من جمعة الى جمعة

alg-biden-israel-jpg

جو بايدن يلدغ مرتين

 من الجحر الإسرائيلي

حسان الخوري

حسّان الخوري
حسّان الخوري

لماذا جاء نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى إسرائيل؟

الإجابة في منتهى البساطة والوضوح: ترميم العلاقات الأميركية- الإسرائيلية التي تشهد توترًا، وتطمين إسرائيل بشأن الصفقة النووية مع إيران التي تعتبرها من أكثر الأيام سوادًا في تاريخ العالم.

لكن الإمور تصبح أقل بساطة وأكثر تعقيدًا لدى الدخول في التفاصيل. لقد حمل بايدن رزمة جديدة من المعونات العسكرية بمليارات الدولارات لفترة 10 أعوام ، وذلك لتصحيح الخلل في ميزان القوى في المنطقة جرّاء الصفقة النووية مع إيران ستحصل إسرائيل بموجبها على طائرات اف-35 واف-16، وقطع غيار، وأنظمة صواريخ تعتبر الأكثر تقدمًا في العالم، وأنظمة جمع معلومات إستخبارية، ومن المعروف أن ثمن طائرة اف – 35 القتالية التي تستخدم أيضًا للقصف يبلغ 110 ملايين دولار.

F-35

لا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن إسرائيل حصلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على معونات خارجية من الولايات المتحدة  أكثر من أي بلد في العالم بلغت قيمتها 121 مليار دولار (دون إحتساب التضخم)، وتشكل المعونة الأميركية 20% من إجمالي الميزانية العسكرية الإسرائيلية.

وكل ذلك في إطار إلتزام الولايات المتحدة بضمان حفاظ إسرائيل على تفوق عسكري نوعي يسمح لها بالتغلب على أي خطر تقليدي بأقل إصابات .

إضافة إلى ذلك سعى بايدن إلى إزالة هواجس ومخاوف المعارضين والمشككين في الصفقة النووية مع إيران بقوله بعد إجتماعه مع نتانياهو  أن الولايات المتحدة ستقوم باللازم إذا ما قامت إيران بخرقها.

photo_2015-08-28_18-20-16

لم يأت بايدن بأي جديد على هذا الصعيد، فقد رأى دائمًا أن منع إيران من تطوير سلاح نووي يندرج في مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل ويجعلهما أكثر أمانًا وليس أكثر ضعفًا. كما لايخفي بايدن إيثاره إسرائيل ونفوره من النظام الإيراني، فلا يجد حرجًا من التصريح : أنه من الأفضل التعاطي مع الأشخاص السيئين وهم لا يملكون قنبلة على الطاولة عوضًا عن إمتلاكهم لها، ولكن  الكثيرين من الإسرائيليين يرون أن النظام الإيراني شيطاني ولا يمكن بأي صفقة أن تغيره.

لكن إسرائيل تطلب أكثر مما تنوي إدارة أوباما تقديمه، وهذا ما سيعرض العلاقات بين البلدين لهزات جديدة.

iran-nukes-4444444444444

ما هو مؤكد أنه بالرغم من متانة العلاقات الإستراتيجية بين واشنطن وتل آبيب، فإن الأجواء غير صافية بينهما، فقبل وصول بايدن إلى الشرق الأوسط قرّر نتانياهو إلغاء الزيارة التي كان من المقرر أن يقوم بها إلى واشنطن ويجتمع خلالها مع أوباما. التفاصيل كانت مرة أخرى أهم من الحدث، فواشنطن علمت بالإلغاء من الصحف الإسرائيلية وليس من الأقنية الرسمية الإسرائيلية، الامر الذي حمل البيت الأبيض على إصدار بيان غير مألوف شديد اللهجة.

nao-perturbe-criminosos-de-guerra-trabalhando

السجال ما زال قائمًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل. واشنطن تصعّد إتهاماتها، وتل آبيب تقدّم التبرير تلو الآخر ما يجعل المشهد ضبابيًا، لكن من الحقائق الثابتة أن أوباما على عجلة من أمره ويريد تحقيق إنجاز ما في الشرق الأوسط قبل انتهاء فترة رئاسته، ونتياهو يدرك جيدًا أن أيام أوباما أصبحت معدودة في البيت الأبيض، ولا ينوي وضع كل البيضات في سلته بل يفضّل التعاون مع الإدارة الجديدة. وكذلك هو موقف الجانب الفلسطيني، وبالتالى  الفريقان غير مهتمين حاليًا بمفاوضات السلام ويفضلان في هذه الأثناء تبادل الإتهامات بإنتظار نضوج الظروف المناسبة.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تتلقى إدارة أوباما صفعة مذلة ومؤلمة من إسرائيل، فقبل 6 سنوات زار بايدن إسرائيل، وتحولت الزيارة إلى كارثة ديبلوماسية ، إذ لم تكن قد مضت سوى ساعات معدودة على تأكيده الدعم الأميركي لأمن إسرائيل  في أول حديث له في بداية زيارته حيث قال أن « إلتزام الإدارة الأميركية بأمن إسرائيل مطلق وكامل وصريح»   عندما أعلنت وزارة الداخلية الإسرائيلية  التي يتولاها زعيم حزب شاس اليميني إيلي يشوع  – المعروف عنه أنه يضع بناء المستوطنات في القدس الشرقية في مقدمة أولوياته – عزمها على بناء 1600 وحدة سكنية في القدس الشرقية، وتحديدًا في حي رامات شلومو الذي يشكّل اليهود الأرثوذكس المعروفون بكثرة إنجابهم  خصوصاً الأزواج الشبان منهم، أغلبية سكانه.

settlements

أثار الإعلان عاصفة من الإعتراضات والإنتقادات داخل اسرائيل وخارجها، فمن المعروف أن الإدارات الأميركية المتعاقبة، كما معظم الدول الغربية، تعتبر المستوطمات في القدس الشرقية غير شرعية بإعتبار أنها أراض محتلة ضمتها إسرائيل بالقوة ودون أي مسوغ قانوني  بعد حرب  1967 وعثرة في طريق السلام  مع الفلسطينيين. سارع بايدن إلى إدانتها قائلًا إنها خطوة  تقوّض الثقة التي نحتاج إليها في الوقت الحالي. وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون إتصلت هاتفيًا  بنتانياهو، وإستمرت المكالمة 45 دقيقة تحدثت  خلالها 43 دقيقة ونتانياهو يصغي إليها دون أن ينبث بحرف.   نتانياهو  – كما قيل آنذاك – شعر بالإحراج ووزّع مكتبه بيانًا صادرًا عن وزارة الداخلية يقول أن مشروع الوحدات السكنية  قد تم تخطيطه  منذ 3 سنوات  وأن الإعلان عنه  مجرد إجراء إداري لا علاقة له بزيارة بايدن، والتقى بين المعلقين الإسرائيليين والأميركيين من يجد الأعذار والتبريرات لنتانياهو، إمّا زاعمين أنه علم بالأمر كغيره، وهذا ما حمل صحيفة هآرتز اليسارية  إلى الإستهزاء من هذه المقولة قائلة: يبدو أن نتانياهو يتبع مثل القردة الصينية « لم أسمع. لم أر. لم أتكلم»، أو  مشيرين إلى أنه منذ أن شكّل حكومته الائتلافية  قبل سنة إضطر إلى ضم عناصر يمينية وجد دائمًا صعوبة في إلزامهم  بالإمتثال بخط محدد، متناسين أنه  من مؤيدي إقامة المستوطنات في القدس الشرقية. المتحدث بإسم الحكومة الفلسطينية نبيل أبو ردينه وصف الإعلان بأنه قرار خطير ينسف المفاوضات ويحكم على المساعي الاميركية بالفشل الكامل، وعلى الإدارة الأميركية الرد  على هذا التحرش بإجراءات عملية  إذ لم يعد بالإمكان إدارة الوجه الآخر.

وتجدر الإشارة إلى أن نتانياهو  لم يتخذ أي تدبير تأديبي بحق الوزير ما زاد في إضعاف ثقة واشنطن به، كما قام بترقية نائب رئيس الكنيست وعضو الليكود داني دانون الذي وصف في تصريح أدلى به إلى صحيفة واشنطن بوست زيارة بايدن بأنها إهانة.

لقد إحتاطت واشنطن للأمر في الزيارة الحالية تخوفًا من حصول  مفاجآت غير سارة كما توقعت ذلك  على ضؤ السوابق  أسبوعية جويش ويك الصادرة في نيويورك قبل بدء الزيارة، فأجرت إتصالات مباشرة، وليس عبر الأقنية الديبلوماسية، مع وزارة الداخلية الإسرائيلية ومجلس بلدية القدس للإمتناع عن الإدلاء بأية تصريحات مماثلة، ولكن الضربة جاءت من مكتب رئيس الحكومة بالذات.

ما زاد الطين بلة أن بايدن، المنكود الحظ إسرائيليا، يعتبر من أكثر السياسيين الاميركيين تأييدا لإسرائيل، وقد تباهى دائمًا بهذا الأمر، وفي إحدى خطبه ذكر: لن تجدوا في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب أو الإدارة الأميركية أو بين حكّام الولايات من يؤيد إسرائيل أكثر مني، وقال في مناسبة أخرى : لقد منحت صوتي وقلبي والتزامي العاطفي لإسرائيل ولن أقبل بأن يقدم أحد عليّ وأجلس في مقعد خلفي.

Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu speaks before a joint meeting of Congress on Capitol Hill in Washington, Tuesday, March 3, 2015. Netanyahu said the world must unite to `stop Iran's march of conquest, subjugation and terror'. House Speaker John Boehner of Ohio, left, and Sen. Orrin Hatch, R-Utah listen. (AP Photo/Andrew Harnik)

وفي العام الماضي ألقى نتانياهو كلمة في الكونغرس الأميركي  إنتقد فيها المحادثات بشأن الإتفاق النووي مع إيران دون إعلام أوباما أو إستشارته بصورة مسبقة مما إعتبره البيت الأبيض خرقًا فاضحًا للأعراف الديبلوماسية، وقد رفض أوباما الإلتقاء بنتانياهو متذرعًا بأنه لا يريد أن يظهر كمن يتدخل في الإنتخابات الإسرائيلية، وقد ردّ نتانياهو الصاع صاعين والكيل كيلين لأوباما بما رشح عن مكتبه بأنه ألغى زيارته إلى الولايات المتحدة تجنبًا للقاء أي من المرشحين للرئاسة الأميركية خلال حملاتهم الإنتخابية.

c82859e31167fff3de609305cc83ac8e

ما هو مؤكد أن الود مفقود بين الرئيسين الأميركي والإسرائيلي على الصعيد الشخصي، لكن من المؤكد أيضًا في المقابل أن كلًا منهما حريص أن لا تؤثر مشاعرهما السلبية تجاه بعضهما على القرارات الكبرى والمصالح الحيوية لبلديهما، وبالتالي تبقى الخلافات القائمة بينهما مجرد إشكالات  محصورة في نطاق  ضيق للغاية وإن إرتدت لفرادتها وهجًا إعلاميًا صارخًا، وقد عبّر نتانياهو عن ذلك بكل وضوح في الكلمة التي ألقاها في الكنيست قائلًا: تعكس زيارة بايدن قوة العلاقة بين إسرائيل  أكبر وأهم حليف لها. لقد سمعتكم تنعون العلاقات الأميركية- الإسرائيلية عندما وقفت ضد الصفقة الخطرة مع إيران. أنا متأكد ان إيران كانت قد إمتلكت سلاحًا نوويًا لولا الجهود التي قمنا بها ،وسنقوم بكل ما يلزم للتأكد من أنها لن تحصل عليه.

bibi-obama-the-artist

ربما كان من الأصح السؤال: ماذا حمل معه بايدن من إسرائيل؟ عوضًا من: لماذا جاء إلى إسرائيل؟ وذلك على غرار الغجري الذي تغادر زوجته الخيمة ولا يسألها عند عودتها: أين كنت؟ وإنما: ماذا جلبت معك؟ وهذا شأن غير المؤمنين الذين يلدغون من الجحر مرتين.

joe

hvkhoury1@gmail.cin

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s