“سروة في دار جدّي”…

ديوان “مدجّج بالإصرار” على الأمل

د. ناتالي الخوري غريب
د. ناتالي الخوري غريب

د. ناتالي الخوري غريب

ديوان “سروة في دار جدّي” هو أبلغ ما ينطِق عن الأديب نصر الظاهر، انطلاقًا من حكمة الإمام عليّ بن أبي طالب (ع): “رسولُك تَرجُمان عقلِك، وكتابُكَ أبلغ ما ينطِق عنك”.

ماذا أراد أن يقول الأديب في هذا الديوان “سروة في دار جدّي، (الصادر عن دار سائر المشرق 2016)، وهو الذي يؤمن أنّ الكتابة ليست ترفًا، بل تجريةً وجدانيّة وفكريّة تخبّر عن مضامين الرسالة الإنسانيّة، وهي عند الأديب نصر الظاهر تنحو منحى تجاوزيًّا،  يتخطّى فيها فردانيـّته ليتكلّم بلسان الأنا الجمعيّة، فكينونته الوطنيّة وكينونته الإنسانيّة تتلاقيان لتستمدّا من مقولات المحبّة والحقّ والجمال قيمتها، على ديمومة استحقاقات يطالب فيها نفسه كما غيرَه بالالتزام الوطني، استنهاضا بالإنسان. وقد ذكر في قصيدته إلى ورقة بيضاء، وفيها منطلق الكتابة والغاية: “إلى هذه الصفحة يستدرجني قلمي/…/إلى هذه الصفحة المطهّرة بالبياض/ أحمل أعوادي/ وأنصُب خيمتي/ وأدعو أصدقائي إلى فنجان قهوة/ وتتبدّد الغربة”ص143.

اختبارات وجدانية

الشاعر نصر الظاهر
الشاعر نصر الظاهر

إذًا، الكتابة لديه نزفٌ وملجأ وسند ٌوجلسةُ بوحٍ وصداقةٌ وفعلُ تبديد للغربة، ما يجعل هذه النصوص اختباراتٍ وجدانيةً كيانيّة وطنيّة لا يمكن أن نقرأ نصر الظاهر إلّا في ضوئها. لكنّها لا تخلو من عتاب ولوم، :”لماذا نحو أوحال هذا الزمان/انزلقنا بأقدامنا/ ولم نبتدع في دجى ليلنا/ نَجمة، تضيء امام خطانا طريق الرجوع/…/ وما من جواب سوى:”هم الآخرون”. ص 33. هو إيمان بالجوهر الإنساني القادر على ابتداع نور من داخله، جسر عبور إلى الآخر، في في توحّد الإنسانيّة، كي تتوحّد  نحن في الآخرين.

يستهلّ الظاهر ديوانه بقصيدة مواويل تبحث عن وطن، “مدجّجًا بالإصرار” على ديمومة البحث، وينهيه بقصيدة: “سنعيد البِذار”، مصرًّا على اقتراف الأمل ذنبًا له أثمانه المدفوعة من رصيد لا ينضب، رصيد معتّق في أجاجين من عرق الجدود في هذه الأرض، من أجل استعادة الحياة، من السروة، رمزِ الاخضرار الدائم، ربيعِ الأمل الطالع ارتقاء، رمزِ السياج الذي يأبى الخضوع للاستلاب الآتي من احتلال الغرباء… وسروة في دار جدّي، عنوانٌ يحيل إلى إكسير الربيع في تجدّد هذه الأرض، أرضِ الجدود منبت الأصالة التي لا تنحني.

أصالة صور وجمالها

كلّ قصيدة فيه تحمِل قولةَ محبّة ورسالةَ تجذّر، في أبعاد ترميميّة، صفحًا عن كل ما مضى،لا يُنكر نصر الظاهر هذا التصدّع في كينونة الوطن، لكنّه يريد أن يؤسّس لذاكرة نقيّة، تصفح عمّا كان.

كلّ قولة في هذا الديوان أصيلة وشعريّة، تماهيًا بأصالة صور وجمالها ونضال أهلها، على لغة أنيقة، لا هي متعالية ولا متحجّرة. تأخذ من التراث أصالته، ومن المعاصرة وضوحها، لا هي مغرقة في الغموض والإبهام فلا تصل إلى مقصَد، ولا هي مطروحة مباشرة فتفقد شفافيّتَها، والإيقاع مرافق يجول في الفكر، فيعلو به تارة،  وتارة أخرى حين يبلسم ينحني وينساب ويندفع.

غلاف ديوان "سروة في دار جدّي"
غلاف ديوان “سروة في دار جدّي”

هذا الديوان، مواويل وجع عتيق، لأديب هاله أن يكون الوطن”ملحمة خراب”، فأراده ملحمة تخبر عن دربٍ آخر معاكسٍ،  فجعله مواويل فرح مصرًّا على زرع بذار تكون “أمائر فرح”، هي مواويل كِيانه، “بذارُ دمه”، كي لا تضَلّ المواسم في غربّة الدار ومن ثمّ غربة الروح.

هذا الديوان، مواويل وفاء في إبقاء “ومضة ضوء” لمن غابوا، وعدَ سلام وذكرى لا تموت، هو مواعيد حبّ لا يملّ منها انتظار على واحات العطاء، في بيادر التفاني.

***

وفي الختام لا بدّ لنا من القول إنّ هذا الديوان هو إصرار الشاعر على حتميّة ترميم ما خلفته الحروب، بالحبّ فقط، على الرغم من أنّ صوت الأنين فيه لا يخفى، الا انه يرفع التحدّي راية، هو تحدٍّ بسلاح النبل والشهامة والمحبّة، لتكون الخاصيّة الأخلاقيّة هنا لا تدرك إلا بالحدس تجسدّها هواجسُ جاء التعبير عنها بإشراك الطبيعة، طبيعة صور صخرة الجنوب الصامدة، حيث الارادة الخيّرة في عناوين الصدق والصمود، “واشتهاءات قبّة السماء” لإعادة الحياة: “سنخبّئ، ولو في المهج،/آخر حبّة قمح/ لم ينل منها العفن/ ولم تصل إليها جحافل الجراد/وسنعيد البذار/ ونعيد ذهب السنابل/ ونعيد الحياة/ ص 153-154/

*القيت في ندوة الشاعر نصر الظاهر في صور، نهار الجمعة 5 شباط الجاري.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s