من التراث…

النَجّاد أبو خليل*

إذا شمّر للأمر

جوزف مهنا
جوزف مهنا

جوزف مهنا

نِعْمَ النجّاد أبو خليل ، ما أن يستَسِنّ بِمِنْجَدَتِهِ في الحيّ ، حتى تتخافقَ طربًا كلّ الفُرُشِ والوسائدِ والتّكايا واللُّحُف . فالرغائب – ولا مِرْيةَ في الأمر – تتخطّفها إلى وَتَرِ مِنْدَفِه، ممّا يندرج في إطار الحضور النغميّ المقدّس ، والتطهُّر والانعتاق.

نعيمُ البالِ ، ذو همّةٍ قصيّةِ المرمى في ما يتعزّمُهُ ، يُجادُ إلى براعة يديه ، والمواسمُ حُبٌّ وقِطاف. لا غِيّ في طِيّ قلبه . تسمعه ، فسبحانَ من برّح وجلّى وأمسك عنك نُغصة البال .

نجذَتْهُ التجاربُ ، فرفع الكِفايةَ المعرفيّةَ في المهنة ، وأعلى شأنها . وما زال يرقى به التطواف في معارجها ، حتى سقط على ضالّته ، فبلغ الغاية والمنى ، واستعلى بابُ دارِه .

ويا رُبّ قولٍ نضيجٍ ، ورأيٍ نصيح ، تنتفض إليهما المَجالس ولا تقعد ، فقُصارى “أبو خليل” أن يظفر بحبل رهانها .

إن فُصحاءَ العربِ وبلغاءَهم لَيَقصُرون عن مجاراته في صَوْلته الترشيديّة، إذا ما شمّر للأمر وتحزّم له :

في الوسائد والتكايا ، ننصح بالقطن “الكابوك” ، يُفتي المعلّم أبو خليل ، وقد اعتدل في جِلستهِ عاقدًا السّاق على السّاق، وهو يرشُف رشفةً مستأنيةً من فِنجان قهوته المُرّة ، يُسمَعُ لها وقعٌ وصدًى ، فيما عيناه الزرقاوان المزرّرتان تُضيئان كالسُرُج .

_______________________

* من الأدب الشعبـيّ  .

082282_2008_11_19_18_39_09.image3

       أمّا في الفُرُشِ واللُّحُفِ والجوادل ، والرأيُ دائمًا معقودُ اللّواء لأبي خليل: لقد ارتأينا نحن جماعةَ المنجّدين ، أن نأخذ بالقطنِ “المَلَكِي” ، لِما يتُحَصَّلُ من فوائدَ صحّيةٍ جمّةٍ ، تُصيب من قَنَّعَ الشيبُ خِمارَه ، وأنفذت السنُون عهدها في جسمه النّاحل.

ويمضي أبو خليل لِطِيَّته ، كمن يطرِّزُ ديباجًا أو يتكشَّفُ كنوزَ حضارةٍ حِرْفيّةٍ مندرسة .

إنّ خيْط القطن الهندي ، من دون غيره من أنواع الخيطان ، متداخلٌ متلازمٌ في مهنتنا . الفُرُشُ والوسائدُ واللُّحُفُ والتّكايا ، تَعرِفُ في موروثها الفكري، عند تَدافُعِ الإِبَرِ لُحَمًا وأسْدِيَةً ، ماهيّةَ عناوينه .

ويميل أبو خليل إلى أُذن محدِّثه هامسًا في ابتسامة عابثة: لنا مع “الجوادل” – والجوادلِ أُخيّاتِ اللُّحُفِ ، ومن لزوميّات أجهزة العرائس في الرّيف – ذكرياتٌ وحكايا ، ووقائعُ حيّةٌ تُتَلَمَّس لمسًا مثلما باليد . فمع “الاحتفاليّات” الرائعة التي نستنبطها من ضمن طقوس المهنة ، لِزخرفةِ هذه الأسُس الجِهازيّة الحميمة ، ندسّ شُحناتٍ حراريةً ، متفاوتةَ المفاعيلِ والتردّدات . والنتائجُ دائمًا محمودةُ العواقب . فتعريقةُ “الطاووس” ، نخصّها بمن تقلّبتْ على جِلْدِها ،  مُفاخَرَةً ومُجاهاة . فقد تقرع مَواسُّ المحبّةِ بابَها ، من الباب العريض .

lavender-sachets-and-cushionsembroidered-lavender-cushion-heart

       وتخريمة “القلب” ، نحوكها لمن ليس لها معدًى عن هوًى فيزكو هواها .

و”بِرْكة الماء” ، ننسجها للّتي تهاطلت الشكوك ، وأبرقت وأرعدَت في وِجدانها، فلا تعود السُحُبُ الرماديةُ تَستخفي في طِيّات ثوبها .

مثلما نترك للهوائيات ، حَيْرى الميولِ والاستقطاباتِ والأمزجةِ شكلَ “المراوح”، لعلّ جوارحها المتناثرة تتلبّب بأبعاضها ، في لعبة الزمان والتحوُّلات .

أمّا أن ننمنم للشّاعرات الحالماتِ رُواءَ “النجمة” وإشراقاتِها ، فكلّ خافقةٍ فينا تصير عالمًا إبداعيًا مزروعًا بالبراعم والغصون ، يحمِلُ دفءَ المسافة .

ولا يضيرنا ، على دِقّة التنفيذ وشفافيَّته ، أن نستصرخ لِتطريز “ثعبان” الرصينات الحكيمات كلَّ مبتَكَرات المهنة ومستجدّاتِها .

وغَيرُهُ وغيرُهُ من البديعيّات الهندسيّة التي مُسّت بها رَحِمُ الجماليّة ، فكأنّما أصابعُ الربيعِ مرّت على شفتَيْ شاعرٍ جوّال .

151934_2014_10_26_20_43_31.image3

       ولا بأسَ على الخبايا ، والمِندَفُ ما أقومَهُ ! يتقافز بفذاذةٍ وغِوًى بين شرائح الصُّوْفِ والقطنِ ، فتفتح له قلبَها ، وتنتهض على يديه في ذهنيّة لاوَعْيِها ، أبجديةً واستخداماتٍ متفرِّدةً ، فريدةَ اللغة والمصطلحات ، حتى لَتَحِسّ أنّ الأسارير ، تكاد تتخفّف من أثقالها ، وتتشجّر حولك أبراجًا ممدودةَ القِبابِ إلى السماء . فالمعلِّمُ أبو خليل بئرٌ عميقةُ الغَوْرِ بلا دخان ، ألقى عصا وُدِّهِ في قناعات الناس واستراح .

أبو خليل ، هذا التراثي الذي لم تعرُقْهُ خطوبُ الاحتراف وشجونُهُ ، فأتبعَ الفَرَسَ لِجامَها ، وكان له في ظِلّ مِندفهِ موقعيّةٌ هاجِسيّةٌ ، قَصَرت نَفسَها على خدمة الآخرين .

هذا التراثي في ذاكِرتنا الشعبيّة ، سألتُك ربّي يا عريضَ البِطان ، ألاّ تشوكَ له دَرْبًا ، وأن تُطِيل طِيْلَتَهُ ، فيبقى مع أترابه من الحِرَفيّين فرائدَ في تاجِ لبنان لا تندثر.

m-1

                                                      بيروت في 4/12/1998

 1119

093153_2009_05_12_16_59_40.image1

asharqeye1.555677

IMG_6703-w450

151934_2014_10_26_20_43_31

05907920080221020035

1334-575x400314743280

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s