كَرَكَة جَدِّي

الدّوالي تَعْرِفُ إيقاعَ خَطْوِهِ و”شلاّلاتُ الفَرَح” تتزاحَمُ في عرائِشِهِ

جَدّي الـ “كَرّام”

وحدَها العصافيرُ تُحصي قَصَبَ ناياتِهِ

Joseph Mehanna-2

جوزف مهنّـا

جَدّي لأُمّي كَرّامٌ بِقاعيٌّ مَرِسٌ، من أهْلِ الفَلاحةِ المالِكِينَ لأعناقِها. عَزُومٌ متى أمْضى على أمرٍ نِيَّتَهُ، وصمّمَ فيه. يَسْبُقُ في غُداهُ(1) طُلوعَ الفجر.

العصافيرُ وحدَها تُحصي قَصَبَ ناياتِهِ قَصَبَةَ قَصَبَةً، إذا مَدّ حَنجَرَتَهُ في سَحْبَةِ مَوّال. وشلاّلاتُ فَرَحٍ تتزاحَمُ في مَلكوتِ عرائِشِهِ، فتتراقصُ المُكَوْكَباتُ على مسامِيْكِها كمَنْ مَسَّها بَدْعُ دَواةٍ، فأكمَلَتْ تَبَلُّرَها على مُهُدِ الرِّيحِ، وَرَنِيْمِ العناقيد.

الكَرْمُ بالنِّسبَةِ لِجَدّي في تَخَيُّرِهِ وَوَزانِهِ عالَمٌ آخَرُ، ومطارِحُ تُضَمُّ بالمحاجِر. يَتَحَفَّظُ(2) بِغِراسِهِ كأنَّما أُفْرِغَتْ إفراغًا من ذَوْبِ رُوحِهِ، فلا يَغْشاهُ في تعهُّدِها فُتورٌ، ولا يتخوَّنُهُ مَلال.

الدّوالي بعسالِيْجِها تَعْرِفُ إيقاعَ خَطْوِهِ إذا أطلّ من مُشرَفِ(3) القريةِ وقدِ انصدَعَ عَمُودُ الصُّبحِ، فَتَخْتَفِقُ بيارقُ حَنينِها طربًا، وعَجْقَةُ طيرٍ بِطَبْلٍ ومِزْمارٍ وصَنْجٍ، تَنْتَصِبُ في اللُّقيا ومكنونِ الوِدادِ والسَّرائِرِ.

لن يَجِفَّ ضَرْعي هَمَسَتْ داليةٌ مِغناجٌ في أُذْنِهِ: إنّ موائِدي رَحْمانِيَّةُ الهَوى يُثيرُها تَفَلُّعُ(4) يدَيْكَ المَعْرُوقَتَيْنِ المُخشَوْشِنَتَيْنِ من استِصْلاحِ تُربَتي، لا مَنًّا أنتَ تَتَبَغَّى، ولا بَهْرَجًا أو شُكورا.

وكلّما التَفَعْتُ(5) بظِلِّكَ تَسُحُّ لَوابِني، فأَعقِدُ وأنْضَجُ أكثرَ، ودَوْرَقُ ضِياءٍ يُشعِلُ مِرْشَفي باللَّطائِفِ، وهاتِ يا لُؤْلؤًا مُتَنَخَّلَ الحُبّانِ يختلِفُ إليكَ من جوارحي بغُرّانِهِ وكبائِسِه. مثلما لا أنقبِضُ عنكَ إنْ قَسَا مِقصُّكَ فكدَّرَ بقساوَتِهِ شَغَفِي بعِناقِ كفَّيْكَ، فأتخطَّاكَ، بل بحُبٍّ ورِضوَةٍ وتقْديسٍ يُفتَحُ قلبـي لِصبيْبِ جبينِكَ ولا يُغْلَق.

حَسْبي منكَ صمتٌ كالعِطْرِ في قُمْقُمِهِ، وابتسامَةٌ دافِئَةٌ كَرُمّانٍ خريفيّ: تفتّقَ في رِياضٍ غَنّاءَةٍ، فاعلَوْلَتْ قُبّةٌ للشّمس.

الأديب جوزف مهنّـا
الأديب جوزف مهنّـا

القطاف

       إنّها، والغزالةُ(6) قدِ استقامَ مِيْزانُها، لَمُبْهِراتٌ تُكتَبُ في الأحداقِ مَلأتْ قلبيَ الحَدَثَ الغريضَ(7) يومئذٍ حُبورًا، فلا تُفارِقُ خاطِري، ولا تتصَرَّمُ أبدًا مَواجيدُها:

كِيْزانٌ من عاجٍ وفَيْروزَجٍ مُدَلاّةٌ على بَسيْطٍ أفيَحَ، تَتَحلَّبُ لِرَيّانِها الشِّفاهُ كأنّما حَشْدًا من شَهْدٍ قد طَفّ خُشوعًا وتَعَبُّدًا، فلا ثَمّةَ حاجَةٌ إلى نحْلٍ، وفَوْحِ زهرٍ، ونَحّال.

في قُنُوتِ الصّلاةِ هذه، وقد استَوْفى الجنى شُرُوطَ الحلاوةِ(8)، يَنْسَدِرُ جَدِّي دَرِبًا وفي نَفُسِهِ ضَعْفَةٌ من أُلْفَةٍ تَسْتَغْفِرُ العناقيدَ وهي تتهاوى. لكم وَدِدْتُ في مَصْرَعِ تَرَدِّيها عن مناعِمِ نُزُلِها وعُروشِها ألاّ أسمَعَ زفيرَها المكدُودَ، فأَضَعَ عُنُقي في موضِعِ النَّطْعِ من أبْكارِها.

وتُنْقَلُ “الفِلَذُ” بعدئذٍ كما في بحرٍ من نُورٍ، وبعِنايةٍ فائِقَةٍ، إلى طُمأْنينةِ الانبعاثِ من جديدٍ، بعدما وَزَرَتْ حَوْلاً في المطارِحِ النّائِيةِ، مُوَشّاةً بالأَناشيدِ، وفَضاءاتِ الأماسي الزُّرْقِ، تُؤَرِّجُ الكّوْنَ بشميمٍ يملأُ النّفْسَ، يُذَكِّرُني، وقد بَرَّحَ بيَ النِّسيانُ ونَبَتْ صُروفُهُ، بِمُخَبَّئاتِ البنفسجِ في جَوْنَةِ عَطّار.

لِلْمواسِمِ في الرِّيفِ مِهْرجانٌ مُرادِفٌ للبَرَكَةِ، كأنّها في بلادِ الجبلِ قصائِدُ العافيةِ، لا ينقطِعُ جَداءُ(9) نهرِها الدّافِق. فالأبوابُ مُشرّعةٌ أبدًا لـ”حَمَلةِ الرَّاياتِ” المزَرَّرةِ، تَنْتَكِبُ فواضِلَ التُّرابِ وعوارِفَهُ، رافِلَةً ببرُودِ النُّعمى وعَرَقِ الجِباه.

الكلُّ في دارةِ جَدِّي يُعِدُّ عُدَّتَهُ: خالتي سلمى، سَقْيًا لها، لا يتقعّدُها شُغْلٌ شاغِلٌ عن غَسْلِ الأعنابِ بما يَتنغَّمُ به الماءُ الزُّلالُ في مجارِيْهِ تخلُّصًا من غُبارٍ وشوائِبَ، فيتلألأُ “الزُمرُّدُ” في السِّلالِ رغِدًا في صَفائِيَّةِ الكرائِم.

وكم أجْرى جَدّي عليّ، وأنا لا أزالُ بـ”وُلْدِهِ” عَصْرًا في وِعاءٍ انْتَبَذَهُ لي، حتّى تَشَبَّعَتْ أناملي الطّريئةُ الرَّخْصَةُ من لَذاذةِ السُّكّر!

ويا لَلْجارِ البَعيدِ الهِمّةِ خليلٍ، يُطالِعُكَ بقدمَيْهِ النّظيفتَيْنِ، جادًّا في دَعْكِ وخبْصِ الأعنابِ، لا ينقُصُهُ في بَهْجَةِ النُّقْلَةِ والرُّجْلَةِ – تَوْفِيَةً للحقِّ – إلاّ بِضعُ عُرُشٍ بأَوْراقٍ، فَتَلْقِفَهُ بالأحضانِ، وتعُمُّ البَشائِر.

أمّا وقد بَلَغَتْ “مُغنَّاةُ” جَدِّي مبالِغَها، فدَخَلَ في الأَمْنَةِ(10) بَعْدَ نَصَبٍ ناصِبٍ اكتملَ معه الحُلْمُ بَدْرًا، واستحالتْ جَمَراتُهُ في مفهومِ الانتماءِ والإبانةِ، إنتاجيّةً خصبَةً، فيا طِيْبَ ما ازدَهَتْ كأسٌ بِسُلافٍ، واحلَوْلى وَتَرٌ بِعَنْدَلَةِ عندليب!

بلدة صغبين البقاعية و"الكركة" التراثية
بلدة صغبين البقاعية و”الكركة” التراثية

التّخمير

هي العصيرةُ، ولا أُقحوانٌ مُفَلَّجٌ، تُنْقَلُ للتّخميرِ إلى بِرَكٍ من الإسمنتِ، وبراميلَ معدنيَّةٍ بُوْلِغَ في تنظيفِها، كحُوريّةٍ مُعْتَصِبَةٍ بالدَلِّ، مَمسوحةِ الجبينِ بزيْتِ العافيةِ، في كلِّ حَفْنَةٍ من خَزيِنِها، شَعْشَعَةٌ دونها مهادِلُ الصَّفصافِ الحَيِيِّ خَطَرانًا وتَسْكابا.

تُراقَبُ عمليّةُ التَخميرِ، وكأنّ القلوبَ مع العصيرةِ في عِشق.

المِخْبَصَةُ، بِنْتُ شجرةِ البُطْمِ، وحدَها، في علائِقِ المُؤَالَفَةِ والمَوَدَّاتِ تُكاتِمُها ذاتَ طِيَّتِها كلّما هَمَّتْ بها حَراكًا. وكفى بها صائِنَةً لِسِرٍّ، ضَنِيْنَةً بِدُخْلَة.

وكان من خُبْرِ ذلك عند جَدّي، في بابِ الطّرافةِ والتَّواصُلِ، أنّ الأعنابَ، وقد تَضايقَ عليها صَدْرُها في ألْفافِ مُستَوْعَباتِها(11) تكادُ تَثِبُ إليكَ وتَتَطايَرُ بَرَمًا وتَوَجُّسًا، ممّا يُحدِّثُكَ به جدولٌ نَسَكَ في وادٍ، وغِرِّيدٌ احتُبِسَ في قَفَص.

تنتهي مَرْحَلَةُ التّخميرِ عندما تَسْتكينُ عراميشُ(12) العِنَبِ في قَعْرِ المزيجِ، ضارِعَةَ الخَدِّ إيذانًا بِتَحَلُّلِها، فلا تُدرِكُها حينئذٍ حِفْظَةٌ في عُزلةٍ، أو يترامى بها شَطَطٌ خارِجَ السِّياق. مثلما تَتَشَكَّلُ على صفحةِ هذا المزيجِ “طبقةٌ” لَزِجَةٌ بِسماكةِ (2-3 سم)، تُشيرُ إلى أنّ التّخميرَ قدِ استَوْفى شروطَ التّقطيرِ، وإلاّ سَيَتَخلَّلُ(13)  المَوْسِمُ، وَيَفُوتُ جَدِّيَ القِطار.

مُحْتَفِلاً مُحْتَشِدًا، يقفُ جَدِّي من المعاثِرِ والموانِعِ، فلا تتعاظَمُهُ نازِلةٌ، أو تَحُولُ دونَ بَوارِقِ نُجْحِهِ ومَبْغاتِهِ واخِزَةٌ تَدْهَمَهُ، فَتَشْغَلَه.

نَظُورٌ، مِن أهلِ الرَّصْدِ، يَتَأَتّى مآرِبَهُ من مآتِيْها.

… وإنّه، قَبْلَ التَوّقُّلِ في المُلَحِ والمَعارِجِ لَيَسْتفيضُ في ترتيباتِهِ مثلما يكونُ لأيَّامِ العيدِ، وهي تَسْقُطُ على القريةِ كأنّها المآثِرُ المُحْدَثاتُ، فهيهاتِ أنْ تَقَعَ منه على قَصار.

لُزوميّات الإنتاج

الأحطابُ أوّلاً، فالكَرَكَةُ(14) النُّحاسِيَّةُ(15)، فالدَّسْتُ (المِرْجَلُ)، الغِطاءُ، الزَّنْدُ، خَزَّانُ مياهِ التّبريدِ، ثمّ اليانسونُ تِرْبُ العائِدَةِ والسّلْوى، الّذي كلّما شَهَقَ فانوسُهُ بالعِطرِ، امتلأتْ مَزاوِدُ مباخِرِنا باليواقيت.

الأحطاب: يا لَلْمسيرةِ اللاّعِجَةِ وقدِ استَوْسَعَ جَدِّي في أحْطابِهِ، فَجاءَها مِنْ أفضلِ الطُّرُقِ، معَ حِفْظِهِ مَقامَ الرَّكانَةِ في مُلْتَمَسِها. فالفُروعُ الرَّفيعَةُ أكثرُ إذْكاءً للنّارِ في وليمةِ السبيرتو الّذي تَسُورُ في رأسِهِ سَوْرَةُ الأنَفَةِ، وهو آسِيُّ جِراحٍ، وأحَدُ الأحَدِيْنَ، فَيَتَدافَعُ من الكَرَكَةِ كَخَيْطِ القِنَّبِ مَيَّاسًا، ولا بحَبَرَةٍ وَوِشاح.

أمّا الغِلاظُ منها، الّتي تَتَوَّرَكُ نارُها، وتتثاقَلُ، وتُهوِّدُ في سَيْرِها، فَلِتقطيرِ العَرَقِ دَمْعَةً دَمْعَةً، في آنَقِ ما تكونُ عليه شَمْلَةُ الدِّيباجِ وقد ازْيَنَّتْ بالصَّوالِجِ، والتِّيجانِ، فما بالُكَ بالرَّحيق !

الكَرَكَةُ وحاشيَتُها: يتناولُ جَدِّي بَدْأَةً الكَرَكَةَ من الدّاخِلِ، بِجُمّاعِها(16)  فرْكًا وحَفًّا، كمَنْ يَبُثُّها بالرَّمْلِ وحامِضِ اللّيمونِ حَصْرًا خالِصَةَ صَدْرِه. فلا مُنافَرَةَ ولا مَكْرَهَ في ارتيادِ مجلِسها.

ويا “قَشَقًا” له مع الزَّنْدِ غَيَدٌ ومَيَدٌ، لكَ اللهُ في رَخامةِ صوتِكَ، إذْ كلّما مَرَرْتَ بهذا الحَفِيِّ مُرورَ النّسيمِ خاشِعًا مُتَخَضِّعًا تقولُ المَرْويّاتُ ؛ يُزْهِرُ اللَّوْزُ، وَيَغْشى الجوَّ صهيلُ محابِرَ تَتَفَطَّرُ في القَمْراءِ عن أقلامٍ مَبْرِيَّةٍ من مَناكِبِ الجَنَّة.

تُشْطَفُ الآنيةُ بعدئِذٍ بالماءِ الصّافي، كما لو أنّها تَتَشَبَّعُ من هُتافِ كناريٍّ مَسَحَ مِنْقارَهُ بالبَلالِ، وأخْلَدَ في غُصَصِ المُحِبِّينَ خَمِرًا إلى شجرةِ عُنّاب.

بيت قروي تتوّجه "عريشة"، من أعمال الفنان جريج بو هارون
بيت قروي تتوّجه “عريشة”، من أعمال الفنان جريج بو هارون

إنتاج السبيرتو

تُضافُ إلى الأعنابِ المُخَمَّرَةِ في الدَّستِ، كميَّةُ ماءٍ لا تعدو 10% من سَعَةِ الكَركَةِ، تَنْزِلُ منها منـزِلَةَ النَّوْرِ من الفَنَنِ الجديبِ، على أن يُتْرَكَ بين حافّةِ الدَّستِ والخَليطِ (15-20 سم) تُخَفِّفُ من ضَغطٍ مَسُوْقٍ بأَعْرافِ اللُّعبَةِ ودفائِنِها.

وتُسْتَكْمَلُ المشهديّة: يُثَبَّتُ الغِطاءُ بأِحكامٍ على الدَّسْتِ، ويُدْخَلُ زَنْدُهُ في زَنْدِ التَّبريدِ.. يُوَاطِئُهُ، فَيَعْظُمُ بِعِظَمِ الحاجَةِ إليه. يَتِمُّ التَّلاحُمُ بين الغِطاءِ والدَّسْتِ، وزَنْدَيِ الغِطاءِ والتَّبريدِ، بواسطةِ زُنّارٍ من عجينِ طحينِ الشّعيرِ والرَّمادِ، يُطانُ بهِ ويُلَفُّ بآخَرَ من القُماشِ مَنْعًا لِتَسَرُّبِ البُخارِ، فلا تَلِيْنُ مُتُونُهُ، أو تجِدُ فيهِ مَطْعَنًا. يُملأُ “خَزَّانُ” التّبريدِ ماءً جاريًا أبدًا، تَوْفيرًا للبُرُودَةِ المُستَدامةِ إبّانَ الإنتاج. إنّه لَمَوْقِفٌ أرِيْبٌ في اعتلالِ المَناسِب.

***

وتَرُوحُ النِّيرانُ تَتَفعّى، وتَتَلوَّى، وتَتَعرَّجُ تحت المِرجَلِ على بُحبوحَةٍ وفُيُوضَةٍ، حتّى إذا استَوْرَى غَلَيانُ السبيرتو، وطار طائرُهُ، واءَمَ جَدِّي بعَيْنٍ لا تَغفُلُ بين انسيابِهِ وبين نارِ المِرْجَلِ، فلا مَحْرِفَ ولا مَعْدى في باب التَّوازُناتِ والمُرْسَلِ الرَّشِيْقِ، عن رِعايةٍ لا تُورِثُ نَدَمًا، فأَعْدى عُداةِ هذا المولودِ ذي الشّأْوِ، ألاّ تُشهِرَ له قلبَكَ، وتَسْتَقْرِيَ أطوارَهُ، كما بميزانِ الذَّهب.

يُلَحَظُ لَحْظًا شديدًا ألاّ يتدنّى عِيارُ السبيرتو  عن (18-19ه)، وإلاَّ يُعادُ التّقطيرُ ثانيةً لِرَفْعِ مَنْسُوبِهِ، تَعْطِفُهُ الخُؤُولةُ إلى زِقٍّ وَدَنْ. يُستَظْهَرُ بالنّارِ كلّما انخفضَ القُطورُ، على أن تُخَفَّفَ النّارُ متى جاشتْ وركِبَتِ القطراتُ سَجيحةَ رأسِها، وأرْخَتْ لِسَوابِحِ خَيْلِها مَديدَ العِنان.

مِقياسُ الجُودة: لا أَظْهَرَ لِعامِلِ الجُودةِ يومَ كان النَّخْلَ يعرِفُهُ أهلوهُ، والمُطَهَّماتُ أعْلَمُ بفُرسانِها، مِنْ أن يُسكَبَ قليلٌ من السبيرتو المُقطَّرِ على الجمرِ، فإذا تَلَفَّعَ(17) بِقُوّةٍ، استُتْبِعَ التّقْطِيرُ، وإلاّ فالمَحْلُولُ قد أضحى ماءً، فَتُطْفَأُ النَّارُ ويُباشُرُ تنظيفُ الكَرَكَةِ إيذانًا بأنّ الأُمورَ جازَتْ إيجابًا خواتِيْمَها، والدّاليةُ قد أنجزتْ لجَدِّي في واشجةِ الرَّحِمِ والوُصْلَةِ، وَعْدَ حُرٍّ، فأناطَ بها ثِقَتَهُ، وَوَفى – في باب إيثارِها – بما أَذْمَمَ، وقَطَعَ عَهْدًا.

تُقَدَّرُ كميّةُ السبيرتو الّتي تُستَخْرَجُ من بِرْميلِ عصيرٍ مُخَمَّرٍ سَعَةِ (180 ليترًا، بحوالي 40 لِترًا).

إنتاجُ العَرَق

kerke

       مَهْلاً قارِئِي، فأنتَ تَحَفُّظًا بأسبابٍ تُرْعَى، مُطِلٌّ إذا أنْبَضَ الرّامي القَوْسَ، على ما يُتَلَمَّظُ ولا يُباحُ قَوْلُه. فالإخراجُ سَجيَّةٌ من سجايا هذا الّذي تَوَشَّعَ الشَّيْبُ رأْسَهُ. وإنّكَ لَتُفَكَّهُ وسحائِبُ يَدَيْهِ تَنْظِمُ بِلَباقةٍ “منظومَتَهُ” ياسمِينةً ياسمِينةً على أمْتَعِ لُقْيا، الشَّيءُ الّذي يَجْمُلُ إيرادُهُ في هذا البابِ، وهاتِ يا عقائِصَ ماءٍ دوافِقَ، وسفائِنَ مواخِرَ جَوّاباتِ هوًى.

الآنِيَةُ في أبْهى طُرُزِها، تَتَهَلَّلُ في جِلاها. أمّا فِتْيَةُ الحارةِ “المُعرِقُونَ”، الّذين بَلَغُوا من مُباعَلَةِ الدّاليةِ نُهْيَةً مَرْمُوقَةً، فأَعْتَدُوا لهم بانتظارِ ساعةِ الفَرَجِ… مُتَّكَأً قريبًا من كلّ “نَزْلِ عَرَقٍ”، إخالُهمُ اليومَ يُرَدِّدُونَ على نَشِيْشِ الشِّواءِ مع الشّاعرِ الصّغبيني، العَبِقِ اللّبِقِ(18)، الرّفيعِ الطَّبَقَةِ، منير سرحال:

“بُكرا إذا كف الفنا عمري سـرقْ/يا صاحبي لا تسكب دموع وعرقْ/صلِّي على روحي الأبانا والسـّلام/وودّي بدَل إكليل قنِّينــة  عرقْ”. لِيَسْتطْرِدَ من ثَمَّ مُجَلْجِلاً من الأعماق: “يا ريتني بهالجُرد شجْرة، ولو مـرقْ/حطّاب جُرداوي عميكدُّو العـرقْ/بقلّو اقطعني بالغصون وبالــورقْ/    ولا تعملوا أخشاب منّي ولا ورقْ/ومطرح ما بتشيلوا عرق في هالجبالْ/بدّي تحرقوني تحت نزل العــرقْ”.ويتخالجُ في ظَنِّهِ مع أبو مِحْجَنِ الثَّقَفي، وهو من الشّعراءِ المُخَضْرَمِين: “إذا مِتُّ، فادْفِنِّي إلى أصْلِ كَرْمَـةٍ/تُرَوّي عِظامي، بعد مَوْتي عُروقُها”.

وسَعْدًا لِلْيانسونِ يَتَدَهْدى في الكَرَكَةِ مَلْحَمِيَّ الدُّفُعاتِ، بمعدَّلِ (2.5-3كلغ) لكلّ 20 ليترًا من السبيرتو، فهو بِمَوضِعَةِ المِلْحِ من الطّعامِ، والشَّهْدِ من القفيرِ، والجزالةِ من مَقامات القول.

ولأنَّ الماءَ يَرْبُو في ثِقَلِهِ النَّوعيِّ على هذا السّائِلِ العُجابِ.. السبيرتو، فلا أخْلاكَ في ترادُفِ النِّعَمِ من حَمْدٍ تُجَدِّدُهُ بزيادةِ عَشَرَةِ لِيتراتٍ منه، تلافيًا لـ”شَعْطَةِ” المُنْتَجِ. إذ لَرُبّما أخَذَتِ النّارُ عليكَ مُتَوَجَّهَكَ، فَتَفْجَؤُكَ، فما تَقْوى على دَرْءِ عاديّةِ غُلَوائِها.

هي مُبْتَدَعاتُ جَدِّي وعراقَتُهُ النَّصُوح. دُرُوبٌ أخْلَقَ لها بفِطْرَتِهِ ديباجَتَهُ، ودارِبُونَ ألِبّاءُ يَفزِعُونَ إليهِ، ويَسْتارُونَ بِسيْرَتِهِ في الهُوى والمَزالِق.

في حَصافةِ هذا الفَطِنِ المَضَّاءِ، المُرْهَفِ الذِّهنِ، أنّه تواضَعَ مع رَوْضَتِهِ المِئْراجِ على استخراجِ وتقطيرِ “دموعِ العذراءِ…”، بِفُرادَةٍ يَكادُ لا يُضارِعُهُ في خَصائِصِها أحدٌ.

***

ولِهوًى في نفسهِ كان جَدِّي يستَحْسِنُ التَّعامُلَ مع الكَرَكَةِ الصغيرةِ كلّما انْتَوى إنتاجًا وعَقَدَ قلبَهُ عليه، وذلك بحسبِ المقاديرِ التَّالية: سبيرتو 40 ليترًا عِيار 18-19ه ، يانسون زِنَة 5-6 كلغ، ونِصْفُ كميّةِ السبيرتو ماءً صافيًا، على أن يُتْرَكَ أيضًا فَراغٌ مُوْجِبٌ بين حافّةِ الدَّسْتِ ومُستَوى الخليط.

تُغَطَّى الكَرَكَةُ وتُطانُ كخليجٍ سَقَطَ جَرَسٌ في غابةِ رياحينِهِ، فافْتَنَّ في نشْرِ غدائِرِهِ على أخْيِلَةِ الرُّخامِ والشَّمسِ، ولم يَتَحَّوبْ من هِجاءِ عصا النّاطورِ الّتي تُزَنِّرُ التِّلالَ والبِطاحَ بمناقيرِ الرَّهبةِ حينًا، وبمغازِلِ الحريرِ وأنْوَالِها أحايينَ أُخرى. وتُشعَلُ النّارُ برَوْعَةِ الشُّمُوخِ لَوْنًا وَوَتَرًا وإزميلاً ومُكْتَنَزَ عافيةٍ، حتّى إذا تنامَتْ إلى عُلْواتِ المقاصيرِ، غُضَّتْ مع بَدْأَةِ مَرْحَلَةِ الغَلَيانِ تحت وَقْعِ التنَهُّدات. ويكونُ لِقَطَراتِ المحلولِ الأوائِلِ (500 سم3) تقريبًا، المُفعَمَةِ بِالعَوْسَجِ وحُرْقَةِ المَسيرةِ، أن تَدفَعَ ضريبةَ العَزْلِ جَنيْنًا في رَحِمٍ يَسْتَمِرُّ في الخَفاءِ مُسْتَسْلِمًا لِرَماديّةِ المَحاوِر. أمّا مَن أكمَلَتْ مِشْوارَها، أطْوَعَ للزَّنْدِ من بَنانِهِ، تماثُلاً بِخيْطِ القِنَّبِ مُهاوَنَةً وتُؤْدَةً، فَتُتابَعُ لَهَبًا وتقطيرًا دَرْجَ يَدَيْ(19) جَدِّي، الّذي لِعدَمِ وَفْرةِ ميزانٍ لِلْكثافةِ آنئِذٍ، أنابَ شامَّتَهُ، والذَّائِقَةَ، والنَّظَرَ منابَهُ، وشَدَّ حزيمَه.

إستِكْفافًا للنَّوْعِيَّةِ كان جَدِّي يتحامى أن يَخْضِدَ شَوْكَةَ نِتاجِهِ، فيُلْحِفَ ويَتَشيَّعَ لِلْكَمَلِ في قُسطاسِهِ، فحافِظَتُهُ الّتي لا يُكاثَرُ في دِقّتِها تَسْبُغُ عليه آلاءً يُحْتَجُّ بها، ولا تَعْرِضُ له جَفْوَة.

الكَركَةُ، في أُبَّهَةِ المَلِكِ، وعِزّةِ السُّلطانِ، وغارِ الفَلاحِ، تَدُرُّ دَرًّا غزيرًا، فلا تَتَحَرَّجُ من أن تَتَنَصَّفَ نِسْبَةُ العَرَقِ الوافِدِ عزيزًا 50% من عائداتِ السبيرتو.

يَتَوَقَّفُ سَحْبُ العَرَقِ على درجة 23، وما يلي يُحَيَّدُ بِحِلَّةِ “عَرَقٍ أبيَضَ” يُراجَعُ تَقطيرُهُ تحت عَباءَةِ للسبيرتو، مُجَرِّرًا في نَهْضَةٍ مَيْمُونَةٍ أذيالَ الكِفاحِ المرير.

527bf6e7992df10ae4628489

“تثليث” العَرَق

يَشِبُّ جَدِّي دائِمًا من هالةِ المَشْهَدِ الّذي لا اعتياضَ منه، فَبُويعَ بالإمامَةِ، لِتَسُدَّ فَتاوِيْهِ ثُلمَةً كبيرةً  في بِيئَةٍ حاضِنَةٍ نَصَبَتْ له نُصُبًا في حاضِرة. وهكذا، تُفْضي مُواثَباتُهُ، وهو النَّجِيدُ الوثِيقُ المَطالِعِ، إلى مَوارِيثِ عُبورِهِ، فخاتِمَةِ التَّطواف. الكَرَكَةُ، يكادُ الماءُ بِمُلاحاتِهِ الغزِلَةِ يَشِعُّ في قلبِها نَجمة. وكيف يُجتَرَحُ صَوْتٌ وازِنٌ مُغَايِرٌ في مواسِمِ الشُحِّ، كنُقطَةِ ضوءٍ، يُفْسِحُ جَدِّي لـ”مَوْلُودِهِ” المُهِلِّ سعيدًا معَ مِثْلَيْهِ ماءً، مُدْعَمًا بـ (1-1.5كلغ) يانسـونٍ لا أكثر. ثمّ يُحْكِمُ إغلاقَ الغِطاءِ في تَضامٍّ يَزيدُهُ إشراقًا وِجدانِيًّا على مِعْياريَّةِ دَلالاتِهِ وانتِظاماتِه.

وعلى إيقادِ النّارِ والحَدِّ من اندفاعِها تَدَرُّجًا، يَتَقاطَرُ الزُمُرُّدُ أرسالاً أرسالاً بمُتابعةٍ صارمةٍ، شريطةَ ألاّ يَتجاوَزَ العَرَقُ المُستَخْرَجُ 85% من إجماليِّ الكميَّةِ، أي: 20 ليترًا عَرَقًا – 3 ليتراتٍ أبخِرَةً، الباقي 17 ليترًا عَرَقًا مُثلّثًا سَلِسَ المَذاقِ عِيار (27.5-28ه)، تَشاكَلَتْ وتَلاءَمَتْ في “مشروب” الهناءَةِ مقاديرُهُ، أين منه رَصْفُ الحلاواتِ، واليَدُ الصَّناعُ في التَّخريمِ على النَّسائِج.

“يُكسَرُ” العَرَقُ بحسبِ خِمِّيرِيْهِ ومُعاقِريْهِ مِمَّن استفرغوا في مُنادمَتِهِ وُسْعَهُم، وَفْقَ المُعادَلَةِ المأْثُورة: كأس عَرَق × 2 وربع ماءً، وتَلَطَّفْ لكَ بعدئذٍ يا أثِيْلَ المَنْبَتِ سبيلاً إلى الجَنّة: فـ وَائِلُ مِن مُعْرِسي هذا اليومِ المشهودِ، وقد أَوْقَعَ “حليبُ السِّباعِ” بهِ، يَنْتَطِحُ صَخْرًا، أينَ منه عَمْرو بنُ كُلثومٍ، فُرُوسَةً، وأحسابًا تِليْدَةً في نُجْعَةِ المَكارِم.

ويوسفُ، مع ثالِثَةِ أكؤُسِهِ، يَمتَشِقُ حُسامَ بنَ مُكَدَّمٍ، فارسِ بني كِنانةَ، لا يَرْتَدُّ خانِسًا(20) عن كلِّ مُنافِحٍ وطامِع. وحسبُكَ مروانُ، يَتَفاتى – خُماسًا وسُداسًا – فَيَتَحادَرُ الأبيضُ العاسِلُ على عُثْنُونِهِ(21) عابِثًا بمخامِرِ عَقلِهِ، دُونَهُ الحارِثُ بنُ ظالِمِ المُرِّي، يَرْكَبُ المَكرُوهَ إذا ضِيْمَ.. حَوْلَ قُدورِهِ وجِفانِهِ مَدَّتِ الأَرْيَحِيَّةُ باعًا، فَتَكاتَّ العُفاةُ والضِّيْفانُ كمثلِهِ إلى وِرْد.

***

فيا مارًّا بتلكَ الدّيارِ الّتي بِلُبانِها غَذِيْتُ، فأَفْرَطَ عَليَّ هَجْرُها، ونازَعَتْني إليها نفسي، حتّى قُتِلْتُ بها أسًى. يمينًا، لقد عَقَدْتُ لكِ جِوارًا، فَوَصَلْتُ حَبْلِي بِحَبْلِكِ عُمْرِي، “ونحنُ قَوْمٌ لا نَنْقُضُ العَهْد”.

… ويا كَرَكَةَ جَدِّي، هلاّ أَستَوْهِبُكِ كأْسًا صَداقًا، من تلكَ الّتي أَثْخَنَتْ فِيَّ يَوْمًا، ولا أخْشى معها عَطْشَةَ القبر!؟

——————–

شرح المفردات:

1- غُدْوَة. ما بين الفجر وطلوع الشّمس /2- يتعهّدها. يعتني بها /3- الموضع الّذي يُشْرَفُ منه /4- تَشَقُّق  /5- التَحَفْتُ  /6- الشّمس عند ارتفاعها /7- الطريّ /8- بعد الخامسة عشر من أيلول /9- النَّفع. العطاء /10- الإطمئنان وسكون القلب /11- مدّة خمسةَ عشر يومًا تقريبًا (بحسب درجة الحرارة) /12- حَمَلَةُ حُبّان العِنَب (الجمشول في بعض المناطق اللبنانيّة) /13- يستحيل خلاًّ /14- مِرْجَل يُنتَج بواسطته العرق وماء الزّهرِ وغيرهما (مُوَلَّدَة) ج كَرَكات /15- لأن النحاس يحتفظ بالحرارة في سخونَته /16- توابعها (الدَّست  (المرجل)، الغطاء…، /17- اتّقَدَ /18- الظّريف/19- طَوْع يَدَيْه /20- متخلّفًا /21- اللّحية، أو ما فَضَلَ منها بعد العارِضَيْن.

———————-

*عن “الأنوار”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s