الباروك

الباروك
الباروك

راجح نعيم

 

في “الشُوْفِ” (1) من لُبْنَانَ تشمَخُ بَلْدةٌ
عُرِفَتْ بِتَارِيخٍ مَجِيْدٍ زَاهِرِ
من قَبْلِ آلافِ السِنينِ تَكَوَّنَتْ
بِعَلائِها، جاراً لأَرْزٍ دَاهِرِ
مَرَّتْ عليها في العُصورِ شَدَائِدٌ
صَمَدَتْ لها، بأساً، بِعَزْمٍ قادِرِ
صُلْبٌ، قويٌّ عُوْدُها، وذِمَارُها
لم تَنْثَنِ يوماً لِحُكْمٍ جائرِ
دَارَ الزمانُ بها فَأَعْلَى سِيَاجَها
فَتَفَالَتْ في أَمْسِها والحَاضِرِ
هَذِي هي الباروْكُ رَمْزٌ للهُدَى
في نَجِ توحيدٍ وَمَسْرى النَاصري
أُنْمَوْذَجٌ لِتَسَامُحٍ في عَيْشِهَا
تَرْعَى الوَفَا، وَتَرُدُّ كُلَّ مُكَابِرِ
أَهْدَى إليها اللهُ أَجْمَلَ صُوْرَةٍ
لِطَبيْعَةٍ، تَسْبي فُؤادَ النَاظِرِ
الشَمْسُ تَصْحو مِنْ عُلَى أَرْزاتِها
فَجراً، وتَغْفو في ثَنايا الخاطِرِ
فَتُرَى بِها الأَرْجاءُ مرعىً للَّسَنى
في مَنْظَرٍ فَرْدٍ عَجِيبٍ آسِرِ
وعلى السُفُوحِ تَشَابَكَتْ فِرَقٌ مِنَ
الأشْجَارِ في روعٍ كَصَفِّ عَسَاكِرِ
وَلَهًا تَدَفَّقَ من قَديمٍ نَبْعُها
خيراً وخِصْباً في نَمَاءٍ ظاهرِ
فَتَجَاوَزَتْ آثارُهُ جَنَباتِها
لجِوَارِها، فإذا الجِوارُ بِعَامِرِ
هي بَلْدَةٌ عَزَّتْ بُرِوَّادٍ لَها
“بِرَشيدِها(2)”، قطْبِ البَيَانِ البَاهِرِ
“وأمينِها(3)”فَذٍّ أَدِيْبٍ، شِعْرُهُ
أوْ نَثْرُهُ، باقٍ لِدَهْرِ الدَّاهِرِ
وَبِقَادَةٍ فُرْسَانَ من أَصْلابِهِمْ
آلُ العِمَادِ(4) ذَوو النفوذِ الظَاهِرِ
حَكَموا، وَمِثْلُهُمُ بَنُو عَلْوَانَ (5) في
عَصْرٍ شَدِيْدٍ، بالمآثِرِ ذَاخِرِ
وَلَكَمْ تَسَابَقَ للفِدَاءِ شَبَابُها
وَشُيوخُها دَفْعاً لأيِّ مَخاطِرِ
فَتَراهُمُ كالأُسْدِ إِنْ حُمَّ الوَغَا
شَرَعُوا الأَسِنَّةَ كابراً عن كابِرِ
وَمَضَوا إلى صُدْقِيَّةٍ عُرِفُوا بِها
وإلى الكرامةِ باحْتِضَانٍ وافِرِ
وَسَما بِهِمْ إيمانُهُمْ بشفاعَةٍ
من “عارِفٍ” (6) باللهِ حُرٍّ طاهِرِ
رَجُلٍ تَقَدَّس سِرُّهُ فَغَدا بِهِ
عَلَماً فريداً في صَفَاءِ الخاطِرِ
من أينَ تأتيهِ تَجِدْ خُلُقاً على
وَرَعٍ وإحساناً بغيرِ تكابرِ

———————————————-

([1])    الشوف: قضاء إداري في جبل لبنان الجنوبي.

([2])    رشيدها: الشاعر والأديب، رشيد نخلة.

([3])    أمينها: أمين نخلة: من أعلام الشعر والأدب في لبنان.

([4])    آل العِمَاد: عائلة إقطاعية ذات نفوذ في جبل لبنان، غاب دورها في هذه الأيام.

([4])    آل علوان كان لها نفوذ في سياسة جبل لبنان في القرنين التاسع عشر والعشرين.

([6])        عارف: الشيخ التقيّ النقيّ، أبو حسن عارف حلاوي.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s