تستشرف مصير الطفولة الآتية في ظلّ الحروب والمجازر

رواية “تماثيل مصدّعة” لـ الأديبة مي منسّى

مي منسى وغلاف روايتها
مي منسى وغلاف روايتها

د. ناتالي الخوري غريب 

بصفاء استشرافي روائي، تلفت مي منسّى النظر إلى ما قد ينتظر الطفولة المهشّمة التي تنشأ في ظلّ ظروف مماثلة لما عانته شخصيّات روايتها “تماثيل مصدّعة”، (الصادرة عن دار الساقي 2014”)،  تستشرف مصير الطفولة الآتية، في ظلّ الحروب والمجازر التي ترتكب بحقّ الإنسانيّة والطفولة، وما ينتج عنها من تشتيت العوائل وحالات الاغتراب والاستلاب والتصدّع التي لا يمحو أثرها إلا عالم الفنّ بتحليقه في سماء من خير وحقّ  وجمال.

د. ناتالي الخوري غريب
د. ناتالي الخوري غريب

“تماثيل مصدّعة” قصّة أرواح صدّعتها الانسلاخات والجراحات فعاشت في حال أقرب إلى تماثيل من طين وصلصال، عبثًا تحاول ترميم ذاتها وتبثّ فيها روح المصالحة، لجيل وُلد في خمسينات القرن المنصرم، سُلبت أشخاصه روحُها، كُسرت أيديها، خُطف لونها، بيع أملها. تدور أحداث الرواية في ثلاث قارات، إفريقيا(أبيدجان: سهول، مراع، قصور) وأوروبا(فرنسا وألمانيا: متاحف ومطاعم) وآسيا(لبنان، القبو-المحترف، المنزل الزوجي، السجن، وتركيا، درب السفر)، فضاء الأمكنة يعطي بعدًا كونيًّا للمآزم الإنسانيّة التي تريد الأديبة أن تظهر اختناقها بقيود الذات الإنسانيّة وصراعاتها في كلّ بلد بما تمثّله. أمّا فضاء الأزمنة، فهي متعاقبة، منذ ولادة هاني العاصي اللبناني في أبيدجان، ومن ثمّ انتقاله الى باريس ليتخصّص في جامعاتها في فنّ الرسم والنحت، ومن ثمّ عودته إلى بلده الأم لبنان، مستخدمة تقنيات الاستباق والاسترجاع  لتنسج قصصًا جديدة، لأزمة جديدة عن كلّ شخصيّة، في هذه القارات المتصّدعة، التي وحّدتها مآزم الذاكرة المتألّمة، وحنينها الدائم الى أمّ كونيّة مرضعة لا تزول، كالمطلق في حنوّها على أبنائها. في حينّ أنّ النقد الفنّي الذي مارسته الأديبة داخل كون القصّ أثرى الرواية في إعطائها بعدًا أكاديميًّا فنيًّا، كون معظم الشخصيات ينتمون إلى عالم الفنّ، تخصّصًا وممارسة.

لا أعتقد أنّ بطل القصّة هو هاني النحّات الذي هرب من منزله الوالدي، لأنّ أباه رجل الاعمال الناجح يمارس شذوذه عليه، ولا من يحميه. حتى الوالدة قبضت ثمن سكوتها حياة مترفة بين باريس وأبيدجان، فالشذوذ ما هو إلا وسيلة في هذه الرواية وليس غاية.

ولا روكو، صديق الطفولة الإفريقي الذي تركته حبيبته الأوروبيّة “كي لا يتربى نغل في رحمها” بحسب أهلها، فأجهضته وأجهضت معها كلّ محاولات روكو بتجاوز العنصريّة وإدمانه على التفكير بأنّ سواد بشرته نتيجة الخطيئة الأصليّة، وليس البطل صديقه الألماني الموسيقي جاره فريدريتش الذي عاش اليتم بعد أن قتل النازيون والدته الموسيقية في معتقل داشو لأنّها يهوديّة، ووالده الإلماني لم يتجرّأ على الدفاع عنها خوفا من خسارة مكانته كقائد أوركسترا، فشنق نفسه، ولا أخته يمنى التي تقمّصت معاناته فأدانته لخضوعه ومن ثمّ انتحرت، ولا  صديقته الفرنسيّة سيمون، موديل الرسم التي تعرف اليها في باريس وأغرم بها…

رواية العلاج بالفنّ

الأبطال هم قضايا تحوجها ثورة، ثورة أطلقتها مي منسّى عبر شخصيّات تعلّمت كيف تبحث عن خلاصها بمسارين على الرغم من كلّ التشوّهات التي أصابتها: الخلاص عبر التعلّق بعالم غيبي، والخلاص عبر الثورة بالفنّ، فكأنّي بروايتها هي رواية العلاج بالفنّ، والهروب الى عالم الموسيقى والرقص والنحت والكتابة،” محترفك ليس حديقة سرية، هو مطهرك. ص 101″.

وفي كلتا الحالين، كان التعلّق بعالم الرؤى سعيًا إلى خلق عالم مواز، عالم تملؤه الطمأنينة، عالم يعيد صوغ الذاكرة وتاليًا الحياة، انطلاقًا أو اعترافًا بأنّ الإبداع تولّده المعاناة، “ليتك تعلم من أي نفايات القهر والوجع والحرمان تولد الموسيقى، رسولية، تحوّل القهر والوجع آيات من الإبداع والسلوان”ص103.

العلاج ممّ؟ من مآزم الطفولة وجروح الانسلاخات؟ أو الإجابة عن السؤال الأبرز الذي يتكرّر في الرواية: أنتَ من أنت؟ وبذلك تكون معرفة الذات بعد الغوص على الذاكرة هي العلاج، حتى يتمّ التحرّر من إدانة الذات، هذه الإدانة التي تحكّمت في كلّ مفاصل الرواية، في كل ما فعل هاني النحات بشعوره بخطيئة ارتكبها أبوه في حقّه فأدان نفسه، وارتضى تحمّل جريمة لم يقترفها فداء عن ابنته، كما أدان نفسه والد جاره، فاختار الانتحار خلاصًا، وكما أدان نفسه روكو حين تركته زوجته.

قضايا كثيرة تعالجها الأديبة في هذه الرواية، العنصريّة، الشذوذ، الظلم، الحرب، الذاكرة، الطفولة، الانسلاخ، الفنّ، الصراع الذاتي، الحريّة، الانتحار، البحث عن الله، الاغتراب، وجميعها يمكن أن تندرج في ثلاث جدليّات تتحكّم في الرواية للوصول إلى الخلاص: الثورة والخضوع، المادّة والروح، العالم المرئي والعالم اللامرئي، كلّها تصبّ في خانة البحث عن الخلاص عبر الفنّ-(رسما ونحتا وموسيقى وكتابة)- الذي يربط هذه الجدليّات في المنطلق والغاية، تحرّرًا من الخطيئة الأصليّة والمكتسبة وإدانة الذات والآخر.

في الخضوع استسلام للأقدار وما تأتي به الأيام وما يستتبعه من مذلّة، أمّا الثورة فتبدأ باتخاذ قرار الرحيل والانسلاخ، قرار تنقية الذاكرة للبدء من جديد، كما جاء على لسان روكو الإفريقي في نصيحته لصديقه هاني:”ارحل، لتولد من جديد، ففي كل عمل نقوم به ولادة”، ص 15، لتكون الثورة لاحقًا معادلًا موضوعيًّا للحياة، على طريقة الكوجيتو الديكارتي:” أنت ثائر يعني أنت حيّ”، ص 23، كذلك تظهر منسّى عبر شخصيّاتها المقولات العنصريّة التي صارت موروثًا مكرسًّاعلى لسان جدّة روكو:” العرق الأسود لعنة مصبوغة بالخطيئة الاصليّة”، ليكون منطلق الثورة من هنا، فرديًّا وجماعيًّا.

جدليّة المادّة والروح

الأديبة مي منسى
الأديبة مي منسى

أمّا جدليّة المادّة والروح، فعالجتها الروائيّة عبر تماثيل الطين التي تعجنها الأيدي وخيالات الذاكرة ومصالحها، والروح التي تتعب في سجن الصلصال تحاول إحياءه بخمير جديد ليكون متماسكًا في بناه ورؤاه. إعادة الخلق حتميّة لتجدّد الروح، للخلاص الكامن في الطمأنينة، عبر الفنّ والتعالي والتسامي بمسافات الحريّة التي يقدّمها ببثّ روح جديدة، وحدها الروح ترمّم وتملأ فراغات ما ضاع: “لعلّي عدتُ إلى سفر التكوين وجبلة الصلصال من أجل استعادة ما فقدته. كلا لم أعثر على الضائع مني، بل في محترفي… حكاية إنسان، تليق به الحياة، يمتلك أساساتها، يبني عليها قدرا من يديه ومن فكره، فلا يعود التمثال المهشم شيئا ضائعا، بترميمي قطعه المبعثرة، ارى الوجود اكثر وضوحا، اكثر تماسكا، “8ص. فالرؤية الواضحة هنا لا يمكن أن تفسّر إلا بالصفح وتنقية الذاكرة، والصفح لا يتمّ إلا بخلق جديد، والخلق هو اكتمال المادة والروح معًا:” صارت المادّة الصامتة التي تغدو بسحر ساحر بين يديّ النحات جسمًا نابضًا بالحياة.40″، وما السحر الا تحويل الألم  توقًا الى الحياة.

وبما أنّ الفنّ يحتّم الكلام في جدليّة العالم المرئي والعالم اللامرئي، تعبّر الرواية عن الفكر الغيبي الذي  يكاد ينافس الفنون في مصدر الإلهام كمنبع هام لاستمرار الحياة. والعبور بين العالمين جاء على رمز سائق،(محمد من أصول جزائرية) أرسلته العناية الإلهيّة إلى هاني، فنقله من على رصيف الميناء عند وصوله إلى فرنسا لينقله إلى الدير، حيث التطهّر الأوّل للمصالحة الذاتية،”تأكّدت أنّ عالمًا لامرئيًّا يتدخّل في أمورنا حين تتعثّر عقدتها”ص 23، والسائق الآخر، منيف في لبنان الذي ينقل لهاني رؤيا جدّته مريم الضريرة، قارئة الغيب: “من أين لسائق الأجرة هذا اللسان المتكلّم بفكر الفلاسفة”ص326، لتظهر في فنون شخوصها توقهم إلى خلق علاقة وهميّة مع اللامرئي من أجل اكتشاف ” الحدود الرقيقة جدًّا بين الكون المرئي والكون اللامرئي”ص 188.

***

بين العالمين، اختارت شخصيّات الرواية الانعزال في الفصل الأخير من حياتها، لتكون بعيدة من وطنها الأم، إمّا إيمانًا بالهويّة الكونيّة الإنسانيّة التي تعالت عن الجغرافيا، وإمّا هربًا من الظلم الذي اقترفته أوطانهم الأم بحقّهم، معظمهم اختار التنسّك خلاصًا وخاتمة لطفولتهم المهشّمة، (هاني اللبناني في دير في فرنسا، فريدريتش الالماني في جرد لبنان)، فشكّلا ائتلاف كمال العمل والصوغ، أحدهما كتابة ونحتا(هاني) والآخر نشرًا وعرضًا، (فردريتش)، لتكون رسالة الإنسانيّة مجبولة بالطين واللون والكلمة، تساميًا وخلقًا جديدًا وحريّة وبحثًا دائمًا عن الله، وعيشًا في أحضانه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s