إبداع طبي لبناني

الجراح اللبناني الأصل بيار سعادة

يشارك في عملية زراعة وجه رجل

في الولايات المتحدة الأميركية

الجراح اللبناني الأميركي بيار سعادة
الجراح اللبناني الأميركي بيار سعادة

نهاد الحايك

ما شاهدناه في فيلم Face/Off عام 1997 (للمخرج جون وو، تمثيل نيكولاس كايج وجون ترافولتا) وكان جموحاًللخيال السينمائي، حيث انتُزع وجه رجل وزُرع كوجهٍ لرجل آخر بعملية جراحية لضرورات الحبكة البوليسية، بدأنا نشاهده في الحقيقة منذ سنوات قليلة ولكن لأسباب صحية وإنسانية.  أحدث ما توصلت إليه الجراحة في هذا المجال، شاهده العالم مؤخراً بإعجاب وذهول، وهو العملية الجراحية لإحلال وجه كامل محل الوجه المشوّه لرجل إطفاء كان قد أُصيب بحروق بالغة في عام 2001.  العملية التي أُجريت في 14 آب 2015 لم يُعلن عنها إلا في 16 تشرين الثاني 2015، وذلك مراعاةً لمعايير السرية الطبية المعمول بها في الولايات المتحدة ولعبور المرحلة الحرجة التي تحصل فيها عادة ردات الفعل الرافضة من قبل جسم المريض وهي ثلاثة أشهر، وللتأكد من أن العملية قد حققت هدفها ومن موافقة المريض على الإعلان عنها.

A
باتريك هارديسون قبل وبعد العملية

هذه العملية الجراحية الفائقة التعقيد استغرقت 26 ساعة متواصلة وقادها الطبيب الجراح إدواردو رودريغز (من مواليد ميامي في ولاية فلوريدا الأميركية ومن أبوين مهاجرين من كوبا)، يساعده فريق مؤلف من 100 شخص، من أطباء وجرّاحين وممرضين وفنيين من الجنسين، وذلك في مركز لانغون الطبي في جامعة نيويورك.

المتلقي هو باتريك هارديسون، 41 سنة، من ولاية ميسيسيبي الأميركية، وهوأب لخمسة أبناء وبنات.  وكان قد أصيب في عام 2001 لدى تطوعه لإطفاء حريق، بحروق بالغة من الدرجة الثالثة أفقدته جفنيه وأذنيه وشفتيه وأنفه وشعره.  امَّحت كل ملامح وجهه ورأسه وعنقه وأعلى صدره.  ذابت بشرته تماماً ولم يبق فيها أي أنسجة طبيعية بحيث لم يعد قادراً على إسدال جفنيه ولا التحدث والأكل بشكل طبيعي.

من فيلم Face/Off
من فيلم Face/Off

أما الواهب فهو دايفد رودباو، 26 سنة، من ولاية أوهايو. وكان رودباوبطلاً في قيادة الدراجات، وتوفي في حادث عندما كان يقود دراجته في ضاحية بروكلين المجاورة لمانهاتن في نيويورك.

واهب وجهه دايفد رودباو
واهب وجهه دايفد رودباو
الجراح إدواردو رودريغز
الجراح إدواردو رودريغز

الخبر ليس جديداً بالطبع، إذ تناقلته وسائل الإعلام مؤخراً مع فيديو وصور. لكن المعلومة التي يسعدني إضافتها إلى هذا الخبر هي أن أحد أهم مساعدي الدكتور رودريغز هو الجراح اللبناني الأميركي الشاب بيار سعادة.

من هو الطبيب الجّراح بيار سعادة؟

بيار سعادة، طبيب جراح، أخصائي في الجراحة الترميمية(reconstructive surgery)، اختصاص متقدم جداً من اختصاصات الجراحة التجميلية، وهي التدخل الجراحي الذي يعيد إلى الجزء المصاب من جسم الإنسان وظيفته العادية وشكله الطبيعي بعد أن يكون قد توقف أو تعطل بسبب مرض أو حادثٍ ما.  كان بيار سعادة في السادسة من عمره عندما غادرت عائلته لبنان.  أنجز المرحلة الثانوية في مدرسة Regis للآباء اليسوعيين في نيويورك وكان يحصل دوماً على مِنح دراسية نظراً إلى تفوقه.  ثم درس البيولوجيا الكيميائية في جامعة هاملتون بولاية نيويورك، والطب في جامعة إيموري بولاية جورجيا. وتخصص في الجراحة العامة في جامعة ولاية كونكتيكت، ومن ثم الجراحة التجميلية في معهد الطب بجامعة نيويورك.  حاصل على زمالات عدة في الأبحاث الجراحية، ولا سيما في الجراحة الترميمية، وفي جراحة الرأس والعنق، وفي الجراحة المتناهية الدقة، وهي الجراحة التي تنفَّذ بمساعدة ميكروسكوب خاص وآلات متناهية الدقة ومنها جهاز محرِّك متناهي الصغر(micromanipulator)لمعالجة أجزاء صغيرة جداً في الجسم البشري كالخلايا والأنسجة والأوعية الدموية.

الجراح اللبناني الأميركي بيار سعادة

الجراح اللبناني الأميركي بيار سعادة
الجراح اللبناني الأميركي بيار سعادة

وبيار سعادة هو حالياً مدير برنامج الجراحة التجميلية وبروفسور ونائب رئيس التعليم للجراحة التجميلية في معهد الطب بجامعة نيويورك؛ ورئيس قسم الجراحة التجميلية وجراحة اليد في مستشفى Bellevue في نيويورك. كما أنه عضو في جمعيات عديدة تُعنى بجوانب مختلفة من المهنة. كتب أو شارك في كتابة مقالات وتقارير ودراسات علمية وطبية متخصصة في جوانب مختلفة من الجراحة التجميلية والترميمية.  حائز على العديد من الجوائز التكريمية وأوسمة الشرف تقديراً للأبحاث التي أجراها في هذا المجال.

ولد الطبيب الجراح بيار سعادة في لبنان في عام 1969. والده بطرس سعادة، الطبيب الأخصائي في أمراض الجهاز العصبي.  في عام 1975، عند اندلاع الحرب في لبنان، غادرت العائلة البلاد، كعائلات لبنانية كثيرة، ليس هرباً ولكن بحثاً عن استمرارية الحياة.  وكانت العائلة مؤلفة من الوالد الدكتور بطرس سعادة والوالدة جنفياف (بلجيكية)، وبيار الذي كان في السادسة من عمره، وأخيه كريس الذي كان في الرابعة.  وبعد بضع سنوات في بريطانيا، وصل بهم المطاف إلى نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية.  هناك مارس الدكتور بطرس سعادة مهنته بعد أن خضع لبرنامج دراسي إلزامي من أجل معادلة شهادته وفقاً للنظام الدراسي لمهنة الطب المعتمد في الولايات المتحدة. عمل طبيباً لأمراض الجهاز العصبي في مستشفى سانت فنسنت في نيويورك كما درّس في جامعة نيويورك.  ثم فتح عيادته الخاصة ومركزاً لإعادة التأهيل من أمراض الجهاز العصبي في مركز التجارة العالمي في نيويورك.وله مقالات عديدة حول حقل اختصاصه نُشرت في أهم الدوريات الطبية المتخصصة في الولايات المتحدة.

 

فريق الجراحين والأطباء الذين أجروا العملية (الجراح اللبناني الأصل بيار سعادة هو الأول من اليمين بالروب الأبيض في الصف الأول، وضمن الاطار المضاف على الصورة)
فريق الجراحين والأطباء الذين أجروا العملية (الجراح اللبناني الأصل بيار سعادة هو الأول من اليمين بالروب الأبيض في الصف الأول، وضمن الاطار المضاف على الصورة)

وقد جرت عملية زرع الوجه في شقَّين متوازيين، وفي غرفتَيْ عمليات متجاورتين: فريقٌ عمِلَ على نزع الوجه من الدرّاج المتوفى، وفريقٌ عمِلَ على نزع الوجه المشوه وإحلال الوجه الآخر لرجل الإطفاء. ومدة الـ26 ساعة التي استغرقتها العملية توزعت كما يلي: 12 ساعة لنزع الوجه عن المتوفى، و7 ساعات لنزع الوجه المشوَّه عن المتلقي، و10 ساعات لتركيب الوجه عند المتلقي. الجرّاح بيار سعادة كان واحداً من ثلاثة جراحين في الفريق العامل على وجه المتلقي: إعداد وجه المتلقي أي نزع وجهه المشوه،وأيضاً زرع الوجه الجديد.

ماذا يقول الدكتور بيار سعادة عن العملية الجراحية؟

وأجابني سعادة رداً على سؤالي عما إذا كانت العملية تُعتبر ناجحة مائة في المائة، فقال إنه من النادر جداً أن تسجل أي عملية في الجراحة أو في الطب عموماً نجاحاً بنسبة مائة في المائة.  ولا يمكننا الحكم بعد على هذه العملية بالذات لأن المريض لا يزال في مرحلة التعافي، ومن جهة ثانية، لأن الجماليات تبقى مسألة نسبية تتعلق بنظرة كل شخص.  ولكن يمكن القول إننا قد حققنا كل الأهداف التي توخيناها للمرحلة الأولى وأهمها إعادة الرؤية للمريض بفضل الجفنين اللذين جعلناهما يعملان بشكل طبيعي.

سبق وأن أُجري ما يقارب الثلاثين عملية من عمليات زراعة الوجه مكان الوجه المشوه قبل هذه العملية، ومنها في فرنسا وبولندا وإسبانيا وبلجيكا وتركيا والولايات المتحدة. لكنها كانت عمليات جزئية تتناول بعض نواحي الوجه. أما الفتح الطبي في العملية التي نتحدث عنها هنا، حسبما قال لي الجراح سعادة،فيتمثل في جانبين هما: أولاً أنها تمكنت من تشغيل الجفنين؛ وثانياً أنها كانت الأكبر من حيث المساحة التي تم ازدراعها.

فعلاً، لقد تم استبدال كل المنطقة الممتدة من العنق عند أعلى الصدر مروراً بكل أنحاء الوجه، بما فيه بعض عظام الذقن والخدين، والشفتان والأنف والأذنان وقنواتهما،وصولاً إلى فروة الرأس وحتى أسفل الجمجمة من الخلف.  وعمل الأطباء على توصيل كل الأعصاب والأوعية والأنسجة والعضلات بين وجه ورأس هارديسون والوجه المستقدَم من الشاب المتوفى.  كما تمكنوا من استبدال الجفنين بما فيهما من عضلات الغلق والفتح.  ومن علامات نجاح العملية أن شعر الذقن والوجه والرأس بدأ ينبت ويبدو طبيعياً للغاية.

باتريك هارديسون قبل أن يذوِّب الحريق وجهه

وكان هارديسون قد خضع قبل زرع الوجه لـ 70 عملية جراحية في السنوات الإثنتي عشرة الماضية، منذ تعرضه للحريق أثناء القيام بمهمات الإطفاء في عام 2001.  ومنها عمليات ازدراع الجلد وتركيب أذنين اصطناعيتين. ولكن مشاكله استمرت ولا سيما في عينيه إذ لم يكن بإمكانه تحريك الجفنين أو إسدالهما وكان التحدث والأكل يسببان له ألماً شديداً وظل لون وجهه أبيض. بالطبع لم تكن حياته معرضة للخطر بسبب حالته هذه، وعملية زرع الوجه تهدف إلى تحسين نوعية حياته وتخفيف معاناته، خلافاً لعمليات زرع أعضاء حيوية مثل القلب والكبد والكلى التي تهدف إلى إنقاذ حياة المريض. من هنا، الجدال القائم في الأوساط الطبية والاجتماعية والأكاديمية حولهذا النوع من العمليات الجراحية.

لقد شهد هذا الميدان تطورات متسارعة في السنوات الأخيرة وتحققت نتائج رائعة في عمليات زرع الرحم والأعضاء التناسلية واليد واللسان. وأُجريت أول عملية زرع لأجزاء في الوجه (الذقن والشفاه والأنف لامرأة تعرضت لعضة كلب) في فرنسا في عام 2005.  ثم أجريت عملية زرع كل الوجه في إسبانيا في عام 2010.  وقد انتقد البعض هذه العمليات من منظور أخلاقي معتبرين أنها ليست ضرورية لأنها لا تهدف إلى إنقاذ حياة المريض بل تُعرضه لخطر الموت بهدف تحسين نوعية حياته.

الخطورة والتعقيدات

خطورة ظهور تعقيدات بعد عملية زرع الوجه، بل حتى الوفاة بسببها، عالية جداً. فعلى غرار المرضى الذين يخضعون لعمليات زرع القلب والكبد من مانحي أعضاء، يتعرض المرضى الذين يخضعون لعملية زرع الوجه، حتى لو سارت أولاً على ما يرام، لاحتمال أن يرفض جسمهم الأجزاء الغريبة عنه.  ولتفادي ذلك، يرى الأطباء ضرورة أن يتناول هؤلاء أدوية لكبحالمناعة (immunosuppressant)لفترات طويلة جداً.

لقد كان وجه هارديسون لا يزال متوّرماً بعد مرور ثلاثة أشهر على العملية ولكن بدرجة أقل من البداية.  وهذا أمر طبيعي في رأي الجراح رودريغز، على غرار أي عملية جراحية، “ولكنه سيسترجع الحالة الطبيعية في نهاية المطاف.  فتغيير الوجه هنا ليس على الإطلاق كتغيير الوجه الذي نعرفه من الفيلم السينمائيFace/Off الذي مثَّل فيه نيكولاس كايج وجون ترافولتا وتبادلا فيه وجهيهما بعملية جراحية خرجا منها فوراً إلى الشارع!!”

وماذا بعد؟

سؤال يُطرح بعد الإنجازات الهامة.  وأيُّ تحدٍّ يتطلع الجراح وزملاؤه إلى الانتصار عليه مستقبلاً؟ أجابني الجراح بيار سعادة أن “التحدي الحقيقي المطروح حالياً هو كبح رفض جهاز المناعة في جسم الإنسان لما يُزرع فيه.  وعندما يتمكن الطب من جعل جهاز المناعة لا يرفض عمليات الزرع، تنفتح الآفاق أكثر ويصبح بإمكاننا إجراء عمليات الزرع في حالات أكثر انتشاراً تُعتبر أقل تعقيداً ولكنها صعبة، ومنها إعادة ترميم الأصابع والأنف والأذن مثلاً.  والأهم من ذلك، عندما يتحقق التقدم المطلوب في ضبط جهاز المناعة سيكون بإمكاننا زرع أعضاء حيوية لحياة الإنسان، مثل الكلى والكبد، من أجسام غير بشرية”.

وقد وجهت الجمعية اللبنانية للجراحة التجميلية والجراحة الترميمية الدعوة إلى الجراح بيار سعادة للمشاركة في المؤتمر الذي يُعقد احتفالاً بالذكرى الخمسين لتأسيس الجمعية، وذلك في الفترة من 26 إلى 28 نيسان 2016.  وسيحاضر في المؤتمر عن الأعمال الحديثة التي يشارك فيها في مجال الجراحات الترميمية لمرضى السرطان لإنقاذ أطرافهم (الذراع أو الساق) من القَطع في حال الإصابة فيها.

جراح من أصل لبناني

ورداً على سؤالي حول ماذا يعني له أن يكون من أصل لبناني، قال الجراح بيار سعادة: “أجد صعوبة في الرد على هذا السؤال، ولكن كوني هُجرتُ مع عائلتي بسبب الحرب، فإن الروابط التي بيني وبين لبنان هي روابط ثقافية وعائلية. وعندما أفكر عميقاً في هذا الأمر أجد أن هناك قواسم مشتركة كثيرة بين الجراحة التجميلية ولبنان.فالجراحة التجميلية ليست مفهومة كما يجب من قبل الناس عامةً. كُثر هم مَن يعتقدون أن الجراحة التجميلية هي حديثة العهد نسبياً، ذات بُعد واحد وغير ضرورية، بل يرون أن هذه الجراحة هي مجال غير مهم. في الحقيقة، للجراحة التجميلية جذور تعود إلى الحضارات القديمة وهي تشكل نقطة ملتقى للمدارس الطبية المختلفة. ومجالها يغطي اتساعاً وعمقاً مذهلين وتندمج فيه مبادئ الجماليات والترميم. واليوم، لا تلبي الجراحة التجميلية الغايات التجميلية فقط، بل أيضاً المعالجة الحديثة لمرض السرطان، وجراحة اليد، وجراحة الصدمات، وعلاج الجروح وغيرها”.

وفي الختام، لا بد من الإشارة إلى أن صاحب الوجه الذي مُنح إلى الإطفائي هارديسون، الشاب دايفد رودباو، هو من واهبي الأعضاء وكان قد قرر وهب قلبه وكبده وعينيه، ووافقت عائلته أيضاً على وهب وجهه. وكانت فِرقٌ أخرى من الجرّاحين تُجري عمليات لزرع تلك الأعضاء في مرضى آخرين تزامناً مع عملية زرع الوجه. كما لا بد من الإشارة إلى أن تكلفة عملية زرع الوجه قُدرت بما بين 850 ألف دولار ومليون دولار وكانت منحة من مركز لانغون الطبي في جامعة نيويورك الذي أجريت فيه العملية.  وهكذا، فلو لم تقدَّم المنحة، ولو لم يقرر دايفد وهْبَ أعضائه، لما كانت حصلت هذه العملية الجراحية الترميمية، ولما كان استرجع هارديسون وجهاً طبيعياً حتى لو لم يكن وجهه، ولما كان فريق الجراحين في مستشفى جامعة نيويورك سجل إنجازاً في هذا المجال.  وبالتالي، يمكن القول إن صعود العلم والطب لا يكتمل إلا إذا ترافق مع المبادرات الإنسانية.

أما لبنانيو الانتشار، فلهم في كل إنجاز عالمي دور، رُسُلَ علمٍ وثقافة وإبداع، حبذا لو عرفنا كيف نضم خبراتهم إلى الخبرات المحلية في سبيل نهضة الوطن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s