بُنْدُقِيَّةُ المِكْسِيك


مَدِينَةُ سُوشِيمِيلْكُو العَائِمَة

A-1

غرناطة –د. محمّد م الخطّابي*

فى مقالنا الذي يحمل عنوان “الفراشات..أزهار الفضاء” الذي تفضّل بنشره ( موقع ” aleph-lam”  الزّاهر بتاريخ 30 كانون الثاني/يناير (2016) ، وعدنا القراء الكرام بموضوع مثير وطريف آخر حول مدينة سوشيميلكو المكسيكية العائمة التي ورد ذكرها فى المقال أعلاه ، والتي يعتبرها الإسبان الأوائل الذين غزوا المكسيك،كما يعتبرها  الكثيرون اليوم بندقية المكسيك، الطريق المُؤدية إلى مدخل هذه المدينة يُسمّى “الهندي الحزين” فقد ظلت سوشيميلكو حصناً منيعاً ضد الغزاة الأزتيك من داخل البلاد، ثم الإسبان من خارجها فيما بعد، وأخيراً وقعت فى يد هؤلاء، وسقطت فى قبضة أولئك فحزن السكّانُ على ضياع مدينهم الجميلة الجوهرة النباتية،وتغيّرت معالمُها التي تحكي لنا كتبُ التاريخ أنّها كانت من أجمل الثغور والمراتع فى هذه البلاد الواسعة .كان يُطلق عليها مدينة الزّهور ، أو منبت الزّهور ، أوحقول الزّهور الخصبة، إنها مدينةٌ تقوم على المياه وتحيط بها البساتين الغنّاء، والحدائق العائمة من كل جانب. وهي تبعد عن العاصمة مكسيكو سيتي بحوالي ثلاثين كيلومتراً ناحية الجنوب ، وتُعتبر من أجمل أرباضها ونواحيها، وقد أطلِق عليها بعد الغزو الاسباني لهذه البلاد إسم ” بندقية المكسيك” .

مدينة الزّهور

A-2

هذه المدينة ” الزّهراء” أو المُزهرة تمرّ بها قنوات، وروافد الأنهار التي تجري بين الحقول الخصبة، والغابات الكثيفة، والأشجار الباسقة.وإسم هذه المدينة مشتقّ من كلمة ” سوشيتل” التي تعني فى لغة الهنود الأصلييّن  “الزّهرة”، ويقال إنّه لا تتجلىّ التقاليد المكسيكية القديمة مثلما تظهر فى هذه المدينة ، حيث كان نبلاء الهنود والإسبان فيما بعد يقصدونها للنزهة، والترفيه، والرّاحة والإستجمام ، والتسرية والتسليّ، وهم يمخرون هذه الغابة من الأنهار المتعدّدة الروافد والفروع بواسطة الجنادل أو الزوارق التي تُسمىّ عندهم ب “شالوبا” او ” طراخينرا”، ويقومون بنزهات داخل أحد روافد النهر الهادئ المنساب فى سكون، وهم يستمتعون بالمناظر الطبيعية الخلاّبة المحيطة بهم ، ويستمعون الى أعذب الألحان، وأرقّ الأوزان، وهم يتناولون المأكولات المُزّة، ويحتسون المشروبات المُرّة والحلوة فى آنٍ واحد كلٌّ حسب مزاجه، وسنّه، ورغبته، وجيبه..! ولقد قمتُ بزيارة هذه المدينة السّاحرة العائمة على غرار أهلها فى العديد من المناسبات، خلال عملي وإقامتي فى هذا  البلد العملاق،وكلّما زُرتُ أو عدتُ إلى هذا الصّقع الأزتيكي الجميل المترامي الأطراف.

جنادل تنساب على صفحة الماء

هناك حواليْ خمسة آلاف جندل وهي تُقاد على طريقة أهل مدينة البندقية الإيطالية بواسطة أعمدة طويلة من خشب تُغرز فى قعر اليمّ. والغريب أنه على الرّغم من كثرة المراكب، فإنه نادراً ما تحدث إصطدامات فيما بينها ،كما أنّ هناك سبعة مرافئ أو أرصفة ترسو فيها هذه المراكب، أكبرها يُسمّى “العين” أو ” الينبوع” نظراً لتقاطر وتكاثر المراكب الرّاسية فيه، والخارجة منه، أو الداخلة إليه.

الماء والخضرة والوجه الحسن

إلى جانب تلك المراكب أوالجنادل نجد زوارق هندية تقليدية صُغرى للباعة العائمين الذين يقدّمون للزوّار مختلف أنواع الأطعمة،والفواكه،ونوادر المصنوعات التقليدية العجيبة،بعض هذه الزّوارق لا تبيع سوى سلل صغيرة من الزّهور المختلفة الأشكال والألوان، فلا عحب فالمدينة تحمل إسم الزّهور ، بل وجميع أسماء شوارعها وأزقّتها وممرّاتها تحمل أسماء الزّهور كذلك، مثل حيّ شهير وكبير يوجد فى مدينة الرّباط المغربية يُسمّى” حيّ الرّياض”  ، إلاّ أنّ هذا الأخير لا أنهار، ولا روافد،ولا جداول، ولا بحيرات تخترقه !

فرق الماريتشي تعزف أحلى الالحان

بسوشيميلكو هناك كذلك مراكب خاصّة بفرق وأجواق موسيقية تُسمّى ب “المارياتشي”  لها جذور من تأثيرات غناء (الفلامينكو) الذي ينحدر بدوره من أصول عربية أندلسية،(يُرجّح أن يكون أصل الكلمة من ” الفلاّح المنكوب”) وهذه الفرق أو الأجواق مستعدّة لتلبية رغبة أيّ زبون أو زائر أو سائح لتنطلق حناجرها بالشّدو، والطرب، والغناء، وعزف أحلى الأنغام ،وأشجى المقطوعات الغنائية الجميلة،حيث تختلط أصواتُها وموسيقاهها بصوت خرير المياه وإنسيابها، وهفهفة حفيف الأشجار وإهتزازها، بعد أن تدنو من المراكب المؤجّرة، وتسير بمحاذاتها بشكل متناسق بديع. هناك كذلك العديد من المُصوّرين ” العائمين” الذين يلتقطون بدون إنقطاع الصّورَ التذكارية لتخليد هذه  اللّحظة، وهذه النّزهة الرّائعة.

music

جميع المراكب التي تمخر مياه هذه المدينة السّاحرة منمّقة بشكلٍ يدعو للإعجاب حقّاً وهي مُزيّنة ،ومُغطّاة، ومُزكشة، ومُوشّاة بأشكال مختلفة من الزّهور المتعدّدة الأشكال،والألوان ،وكلّ مركب غالباً ما يحمل إسماً مُصغّراً لإمرأة أو طفلة، من باب التلطيف،أكبر هذه المراكب يسع لثمانية أشخاص ،وأصغرها لشخصين إثنين،أيّ هناك مراكب جماعية أو عائلية، وأخرى فردية حميميّة خاصّة،وهي تنتقل من مكان إلى آخر ،وفى رمشة عين تحملك المناظرُ الطبيعية الخلاّبة المحيطة بهذه القنوات والروافد إلى ماضي المكسيك قبل الوجود الإسباني بها، حيث تتراءى للناظر أو الزّائر جبالٌ شاهقة ،وأدغالٌ كثيفة، وخضرة متنوّعة ترتاح لها العينُ،وتُذْهِب الحَزَنَ والشَّجَنَ عن القلوب.

أوصاف الرحّالة

جنادل تنساب على صفحة الماء

الرحّالة البريطاني العالم “وليام بولوك” عند زيارته للمكسيك عام 1823 أشار فى مذكّراته واصفاً هذه القنوات الرابطة بين سوشيميلكو ومدينة مكسيكو فقال: ” عند المساء فى غير مواسم الأمطار بالخصوص تقدّم لك المدينة منظراً فريداً فيه جلبة ،وضجّة، وصخب، وسعادة، وحبورحيث تتجمّع عشرات الجنادل والزّوارق من مختلف الأحجام وهي تغصّ بالسكّان الأصلييّن من الهنود يرتدون أجملَ أزيائهم،ورؤوسهم متوّجة بأزهار زاهية، جميلة، يَغْدُونَ، ويَرُوحُونَ بين جانبي القناة،وعند مؤخّرة الجنادل أخذ الموسيقيّون أماكنَهم وهم يعزفون على أدواتهم الموسيقيّة خاصة القيثار، بينما يرقص آخرون حيث يقدّمون للناظر إليهم شعوراً يوحي بالطمأنينة،والمتعة، والغبطة. ويقول” بولوك” فى مناسبة أخرى :” كانت هناك الزّوارق الهندية ذات الأحجام والأشكال المختلفة، وهي مملوءة بأنواع عديدة من الحيوانات والفواكه، التي ما زلنا نجهل أسماءَها، إلاّ أنّ اوّلَ شئ يملأ عينَ الناظر هو العدد الهائل والمتنوّع من الأزهار التي كانت موضوعة فى أشكال هرميّة وسط الزّوارق التي كانت هي الأخرى مزدانة بأشكال عجيبة من الأزهار،النساء الهنديّات كنّ يرتدين أخفّ الثياب،وقد إنسدلت ضفائر شعورهنّ الفاحمة حتى الخصر، وكنتَ ترى فى الغالب رضيعاً وقد شُدّ موثوقاً إلى ظهر أمّه بإحكام.وكانت النساء الهنديّات يقدن زوارقهنّ بعمود من خشب طويل ،وكان يغلب على أزيائهنّ المزركشة اللونُ الأزرق، والأحمر،والأبيض.

يا ورد مين يشتريك..!

أزهاري آخذها إلى عش الطائر الذهبي

كانت سوشيميلكو وما تزال أهمَّ مركز للبستنة، وزراعة الزّهور منذ خمسمائة سنة ونيّف ،فتجارة السكّان تقوم أساساً على الورود،إذ تجد فى المراكب والأزقّة والشوارع وفى كلّ مكان مَنْ يَمدّ لك باقةَ من ورد مختلفة الألوان والأشكال،ولا يمكن لزائر المدينة أن يبرحها دون أن يحمل فى يده باقةً أو سلّةَ ورد صغيرة على الأقل،فذلك يدعو للشّؤم عندهم ،أيّ أنّ مَنْ فعل ذلك قد لا يعود إلى مدينتهم أبداً، مثل ماء االنيل مَنْ شربه لابدّ أن يعود إلى أرض الكنانة ! إنّ الناظر إلى المراكب المُزركشة وهي مصطفّة على صفحة الماءالناصعة يوحي له أنّه أمام حديقة عائمة لتداخل الألوان التي تزدان بها ولكثافتها،بل إنه من عادة أصحاب الجنادل تقديم باقة ورد صغيرة هديّة للزائرين الذين يقع إختيارهم عليهم،هناك رواية أخرى تقول إنّ إسمَ هذه المدينة مشتقّ من إسم قبيلة هندية شيشتميكاس ،إستقرّت على ضفاف هذه الأنهار المتشابكة والمتداخلة فى القرن الثالث عشر، وبالضبط عام 1471 وهي قبيلة قادمة من شمال البلاد،وقد دافعت، وصدّت القبائلَ المغيرة الأخرى التي كانت تهاجمها لتحويل الأراضي الخصبة التي فى حوزتها إلى مزارع وحقول لمنتوجات فلاحية أخرى غير الزهور ،إلاّ أنها ذادت بإستماتة عن موطنها الجديد ،وفى عهد الأزتيك 1375 أُرْغِمت هذه القبيلة على الإستسلام، وكان جزاء مقاومتها بناء قناة طويلة تربط سوشيميلكو بالعاصمة مكسيكو حيث كانت المراكب تصل بين هذه القرية والمدينة العملاقة بواسطة هذه القنوات.

Hernán Cortés
المستكشف الإسباني هِرْنان كُورْتيِسْ

وفي عام 1521 عندما أقام الإسبان عاصمة إمبراطوريتهم فى مكسيكو هوجمت سوشيميلكو كذلك وأرغمتها قوّات المستكشف الإسباني هِرْنان كُورْتيِسْ على التراجع. وترجع هذه الشبكة من القنوات والرّوافد فى الأصل إلى بحيرة واحدة كبيرة كانت موجودة قبل الوجود الكولومبي،وكانت شبيهة بسدّ منيع تُحفظ فيه المياه لإستغلالها فى مواسم الجفاف، أو جمعه فيه عندما تهطل الأمطار بغزارة،ومثلما كانت سوشيميلكو تمدّ مدينة مكسيكو بالمياه كانت كذللك  تَحُولُ دون غرقها لحجزها للكميّات الهائلة من المياه التي تتجمّع فيها من فرط  الفيضانات.وبعد زحف المدينة، وإقامة القنوات االصناعية الحديثة تخلّت مكسيكو عن هذه الخدمة التي كانت تقدّمها لها” مدينة الزّهور” وأصبحت عبارة عن بُحيرات وقنوات متشابكة تتفرّع منها روافد ومصارف وترع ،ولم تعد بالشكل الذي كانت عليه قبل وصول الإسبان إلى هذه البلاد.

640_003

وحتى القرن الماضي كانت هناك ممرّات مائية تربط بين سوشيميلكو ومدينة مكسيكو بواسطة قنوات كانت تمخرها الزّوارق، والمراكب وهم تحمل المسافرين ومختلف المنتوجات التي تُزرع فى هذه المدينة وفى المناطق المجاورة لها، وكانت تجارة الزّهور من أكثر التجارات رواجاً،تليها مرتبة ً الفواكه والخضروات التي تنبت فى الأراضي الدافئة،إلاّ أنّ المدينة إحتفظت اليوم بخاصّيةِ زراعيةِ الورود على وجه الخصوص لا ينافسها فى ذلك مكان آخر،كما أنّها ما زالت محافظة على صناعة جنادلها المميّزة الجميلة التي يؤمّها الزائرون من عاشقين، ومحبّين، وهائمين ،ووالهين من كلّ صوب وحدب،كيف لا، ولا تحوط بهم سوى الطبيعة الهادئة،والسّكينة،والمياه البلّورية الصّافية، والأزهار ، والأشجار، والظلال،وتغاريد الأطيار ،والوجوه الحسان.

كانت هذه المراكب تُصنع منذ القدم،أي قبل الوجود الإسباني من لحاء وجذور نوع خاص من الأشجارتقاوم الرطوبة والبلل ، وقد علقت بها تربة نباتية،وتظلّ هذه الجذور حيّة فى الماء لدرجة أنّها بعد سنين عندما يُغيَّر الجندول تُؤخذ هذه الأشجار لغرسها من جديد فى أماكن معيّنة ، وبهذه الطريقة لم يكن السكّان يخسرون الأشجار التي تُستعملُ جذورها الغميسة لصناعة مراكبهم،وبذلك يحافظون على البيئة، ولا يسيئون إلى الطبيعة التي حباهم الله بها، والتي ما زالوا يستمتعون بها إلى اليوم.ومع مرور الزمن، تُكِوّن هذه الجذور المتراكمة هضاباً، وآكاماً صغيرة داخل البُحيرات تتحوّل فيما بعد إلى جزيرات شبيهة ب”حدائق طافية” وإن كانت هذه الطريقة التي تعود للسكّان الأصليين قد طفقت فى الزّوال مع الأسف،وأصبحت تُستعمل أخشاب جذور الأشجار العلوية بدل جذورها الدفينة،وإن منظر الجذور ووقد عَلِقتْ به التربة النباتية والتي تكوّنت منها تلك الجُزيرات ما زال يثير إعجاب زوّار هذه المدينة ،ممّا يؤكّد المعارف الفلاحية الواسعة،التي أدركها سكّان المكسيك القدامى. كما توجد فى أرباض هذه المدينة بقايا آثار ورسوم منقوشة على الأحجار تعود إلى ما قبل الوجود الإسباني ، ممّا يؤكّد أن هذا المكان كان أثيراً لدى السكّان الأصلييّن منذ القدم.

بصمات عربيّة

TemploSanBernardino-XochimilcoDFMexico
سان برناردينو

توجد فى هذه المدينة من أولى الكنائس التي بناها الإسبان غداة غزوهم لهذه البلاد عام 1519 إذ يرجع تاريخ بناء هذه الكنيسة التي ثُسمّى “بِرْنارْدِينُو” إلى عام 1530،وإلى جانبها يوجد دير عتيق،ولا يخفى على الناظر إليها أنها بُنيت على طراز الهندسة المعمارية الإسلامية التي حملها الإسبانُ معهم من الأندلس، حيث تظهر فيها جمالية المساجد الإسلامية القديمة المدجّنة بتوريقها، وتنميقها، وأسوارها، وأعمدتها، وأقواسها، وبهوها، وقبوها وقبّتها،وبداخل الكنيسة يوجد مصلّى يسمّى ” رُوساريو” أيّ المسبحة، بني فى وقت متأخّر عام 1768 تشبه بوّابته بوّابة أيّ مسجد مشرقي لوفرة نقوشها ، وكثرة زخارفها الناتئة من الملاط مع مزج الآجر بالزُلّيج،وتؤكّد الباحثة المكسيكية الراحلة إكرام أنطاكي(من أصل سوري) هذه التأثيرات فى كتابها الكبير”الثقافة الثالثة ” الذي سبق أن تعرضتُ له فى مقالاتٍ سابقة نشرتها جريدة ” الأنوار”  الغرّاء فى تواريخ متفاوتة.

ألعاب أولمبيّة

picOlympicsMexicoMXX22798

عندما اختيرت المكسيك لتنظيم الدورة التاسعة عشرة للألعاب الأولمبية العالمية عام1968 ،كانت الطبيعة سخيّة معها ،بارّة بها فقد هيّأت مدينة سوشيميلكو بالذات للمنظّمين أنهاراً وقنوات طبيعية لمزاولة رياضة التجذيف ،وسباق الزّوارق بالخصوص ، وهكذا تمّ إستغلال هذه القنوات وهذه الأنهار واستعملت فى المباريات التي جرت فى نطاق هذه التظاهرة الرياضية الدولية الكبرى،وتصل مسافة المساحة المائية التي خُصّصت لهذه الغاية إلى 2.200متر طولاً و125 عرضاً ومترين عمقاً،وقد قُسِّمت إلى تسعة ممرّات مائية كلّ ممرّ مساحته تسعة أمتار لسباق الزّوارق،وستة ممرّات أخرى بعرض 135 متراً للتجذيف،وقد فرّقت جزيرة بين الممرّين ،بالإضافة إلى قناة طبيعية أخرى خاصّة للتدريب يصل طولها 1080 متراً وعرضها 30 متراً. وقد تسنّى للمشاركين فى هذه الدورة الألمبية الإستمتاع بجمال الطبيعة ،ووفرة الزهور،وإختلافها فى هذه المدينة التي بدت وكأنّها أعِدّت خصّيصاً لهذه الغاية منذ ما ينيف على خمسة قرون! ، وبهذه المناسبة كذلك وفى مكان قريب من هذه المنطقة تمّ تشييد جدار كبير يمتدّ على طول سبعة عشرة كيلومتراً أطلق عليه “جدار الصّداقة” وهو بمثابة رواق من منحوتات مقامة فى الهواء الطلق، وتجدر الإشارة فى هذا الصدد أنّ الفنّان الزميل محمد المليحي من المغرب كان هو الفنان العربي والإفريقي الوحيد الذي أختير من بين عشرات الفنانين العالميين الذين ينتمون للقارات الخمس للمشاركة فى هذه التظاهرة الفنية الكبرى فى ذلك الأوان .

MEX-983a

ومن عادة أهل سوشيميلكو أن يقيموا موسماً خاصّاً كلّ عام تُجريَ فيه مسابقة لإختيار أجمل جندول مُنمّق أو مركب مزدان بالزهور ،كما تقام مسابقة أخرى لإختيار أحسن باقة زهور. كما تقام حفلات أخرى قديمة للتخليد عادات السكان الأقدمين ،وتزيّن المدينة بهذه المناسبة بالزّهور والورود الجميلة تعبيراً عن بهجة السكّان وحبورهم، ويستغرق هذا الحفل مدّة ثمانية أيام كما كانت فى الماضي تُقدّم النذور، وتنثر البذور فى هذه الأنهار التي تخترق المدينة حتى لا تتدفّق مياهها وتفيض وتغمرهم، وذلك على عادة الفراعنة من سكّان مصر الأقدمين الذين كانوا يقدّمون القرابين لوادي النيل .

صناعات تقليديّة

arts-2

وتعكس الصّناعات التقليدية فى مدينة سوشيميلكو مدى حرص السكّان الأصليين على هذه الفنون اليدوية المتوارثة مثل النقش على الحجر،أو الخشب،أو التطريز، وغزل النسيج، وحياكة الزّرابي والسجاجيد،التي تحمل صوراً تاريخية قديمة ،فضلاً عن الفنون الفخارية ،كما أنه من عادة سكان المدينة إعداد حلويات تقليدية  مختلفة وقد نمّقت بألوان الورود والأزهار،بل إن بعض الحلويات تحمل أسماء الورود باللّغة الهندية القديمة، ونظراً لوجود الأزهار بكثرة فى هذه المدينة ونواحيها وأرباضها فقد إشتهرت كذلك بتربية النّحل وإعداد خلاياها وأجباحها بدقّة متناهية، وهم يبيعون للزوّار أصنافاً مختلفة من العسل مُختلفٌ ألوانه ليس داخل قوارير أو علب أو زجاجات ، بل فى شكله الطبيعي وهو عالق بخلايا النّحل والعسّالات.

UNESCO patrimony site Xochimilco, features 'trinjeras', brightly-painted gondolas, which passengers and tourists hire to be poled around the canals of the region. Passengers can hire mariachis from passing boats, and buy food, drinks, and folk arts. The canals were part of an ancient irrigation and waterway system. Xochimilco was the original name of the area that is now Mexico City.

ويلاحظ أنّ الألوان السّائدة فى المدينة والمستعملة فى الجنادل والمراكب وواجهات المطاعم والمقاهي هما اللونان الأحمر والأصفر، ومن غرائب الصّدف أنّ هذين اللّونين يمثّلان ألوانَ العَلَم الإسباني، وإن لم يكن لهما أيّ صلة بإسبانيا،بل إنّهما لونان كانا أثيرين، ومفضّلين فى هذه المدينة ،وذلك لوجودها بها قبل  “الإكتشاف” الإسباني لهذه البلاد .

أغاني الزّهور

بِرْنَالْ دِيلْ كَاستييّو
بِرْنَالْ دِيلْ كَاستييّو

عندما وصل أحدُ المستكشفين الإسبان الكبار وهو ” بِرْنَالْ دِيلْ كَاستييّو ” إلى المكسيك ومرّ بقرية سوشيميلكو وصف مشاهداته فى كتابه المعروف” التاريخ الحقيقي لإكتشاف إسبانيا الجديدة” قال: “رأينا العديدَ من المدن والقرى،مبنيّة فوق المياه،وتلك الأرصفة المرصوصة التي تراءت لنا ونحن فى طريقنا إلى مكسيكو ،أخذنا الإعجابُ والشّدوه ممّا نرى،وكانت هذه الأشياء تبدو لنا مثل القصص،والحكايات التي قرأناها فى كتاب ” أماديس” نظراً لكثرة البناءات والأبراج داخل المياه،ممّا جعل أحدَ جنودنا يتساءل إذا ما كانت الأشياء التي تتراءى لنا  هل هي فى الواقع أم فى الأحلام ..؟!

3702854-Dalias-en-el-jard-n-de-p-rvulos-los-canales-de-Xochimilco-jardines-flotantes-Ciudad-de-Mexico-Foto-de-archivo

ويقول أحدُ شعراء الهنود الأقدمين عن زهور مدينة سوشيميلكو فى قصيدةٍ له تحت عنوان: ” زَهرة وأغنية” :

لن تموت زهوري / لن تتوقّف أغنياتي/ أنا الشّادي أجعلها تسمُو/  تنتثر وتنتشر/  حتى ولو ذبلت/ أزهاري وشحبت /  فإنّني آخذها إلى هناك /  إلى داخل عشّ الطائر/  ذي الرّيش الذهبيّ/ فى حدائق سوشيميلكو.

ويقول أزتيكي شاعر آخر:

فى سوشيميلكو / تنبت الأزهارُ وتنمُو/ تتفتّح فى شكلِ براعم / وتكبُر نوّاراتُها/  من داخلها تتدفّق/ الأغنيةُ المُزهرة / التي تجعلك أنت/ أيّها الشّاعرُ المُحِبّ/ تُمْطِر طلاًّ وتُشيع ندىً/ بين الآخرين . **

*كاتب وباحث ومترجم من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية- الأميركية للآداب والعلوم – بوغوتا-  (كولومبيا).

**الأشعار المُدرجة من ترجمة صاحب المقال عن اللغة الإسبانية.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s