من جمعة الى جمعة

بعد إلغاء العقوبات

إيران من دولة «مارقة»

إلى قوة إقليمية طليقة اليدين

شاه ايران
شاه ايران رضا بهلوي

 حسان الخوري

iran_2209402bغاب عن أذهان المراقبين أن السادس عشر من كانون الثاني، الذي أعلنت فيه إلغاء العقوبات الجزئي على إيران هو اليوم نفسه من العام 1979 الذي غادر فيه الشاه إيران إلى غير رجعة. التوقيت لم يكن مخططًا له، بل صدفة، لكنها صدفة لها دلالتها الرمزية، فسقوط الشاه، في رأي الكثيرين، لم يكن ممكنًا لو لم تسحب واشنطن ثقتها به وتأييدها له، بل أيضًا لولا تعاطفها مع القوى الثورية. عقارب الساعة لم تعد إلى الوراء، لكن الحدث يطرح سؤالًا أساسيًا : ماذا بعد إلغاء العقوبات؟

iran20a

هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) توقعت 5 تداعيات:
1 – حل أزمة رئيسية أقله للوقت الراهن.
2 – إرتفاع منسوب القلق لدى الدول العربية المجاورة.
3 – إنتعاش الإقتصاد الإيراني.
4 – إستبعاد تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران.
5 – تقوية موقع الرئيس روحاني عشية إجراء الإنتخابات البرلمانية.

iran economy

النقطة الأولى نقطة محورية، فالمعارضون للصفقة ركزوا إنتقاداتهم على أن إيران كسبت هيبة، بالإضافة إلى تدفق أكثر من 100 مليار دولار إليها ما يفقد تأثير الغرب عليها، ويخولها المضي قدمًا في تدخلاتها في الصراعات الإقليمية في المنطقة،  وإلى هذا الأمر أشار المعلق البريطاني المعروف في صحيفة “الغارديان” باتريك كوكبرن بقوله : «إن إيران أقوى سياسيًا وإقتصاديًا بفضل الإتفاق بشأن برنامجها النووي، والإلغاء الجزئي للعقوبات».

المعلق البريطاني  باتريك كوكبرن
المعلق البريطاني باتريك كوكبرن
رئيس لجنة العلاقات الخارحية في مجلس الشيوخ الأميركي بوب كروكر
رئيس لجنة العلاقات الخارحية في مجلس الشيوخ الأميركي بوب كروكر

من أصحاب هذا الرأي أيضًا رئيس لجنة العلاقات الخارحية في مجلس الشيوخ الأميركي بوب كروكر الذي بعث برسالة خطية إلى الرئيس أوباما قال فيها : «ستتوفر موارد جديدة لإيران تخوّلها مواصلة رعاية الإرهاب وتهديد جيرانها وتمويل برامجها النووية والصاروخية، وعلى الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين فرض عواقب سريعة ومباشرة لدى أي خرق أو عمل عدواني لضمان عدم إستخدام إيران الصفقة كغطاء من أجل الدفع قدمًا بنشاطاتها الخطيرة».

هيلاري كلينتون
هيلاري كلينتون

وبينهم إيضًا المرشحة الديموقراطية للرئاسة الاميركية هيلاري كلينتون، التي أعلنت في مقابلة تلفزيونية مؤخرًا: « يستمر الإيرانيون في زعزعة الإستقرار في الشرق الاوسط، ويستمرون في دعم المجموعات الإرهابية كحزب الله، ويستمرون في تهديد إسرائيل، هناك الكثير مما يدعو إلى القلق». السناتور الجمهوري عن ولاية فلوريدا ماركو روبيو ذهب إلى أبعد من ذلك بقوله: «لو كنت الرئيس لأبطلت الإتفاق النووي المعيب منذ اليوم الأول، وأعدت العقوبات ضد إيران في كل القطاعات: المصارف، النقد، وصادرات النفط والطاقة، وكذلك التأمين والسيارات والملاحة والمعادن الثمينة، وعملت مع الكونغرس على فرض عقوبات ساحقة جديدة على الحرس الثوري والقيادة الإيرانية لتماديهما في خرق الحقوق الإنسانية. لقد أثبتت التجارب أن إيران لا تتجاوب الا تحت الضغط فقط، وبقدر ما يكون شديدًا ومتكاملًا بقدر ما كان الأمر أفضل. إذا كنت رئيسًا فإن الملالي في طهران سيواجهون خيارًا بسيطًا: الإحتفاظ ببنية أسلحتهم النووية او بإقتصادهم، لكن لا يمكنهم الإحتفاظ بالامرين معًا.
لكن مؤيدي الصفقة يردون على هذه الإتهامات بأن الهدف منها كان فقط جعل العالم أكثر أمانًا وليس التصدي لدور إيران في إذكاء الصراعات الإقليمية أو رعايتها للجماعات الإرهابية أو خروقها لشريعة حقوق الإنسان، وإن البديل لها هو هجوم عسكري على منشآت إيران النووية يشعل حربًا إقليمية يحتمل أن تؤدي إلى تورط الدول الكبرى فيها.

economy

بالإنتقال إلى النقطة الثانية، ترى الـ “بي البي سي” أن الدول العربية الخليجية تعتقد أن إلغاء العقوبات سند لسياسة إيران التوسعية داخل العالم العربي، وتهديد لها ودلالة على أن الغرب يريد تحسين علاقاته مع طهران على حسابها، وتبدو غير مقتنعة بمقولة الغرب أنه راغب بعلاقات أفضل مع طهران لدعم حربه ضد داعش وإنهاء القتال في سوريا.
بما يتعلق بالنقطة الثالثة التي تتناول الوضع الإقتصادي يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
*الإقتصاد العام: الإقتصاد الإيراني هو أحد أكبر الإقتصادات الناشئة الأخيرة التي ما زالت غير جاذبة للرساميل، ويتوقع بالتالي أن يفتح رفع العقوبات الباب للتجارة والإستثمارات الدولية، *النفط: عودة إيران إلى السوق النفطية حيث يتوقع أن تبدأ بتصدير قرابة 300 ألف برميل يوميًا ما سيؤدي إلى المزيد من تراجع أسعار النفط عالميًا.
*المال والمصارف: ربط إيران مجددًا بالشبكة المالية العالمية.

الرئيس روحاني
الرئيس روحاني

من ناحية أخرى يتخوف المعارضون من أن تستخدم إيران التدفقات والتسهيلات المالية الجديدة لشراء الأسلحة وتمويل الميليشيات المسلحة التي ترعاها في المنطقة، وإدراكًا منه لهذه المخاوف سارع الرئيس روحاني إلى التأكيد في لقاء صحافي متلفز « أن الظروف ستكون أفضل من السابق للعلاقات الإقتصادية والسياسية مع دول المنطقة وحل المشاكل الإقليمية «،  وأعرب عن أمله بأن تخلق الصفقة أجواء للمصالحة.
العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران،  وهي النقطة الرابعة، قد تكون غير مرشحة حسب رأي “بي بي سي” للتحسن. من المؤشرات على ذلك أنه في اليوم نفسه الذي تم فيه الإعلان عن إلغاء العقوبات فرضت واشنطن عقوبات جديدة، وإن تكن محدودة، على إيران لإجرائها التجارب الصاروخية ما كان يعني، ظاهريًا على الأقل، أنه لا يزال ينظر إليها كدولة مارقة ولم يتم قبولها كليًا في المجتمع الدولي.

السيد خامنئي
السيد خامنئي

بعض المراقبين يلفت من ناحية أخرى إلى أن السيد خامنئي كان قد أعلن أنه سيتم إعتبار الصفقة النووية ملغاة إذا ما فرضت عقوبات جديدة على إيران. لقد فرضت هذه العقوبات قي وضح النهار، مع ذلك لم يحرك ساكنًا وظلت الصفقة قائمة. ومن هنا يسأل هؤلاء المراقبون: إية نوعية من العقوبات كان يعني؟ وهل وضعت خطوط حمر جديدة في اللعبة الدولية والحرب الديبلوماسية المستعرة بين الغرب وإيران؟
لقد وصف الرئيس روحاني الإلغاء وصفًا أقرب إلى الشاعرية بقوله أنه «صفحة ذهبية» في تاريخ إيران، ولو كان أكثر وضوحًا وصراحة لوصفه بأنه «ورقة رابحة» تطلق يدي بلاده كقوة إقليمية في المنطقة.
لكن إذا لم تكن العلاقات مرشحة للتحسن، فإنها في المقابل،  مرشحة لأن يتوسع نطاقها ولا تبقى منحصرة بالشأن النووي، وربما حصل هذا التطور فعلًا كما توحي بذلك عملية تبادل السجناء في وقت متقارب مع إلغاء العقوبات .

التدخل الأميركي في أفغانستان
التدخل الأميركي في أفغانستان

لكن الثقة ما زالت مفقودة بين الطرفين. الإلغاء أزال عقبة مهمة بكل تأكيد، إلا أنه لم يبدّل نظرة واشنطن إلى إيران كعامل عدم إستقرار في المنطقة يشكل تهديدًا لحليفتها إسرائيل، ودولة تخرق الحقوق الإنسانية داخليًا وتساند الإرهاب في الخارج. طهران، وبنوع خاص مرشد الثورة السيد علي خامنئي والأوساط المقربة اليه وقادة الحرس الثوري والمتصلبون في المقابل لا يطمئنون بدورهم إلى سياسة الولايات المتخدة في المنطقة وما تضمره، لهم، فبعد فترة وجيزة على إعلان الإلغاء أبدى الإمام خامنئي مخاوفه من أن « التسلل» الثقافي والإقتصادي مع بدء تطبيق الإلغاء. مع أن بعض المراقبين يرون، خصوصاً بعد التدخل الأميركي في أفغانستان، تشابكًا في المصالح بين البلدين كان يؤمل أن يؤدي إلى الحوار بل التقارب بينهما.لكن لم تكن الإعتبارات الجيوسياسية وراء إلغاء العقوبات وإنما الأوضاع المحلية،  فأوباما يدرك أنه بالرغم من معارضة الجمهوريين بصورة عامة، وبعض الأعضاء الديموقراطيين البارزين للإلغاء ترغب قاعدته الحزبية الديموقراطية، الشعبية بل ترغب بمهادنة إيران ومصالحتها.

4-bushehr-power-plant

النقطة الأخيرة تتعلق بتنامي قوة روحاني، فهو قد وصل إلى الحكم واعدًا بإزالة العقوبات، وقد وفى بوعده ما أثار حفيظة منافسيه المتصلبين الذين عبّرت عن موقفهم صحيفة وطني لامروز المقربة منهم بقولها إن الصفقة دفنت إنجازات إيران قي الإسمنت، في إشارة إلى إقتلاع نواة مفاعل المياه الثقيلة وسد الحفرة بالإسمنت، وقالت أن روحاني أصر على رفع العقوبات قبل موعد الإنتخابات البرلمانية في شباط المقبل كي يقطف ثمارها إنتخابيًا، لكن ما من شيء مؤكد أنه سيفوز في هذه الإنتخابات. في الواقع لم تكن قد مضت سوى أيام معدودة على إلغاء العقوبات عندما أعلن عن عدم أهلية أو إنسحاب ثلثي المرشحين من قبل مجلس صيانة الدستور المؤلف من 12 عضوًا ينتخب البرلمان نصفهم، ويعين نصفهم الآخر السيد خامنئي الذي يملك الكلمة الأخيرة بما يتعلق بشؤون الدولة. كما للمجلس صلاحية نقض التشريغات التي يقرها البرلمان. ويقول الإصلاحيون أنه لم يقبل من مرشحيهم سوى  1%، وتحديدا 30 مرشحا من أصل 3 ألاف، وبين المرشحين الذين رفض ترشيحهم أعضاء في البرلمان الحالي.
إضافة إلى ذلك المنافع الإقتصادية لإلغاء العقويات لن تظهر قبل مرور عام أو عامين على الأقل.
في جميع الأحوال لن يكون إستنادًا إلى السوابق لفوز روحاني أو عدمه تأثيرًا تغييرًا كبيرًا، ففي العام 2000 حصل الليبراليون المؤيدون للرئيس محمد خاتمي على مكاسب مهمة داخل البرلمان، لكن مضت السنوات دون أن تبصر الإصلاحات الموعودة النور وتقلصت صلاحيات خاتمي وإنتهى الأمر بمؤيديه في السجون أو المنفى.المفارقة أن روحاني كان في صفوف المتصلبين المعادين لخاتمي .

خاتمي
الرئيس محمد خاتمي

بعض المعلقين، خصوصاً الإقتصاديين منهم،  يذهب إلى أبعد من ذلك، ففي  رأيهم أن الحكومة الإيرانية لن تكون قادرة في المدى القصير وفي المدى الطويل، بل ربما مطلقًا من تلبية تطلعات مواطنيها إذا لم يصل سعر برميل النفط إلى 145 دولارًا، وهذا من رابع المستحيلات، ما سيؤدي إلى «حركة خضراء» أو «ربيع» جديدين  في إيران، ولعل هذا ما أراده الغرب أصلًا من الصفقة النووية، فالصفحة الذهبية في إيران التي تحدث عنها روحاني قد لا تكون ذهبية على الإطلاق بل صفحة سوداء أخرى في تاريخ إيران، خصوصا أن مرحلة ما بعد خامنئي الذي يشكو من إعتلال صحته قد بدأت، ووضع الفرقاء المتنازعون:المعتدلون والإصلاحيون من جهة، والمحافظون والمتصلبون في الجهة المقابلة القفازات إستعدادًا لمعركة خلافته، واللافت أن قوة الفريق الثاني قد تعاظمت بعد توقيع الصفقة النووية في تموز، وإنعكس ذلك في سلسلة من الأعمال العدائية يدءا بإجراء التجربتين الصاروخيتين الباليستيتين، وإحتجاز أميركيين من أصل إيراني، وعدم منع المتظاهرين من الهجوم على السفارة السعودية وأسر بحارين أميركيين، وإنتهاًء بإستبعاد المرشحين المؤيدين لسياسة روحاني من معركة الترشيح للبرلمان.

الرئيس اوباما
الرئيس اوباما

من ناحيته بعث السيد خامنئي رسالة الى الرئيس روحاني قال له فيها: «إن إلغاء العقوبات إقتصادية لا يكفي وحده لانعاش الإقتصاد وتحسين حياة المواطنين»، كما حذّر في كتاب مفتوح من المساعي الغربية للتسلل إلى المجتمع الإيراني عبر “ثورات اللون” الديموقراطية، وبدت أقواله مناقضة كليًا لما صرّح به الرئيس أوباما مخاطبًا الإيرانيين، خصوصاً الشبان منهم بأن لديهم فرصة لبناء علاقات جديدة مع العالم، مضيفًا “لدينا فرصة نادرة لسلوك طريق جديدة، نحو مستقبل مختلف وأفضل يوفر التقدم لشعبينا وللعالم الواسع”.
فهل يصدق الإيرانيون الشيطان الأكبر وينتهزون الفرصة ؟

iran and usa

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s