“نور الهدى” لـ جان سالمه

غلاف كتاب "نور الهدى"
غلاف كتاب “نور الهدى”

د. عبد الحافظ شمص

الروائي جان سالمه
الروائي جان سالمه

المعروف أن علم الفن هو أسمى أنواع العلوم، وتحسين أحوال الإنسان، الغرض الأساس للمعرفة… والحياة الإنسانيّة صنو الحريّة، في نطاق قيود الضرورة والطبيعة التي توحّد تعتبر طبيعة خلاّقة، جوهر إلهي لا يحتاج إلى شيء عداه من أجل وجوده… وقد قرن العلماء بين الجوهر أو الوجود عبر الشروط وعالم الأشياء أو الأحوال النّهائية الفرديّة وكلاهما عقلي… ومن المفهوم أن الجوهر واحد في حين أنّ الأحوال متعدّدة إلى ما لا نهاية كالعقل اللانهائي الذي يستطيع أن يدرك الجوهر اللانهائي في جميع أشكاله ومظاهره.

والانسان، المخلوق الذي ترتبط فيه حالة الامتداد بحالة الفكر والنّفس، شأنه في هذا شأن أيّ من هذين الحالين كجزء من الطبيعة .

والفنّان يقف في وجه تعقيدات الحياة النّفسية والعمليّة، ومرد ذلك هو العقل بلا انفعال.. والفرح الغامر، والغمّ والرّغبة.. كلّ هذا في فكر الفنّان منذ بداياته والى ما لا نهاية… وهو، أي الفنّان، إنسان سلوكي يحفظ ذاته كما ذات من يعمل من أجله ألا وهو الفنّ بأشكاله المتعدّدة، والإرادة تقوم دائماً على الدّوافع، والفنّان العاقل وحده وليس من حوله، هو الذي يستطيع أن يكون حرّاً… وتقدير الحريّة عامل نفسي مجرّد، وقد رفع من المعرفة العقليّة المستمدة من الحواس مجتمعة…

الحلم الكبير

ونور الهدى، الفنّانة الرّائدة، عصمت نفسها وتخلّت عن مباهج الدّنيا وعملت بجهد واجتهاد من أجل فنّها وهي في الثامنة من عمرها… أرادت أن تحقّق حلمها الكبير الذي يراود كلّ إنسان، والعمل لقطف الثمار … هي التي تؤمن بالمثالية كاتجاه حياتي يتقاطع مع الماديّة… وتبدأ من المبدأ القاتل أنّ الرّوحيّ، أي اللامادّي هو الأولى، وإن الماديّة ثانويّة ما يجعلها أقرب إلى الأفكار الدينيّة التي كانت تؤمن بمبادئها الرسالية، بحيث كانت على صلة وثيقة بما ورد في الكتب المقدّسة، الإنجيل والقرآن، وأظنّها، بل أجزم وكما كنت أسمعها تتحدّث به في مناسبات فنيّة في مكتب مدير الإذاعة اللبنانية المرحوم كاظم الحاج علي وفي الاستديو رقم 6 أثناء تسجيل وتنفيذ أغنياتها، أنها درست المقامات النّغميّة التي تسمح لها بترتيل آيات من القرآن الكريم بشكل صحيح، وهذا ما جعل من نور الهدى نعمة فنيّة سماويّة حيث الأداء المتقن المعروفة بالموهبة والصوت الإلهي… وهي، رحمها الله، استطاعت استيعاب معظم المقامات والأنغام التي تهذّب الحنجرة وتجعل من صاحبتها مطربة كاملة بكلّ معنى الكلمة.

د. عبد الحافظ شمص
د. عبد الحافظ شمص

من هنا، وجدت فنانتنا العظيمة نفسها رهينة قاعدة طبيعيّة أن تكون متعصّبة  لفنّها ولذاتها ولوطنها ولبني قومها فضلاً عن ذلك فإنّ هناك تعاليم سماوية كانت تؤمن بها تشير أنّ النّفس هي وديعة ربّها، من المفترض على المؤتمن عليها أن يصونها بكلّ ما أوتي من قوّة وإيمان ومعرفة دون أن يتخطّى قوّة العدل…

محبّة الآخرين

نور الهدى هي الجنّة هي البرد والسّلام، هي الفاتنة هي الخيّرة، المحسنة، الباسمة، الوفيّة، المخلصة.. لم تكن تحمل حقداً على أحد في كلّ الأمكنة التي عاشت فيها… فالله أودع في قلبها ونفسها محبّة الآخرين، ونهاها عن التجريح بالآخرين مهما أساؤوا إليها… وهكذا، باعتبار أن من يحبّ، يريد امتلاك من يحبّه أو ما يحبّه.. كانت تكره الحقد وتبعد عن الكيد وعن أهله بحيث تقول وتؤكّد أنّ من يقدر على الكيد هو الإنسان الفاجر… والوسط الفنّي لا يخلو من بعض الغيرة والكيد، ومن صديق يمدح وعدوّ يقدح… وعلم النفس يقول عن شخصيّة المرأة التي تكيد إن مردّ ذلك هو التكوين السّيكولوجي للمرأة وهو تكوين عام، لكن وفي كثير من الأحيان تلعب التنشئة الاجتماعيّة والتربية والثقافة والخبرة دوراً في كبح جماح هذه التركيبة، وأيضاً المستوى العلمي … ولا ننسى النّضج النفسي لدى صاحب الموهبة الحقّة…

نور الهدى، الفنّانة المبدعة، صاحبة الحنجرة الذهبيّة المميّزة هي النّعمة العلويّة التي كنّا نرى في ابتسامتها ابتسام الحياة وإشراقة الكون، إذا غنّت أبدعت… نعم وألف نعم، لقد أسعدت قلوب ونفوس الملايين وهي ستبقى معهم، لن تفارقهم لأنّها دخلت في نسيجهم الانساني وبما رسخ في عقولهم وأسماعهم من أغنيات خالدة وأعمال ناجحة… لن ينساها من سمع صوتها وسكر بآهاتها ولياليها ومواويلها الملوّنة بألوان المعرفة التي سحرت أساطين الفن والغناء والتلحين والكتّاب والشّعراء وكلّ متذوّق للفن، وللطرب الأصيل في مصر كما في جميع البلدان العربيّة، ونزعت الآهات من حناجرهم، لا، بل من قلوبهم، بصوتها الرّائع وفنّها الإبداعي الأصيل …

الوجه… القصيدة

نور الهدى... وجهها قصيدة
نور الهدى… وجهها قصيدة

ملاك تلك الإنسانة، زهرة تنبت وتتفتّح براعمها، وأوراقها تملأ الكون عطراً… تغار من عبيرها قطرات النّدى والنّجوم… وهي نجمة متألّقة متكوّنة من سكون الفضاء، حدودها منهل خيال الشاعر الذي يمضي ليله بكامله كي يكتب وجهها بقصيدة هي أجمل من كل القصائد…

قد يقول قائل، ممّن لم يعرف نور الهدى ولم يعش تلك الأيام الزاهرة التي كان صونها يشنّف أسماع الشعب في كل مكان، ولم يصفّق لها بقلبه قبل يديه، إنّها كسائر النّساء هي.. نعم، ولكن نور الهدى بحضورها كانت النّساء كلّهن .. صوّرها الله حسناء ناعمة تنتشي الزهور من عطرها الفوّاح، وكتبها الشعراء قصيدة غزل عنوانها نور… هي شمس الشموس إذا أطلّت وغرّة البدر إذا أهلّت.. درر الكلام من ثغرها الشهيّ إذا تكلّمت وإذا أنشدت ورنّمت…. منهل إبداع للمبدعين… إنّها للسّحر سحره وللجمال جماله قدّاً وقدراً… تبقى ملكة الطرب الأصيل … إنها بحق رائدة الأغنية اللبنانية والعربيّة، حملت وتحمّلت الكثير من الصعاب خلال رحلة شاقّة وشائقة في آن، وبقيت سفيرة الكلمة المغنّاة وحبيبة الجماهير… حسبها شرفاً وفضلاً أنّ الله جعلها رائدة وعلامة فارقة من علامات الضّياء في عالم الفنّ الرّاقي… حفظت نفسها وكيانها وأهلها وقيمتها وقيمها الانسانية طوال حياتها، عاشت كبيرة ورحلت بجسدها كبيرة بعد أن أسعدت الشرق بعطاءاتها الفنيّة الخالدة…

***

لا بدّ من كلمة شكر وتقدير للصّديقين الاديبين العزيزين العميد أسعد مخّول وجان سالمه على ما بذلاه من جهود جبّارة لترجمة وتأريخ حياة فنانتنا العظيمة نور الهدى.

وعلى هامش كلمتي، أذكر أن الفنانة نور الهدى كانت أوّل من غنّى من تأليفي في إذاعة لبنان، يوم كانت مكاتب الإذاعة في السّرايا قبل أن تنتقل إلى الصنائع، كانت وصلة عتابا وميجانا، في العام 1956 بداية تعاملي مع الاذاعة كمؤلف وبعد ذلك كمؤلف وملحّن، يومها دخلت نور الاستديو مع الفرقة الموسيقيّة وقدّمت الوصلة مباشرة على الهواء وأنا أقف مع الكبيرين نقولا المنّي وحليم الرّومي على باب الاستديو نستمع ونتمتع بصوتها الشجيّ الرّائع، رحمها الله…

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s