رجلٌ بأقلامٍ مشتعلة

تمتزج عنده السياسةُ بالأدب، والثقافةُ بالحدث،

والفكرُ بالظَرف، والعمقُ بإتقانِ البساطة

رجلٌ بموانئَ حائرة بين الأفق والشاطئ
رجلٌ بموانئَ حائرة بين الأفق والشاطئ

سمير عطاالله

الكاتبُ المقنّع بالقصيدة المؤجّلة

الاعلامية/الشاعرة ماجدة داغر
الاعلامية/الشاعرة ماجدة داغر

ماجدة داغر

رجلٌ بمدنٍ كثيرة، بأزقّةٍ وأرصفةٍ ومواعيدِ المصابيحِ مع الليل.

رجلٌ بموانئَ حائرة بين الأفق والشاطئ، يمتدّ كجسرٍلظلال البحّارة، لكنه، “كلّما صفرت باخرةٌ تمنى أن يكون على متنها”.

رجلٌ بأقلامٍ مشتعلة، ملتهبة، جامحة، قبسٌ يُلهم جنيّةَ التاريخ، وضجرَ الجغرافيا، والغاوياتِ في القصيدة. يسكبُ مقدارَ حرفٍ عندما يحينُ الكلام ليستويَ المقالُ في مقامِه ملكاً.

magida-ok

مركبٌ بمجاذيفَ مغامرة، هذا الرجل المفتون بالترحالِ بين الفجرِ والغسق. فتراه حيناً مثل الحوذيّ في مُهاجر بريسبان يتلمس طريقَه ولا يجدُها، وأحياناً كثيرة كإبن عربي لا يعوّل على الشوق الذي يسكن في لقاء الأماكن الأثيرة، فيبقى لقاؤه مع ذاته/المدينة مفتوحاً على الحلم. “يروي سمير عطالله ويستطرد، يفعل كتدفّقِ الجدول او كزخِّ المطر بعشوائية الطبيعة وعفويتها وليس بنظام البرنامج المنسق، يكتب المقال بديلاً من القصيدة. مغامرته كانت الخروجَ من فيء الذات الى العالم واعادة العالم الى فيء الذات”، كما قال عنه انسي الحاج.

هذا الكاتبُ المقنّع بالقصيدة المؤجّلة، يستثير فتنَتَها، تغويه، تغازله، تداعب مخيّلتَه، يختبئ بين ضفيرتِها وملامحِ الخفَر، يغلبُها الانتظارُ في السكنى الحميمة، فتهتِف في حرفِه المأخوذِ بالموانئِ والجسورِ والقطاراتِ والمدنِ التي يعيدُ تركيبَ قسماتِها. وتمتزج السياسةُ بالأدب، والثقافةُ بالحدث، والفكرُ بالظَرف، والعمقُ بإتقانِ البساطة، والمهارة في التسلل إلى ذات القارئ ووجدانه وحنينه.يكتب في استبعادٍ وتغييبٍ وسَحقٍ للأنويةِ والشوفينية ونرجسية الكتّاب. فيكتب… وآه مما يكتب!

12745668_10156572644530154_255428757972917508_n

كمن ينتشي بسفرٍ في قطارٍ خرافي، يكتب،

عن مدنٍ وأوطانٍ وناسٍ طيّبين ونبلاء ومثقفين وسياسيين وملوك وثوراتٍ وقضايا وإنسان، يكتب…

عن بدر شاكر السيّاب، والمصالحةِ بين كوبا وأميركا بعد أربعةٍ وخمسين عاماً من العداء.

عن مصطفى أمين كأهمِّ محدثٍ في تاريخ تأسيسِ الصحافةِ المصرية، وعن كينغ مايكرز، وعن العقّاد وطه حسين والمنفلوطي وسيد درويش وجيل العمالقة، يكتب. ويكتب عن حكاية قتله انتحاراً بالسُمّ، واليوم الأخير في حياة المعلّم الكبير سقراط، وعن الفارق بين اللذة والألم.

وعن موسكو الهانئة مثل مدينةٍ عربيةٍ من مدن ألفِ ليلةٍ وليلة، قبل دخولِ نابوليون إليها. وعن سقوطِ جدارِ برلين، والأسواقِ الحرة في دول البلطيق، وفوكوياما ونهايةِ التاريخ. وعن السلامِ وسط الركامِ المجبولِ بالدم والبكاء، وعن نيرون إن كان يعزفُ على الكمنجة أم على القيثارة وهو يتفرجُ على روما تحترق، وعن جرجي زيدان وأمين معلوف واللورد بايرن وعن ماركس ونيتشه وتروتسكي، وداروين وباراك حسين اوباما وفرويد وغرامشي، وسايكس بيكو وابراج دبي وفضيحة ريتشارد نيكسون ونهاية الحرب الباردة.

ويكتبُ، عن الأمم المتحدة والألوية الحمراء، وجماعة بادر ماينهوف، وكيف عثرت فرنسا على كارلوس في الخرطوم،وعن تشيلي الصغيرة على حافة الأرض.

magida&samir atallah

ويكتب، ويكتب عن الناتو والمواجهات بين تركيا غير الأوروبية واليونان، وعن أميركا إلى جانب ايران ضد داعش، وعن غروزني والرماد المحروق. وعن قطار التالغو السريع من مدريد إلى اشبيلية، ودون كيخوته وطواحين الهواء وسانشو، والجنرال فرانكو ولوركا، وآه على لوكا وعرس الدم، وعن بلاد الأندلس وابنِ سهل الإشبيلي وولادة بنت المستكفي.

وعن القطار الخرافي يُسمع صوتُه هناك، قرب المحطة، وفيروز تنتظر. وعن عاصي ومنصور وانسي الحاج والميتا بويتري، وغبريال غارسيا ماركيز ومئةِ عام من العزلة.

والرجل بالمجاذيف المغامرة يكتب بماء الزمن الجميل، عن دوستويوفسكي ومكسيم غوركي وديكنز ونيرودا، والقهوة عالمفرق وبيروت الستينيات.

يروي سمير عطالله “المسافات في أوطان الآخرين”، يمحوها ويكتبها “بأسلوبٍ متفرّد في زمن الرمال السائدة” على حدّ وصف محمود درويش.

يدوّنُ سمير عطاالله “أوراقَ السندباد”، عن “ناسٍ ومدنٍ” برائحة “بائع الفستق” في “قافلة الحبر” التي تدقّ أوتادها في الصحافة اللبنانية والعربية يومياً وأسبوعياً منذ سنواتٍ طوال، من دون أن تنضُب الواحةُ ولا أن تجِفَّ الينابيع. هذا الفَيضُ الكتابيّ، الأدبيّ، السياسيّ، التاريخي، الإنسانيّ في “قلم سمير عطالله الكبير”، كما وصفه غسان تويني، هذا الفكر المعرفيّ الموسوعيّ في الشخصية الدمثة المتواضعة الثريّة، المخضّبة بحبر كبار الصِحافة وروّاد التجربة اللبنانية المأخوذة بالحرية، تُوِّج صاحبَ الجلالة وسلطانَ القلم.

12742751_10156572644345154_2220080857570159402_n

 سمير عطالله، ونتحسّر على حقائب وزارية تملأها المحاصصةُ والتوريثُ السياسيّ والنظامُ الطائفي ودولةُ اللادولة، وثمّة من يملأها بأوراقٍ تختزل السياسةَ الراقية والأدبَ النبيل والصِحافة العريقة. ونتحسّر: لِمَ قاماتٌ كسمير عطالله لا موقع قيادياً لها في السياسة؟ فيأتينا الجواب: لهذا لا نزال في المقلب المتخلّف من الأرض.

———————

*كلمة الاعلامية/الشاعرة ماجدة داغر في لقاء مع الكاتب الصحافي الزميل سمير عطاالله، نهار الجمعة الفائت في النادي الثقافي العربي.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s