياز

أنيسة روضة النجار
أنيسة روضة النجار

إملي نصراللّه

إن لقاءنا، في هذه الأمسية يناقض المثل القائل: ليس لنبيّ كرامة في وطنه وبين أهله وإخوانه. لأن السيّدة التي غرست في تربة الوطن، وخصوصًا في أرض القرى الريفية، بذور التوعية والتنمية، تقف اليوم بيننا كي تتلقّى بعض ثمار غرسها الطيّب.

إملي نصراللّه
إملي نصراللّه

أنيسة روضة النجار، رائدة العمل الريفي بامتياز، ومنذ ان فتحت عينيها على الحياة، شعرت كم أن هذا الوجه من وجوه الوطن مُهمَل، بل يكاد أن يكون منسيًا من القلب، خصوصًا من قلوب المسؤولين الذين تعاقبوا على إدارة شؤون الناس وأرضهم.

ولـــدت أنيسة روضـة في الــعـــــام 1913  –  أي بعد سنة نحـتـــفــل بـمـــئــويـــتـهــــا إن شاءالله  –  لعائلة منفتحة على العلم والتوعية. وكانت من الرعيل الأول الذي درس في كليّة بيروت للبنات، والتي تُعرف اليوم باسم “الجامعة اللبنانية الأميركية” (LAU). وبعدما أنهت سنتها الجامعية الثانية، انتقلت إلى الجامعة الأميركية، حيث كانت واحدة من ثماني طالبات، ومن بين رائدات تخرجن في العام 1938.

في تلك الفترة الزمنية، كان الباب المفتوح أمام الخريجات التدريس، وقد مارسته في الوطن، كما نقلته إلى الخارج حين سافرت للتدريس بالموصل، في العراق؛ وكانت واحدة من مربيات حملن الرسالة للتعليم بأسلوب حديث، وخصوصًا تدريس الفتيات ضمن العائلة، وقد عُرف في حينه باسم “قبولات”.

“أنت بنت”

ذكرت لي السيدة أنيسة، في خلال حديث بيننا، أنها كانت تخاطب الفتاة بقولها: “أنت بنت” وذلك لا لتحقيرها أو الحطّ من قدرها وكرامتها، بل لكي تجعلها تدرك قيمة شخصيتها وتميّزها.

أمّا لفْت انتباهها إلى اختلافها عن أخيها فلم يكن من أجل الفرقة، بل في سبيل التكامُل. كذلك دأبت على مخاطبة الفتاة بقولها: “بوسعك رفع شأنك  ومستوى أسرتك ومجتمعك حين تعملين مع شريك حياتك الرجل، لبناء عائلة متوازنة”.

وقد ظلّ ذلك شعارَها وغاية سعيها عندما أنشأت في العام 1953 “جمعية إنعاش القرية” وكان هدفها ودعوتها تنشيط العمل في الأرياف، خصوصًا عمل المرأة، إيمانًا منها بأن الريف هو الأرض الملائمة والمكان المثالي لإجراء التجارب التحديثية، إن في التربية والتعليم، أو الصناعة والزراعة. وكان تركيزها على جهد المرأة، وتمكينها من اسخدام طاقاتها، وتعلّم مهارات جديدة تخدم بها عائلتها ومجتمعها، فتساهم في رفع مستوى العائلة الاقتصادي والإجتماعي.

ولم تفلت السيدة أنيسة حبْل التراث من يدها، بل راحت تُقوّيه، وجعلته واسطة تواصل مع الماضي والعراقة، في سبيل إنماء راسخ للجذور.

وظلّ تركيزها، ومنذ البدء، على وضع المرأة، حين لاحظت كم يلحق بها من تهميش وإهمال في محيطها، وخصوصًا حرمانها، في بعض القرى، من دخول المدرسة أسوة بإخوتها الذكور.

نعم، هكذا كانت الأحوال في زمن ليس بعيدًا عن الذكرة. ومن أجل ما دعته أنيسة “محو أميّة العقل” راحت تعمل مع سيدات واعيات مثلها، أهمية المشاركة المتكاملة بين الرجل والمرأة، من أجل بناء عائلة متوازنة. وكانت الخطوات الأولى متواضعة، دعوة إلى تعليم الفتيات حتى نهاية الصفوف الوسطى؛ يعني ما يمكّن الفتاة من القراءة الصحيحة والكتابة. كما جعلت في مناهجها علومًا أخرى موازية في أهميتها مثل التدبير المنزلي، والحرَف والأشغال اليدوية والصناعة؛ خصوصًا تصنيع المنتجات الحيوانية أو النباتية من خضار وفاكهة، تفيض عن الحاجة، وبالإمكان حفظها بإعتماد طرق علمية.

التطوّر التربوي

ومثلما سعت الجمعية إلى تعليم المرأة الحرف اليدوية، والصناعة، فقد أدخلت إلى حياتها أساليب جديدة ومكتسبة من التطوّر التربوي لكي تفيد منها، وتتعلم كيف تُعنى بنفسها وبأطفالها من مرحلة الحمل والرضاعة، إلى سنوات تفتُّح وعي الطفل على الوجود.

وكانت الست أنيسة مع جمعيتها، تُلاحظ صناعة أخرى يمكن تأسيسها ونشرها في القرى الريفية، بل يمكن استعادتها والسعي لإحيائها، لأن تربية دود القزّ، وصناعة الحرير كانت من بين أقدم الصناعات التي انتشرت في قرانا زمن الأجداد. ولا تزال تلك الدودة النبيلة وحدها مصدرًا للحرير حتى يومنا الحاضر. وهي تتغذّى من ورق التوت، الشجرة المعروفة في محيط البحر الأبيض المتوسط، حيث انتقلت صناعة الحرير في القرن الثاني للميلاد. وأنعشتها جمعية إنعاش القرية وأعادت العزّ لموسم قطافها وتنشيط صناعتها، والتذكير بقيمتها التراثية والجمالية.

ذكرت مواسم الحرير لأذكّر بأن السيدة التي نحتفي بها وبعطائها، لا تزال تحمل الشعلة والرسالة. وأرجو ان تتسلّمها أيد فتيّة تواصل المسيرة وتحفظ للتراث قيمته وتوهّجه. وهنا لا يسعني إلّا أن أُذكّر بما كان لزوجها ورفيق عمرها الوزير والمهندس الراحل فؤاد النجار من فضل وتأثير في كل ما قامت به من نشاط إذ كانا يعملان يدًا بيد، الى أن فرقهما القدَر.

نجّار خلال تلقيها عام 2013 وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور في مناسبة عيدها المئة
نجّار خلال تلقيها عام 2013 وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور في مناسبة عيدها المئة

المحافظة على التراث

من بعض ما أذكره من نشاط السيدة أنيسة، تلك اللقاءات المميّزة في دارها، ولها علاقة بالتراث وأهميّة المحافظة عليه. فقد كانت لها صداقات مع سيدات من الهند ممّن حافظن على التراث، وقمن بنشاط مواز لما تقوم به، وأذكر منهن كمالاديفي، وكانت مقرّبة من المهاتما غاندي، وعنه ومثله تابعت المحافظة على التراث خصوصًا في صناعة الأقمشة. وفي دارها التقيت السيدة بانديت، شقيقة نهرو، وهي من أبرز الوجوه السياسية في بلدها، وقد برزت على الصعيد الدولي عندما كانت مندوبة للهند في الأمم المتحدة. أذكر ذلك لأشير الى سعي الست أنيسة للإفادة ممّن سبقونا في إنعاش التراث وحمله نحو المستقبل.

ولا تزال مواسم الحرير في ديركوشه مزدهرة، ويُقام لها احتفال ولو مرّة كل سنة، تدعى الى المشاركة فيه قرى الجوار وبعض الأصدقاء من العاصمة.

فأرجو ان تبقى مواسم الحرير مزدهرة. ويبقى لنا مع تراثنا وماضينا تواصل مثمر، لأن الإنقطاع عن الجذور يعني الفناء.

فإليك يا سيدتي، يا حاملة شعلة الإستمرار في النهوض الريفي والحضاري أطيب تحيّة، مع كل الشكر والتقدير، آملة ان تنتقل شعلة أنوارك وحماستك الى الأجيال الطالعة – وشكرًا.

—————–

 

*كلمة الأديبة إملي نصراللّه القيت بتاريخ 13/09/2012 لمناسبة تكريم المربيّة أنيسة النجّار، التي توفيت في الرابع عشر من كانون الثاني الجاري عن عمر 103 سنوات، وهي التي كرمها لبنان في حياتها، ومنحها رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان في عام 2013 وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور في عيدها المئة، واصدرت وزارة الاتصالات طابعاً بريدياً حمل اسمها وصورتها. كما نالت في عام 1967 وسام الإستحقاق اللبناني من رتبة فارس.  تخرجت عام 1936 في الجامعة الأميركية في بيروت بشهادة بكالوريوس علوم إجتماعية وتربية. وعينت رئيسة تحرير”العروة الوثقى”، وأسست جمعية إنعاش القرية مع السيدة إفلين بسترس عام 1953 وذلك لدعم المرأة الريفية من طريق جعلها شريكة للرجل في زيادة دخل العائلة وتربية أبناء المستقبل. وأنشأت عدداً من المستوصفات والمدارس، وهي التي أطلقت أول مشروع تنمية ريفية في العالم العربي عام 1953، وسعت الى إيجاد معهد ريفي يؤمن تربية المرأة المسؤولة: إمرأة الغد. وعملت أنيسة نجار ناشطة في الحركة النسائية، وهي التي نالت جوائز تقدير من هيئات محلية وعالمية، ومثلت لبنان في مؤتمرات عالمية، ومثلت في عام 1960 الهيئات النسائية اللبنانية لدى لجنة الأونيسكو الوطنية لمدة سبع سنوات. ومثلت في عام 1965 العصبة العالمية للسلام والحرية في مؤتمر الأمم المتحدة لـ STATUS OF WOMEN COMMISSION في طهران، ومثلت أيضاً لبنان في نيودلهي في مؤتمر العصبة النسوية العالمية للسلام والحرية. كما مثلت لبنان في العديد من المؤتمرات العالمية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s