تَقصيرُ المَقُولَةِ على طَيِّبِ المَحمُولِ!

مِيشلِين حَبِيب
مِيشلِين حَبِيب

مُورِيس وَدِيع النجار

*كَلِمَةٌ في كِتابِ “لأنَّنا على قَيدِ الحياة”، لِلأَدِيبَة مِيشلِين حَبِيب:

ميشلين حبيب أديبةٌ شابَّةٌ تَطَأُ أرضَ الكتابة بالخَطْوِ الواثِقِ، غير آبهةٍ بما في أُفُقِ الرِّحلةِ مِن مصاعبَ، وبما تَعِدُ دُرُوبُها مِن مَتاعِبَ وعَثَرات.

إلى كتاباتٍ كثيرةٍ ما تزالُ في أدراجها تنتظرُ الإِعتاقَ، وتَتَشَوَّقُ رائحَةَ حِبرِ المطابعِ، فإنَّها أصدرت كتابَها “لأنَّنا على قَيدِ الحياة”، مَجموعةً مِن الأُقصُوصاتِ القَصِيرةِ جدًّا، الصَّغيرَ الحجمِ، المُكتَنِزَ المَضمون.

وَكي نَحفَظَ لِهذا اللَّونِ مِنَ القَصِّ حَقَّهُ في التَّفَرُّدِ فإِنَّنا سَنُطلِقُ، في هذه الدِّراسَةِ السَّرِيعَةِ، إِسمَ “قُصَيْصَة” على أُقصُوصاتِ هذا الكِتاب.

تَنتَمي هذه الإِضمامَةُ، في مُجمَلِها، إلى القَصِّ الأَلِّيجُورِيِّ (Allegorycal)، حيث ما يَقبَعُ وراء الحِكايةِ هو المَرامُ الرَّئِيسُ، فيما الظَّاهِرُ المَقرُوءُ هو القِناعُ (Persona).

فإلى مَن يَرُودُها أن يَنحُوَ نَحْوَ جَلالِ الدِّينِ الرُّومِيِّ “فَيَنظُرُ إِلى الدَّاخِلِ وَالحالِ، لا إِلى الخارِجِ وَالقَالِ”، وإِلَّا فَسَيَخرُجُ وليس في سِلالِهِ سِوى الخَواء.

في بعضِ القُصَيْصاتِ تَجاوَزَتِ المُؤَلِّفَةُ الرَّمزِيَّةَ الهادِفَةَ، وَصَدَرَت إلى الفانتازيا (Fantaisie) المُطلَقَةِ، فإذا القَصُّ تَرَفٌ خَيالِيٌّ، وانفِلاتٌ مِن قَبضَةِ السَّبَبِيَّةِ والمَعقُول.

ومِن هُنا نُدرِجُ المَجمُوعَةَ في إِطارِ الكِتابَةِ الشَّذْرِيَّة (Écriture fragmentaire ou Aphorisme)، بما فيها من تَكثِيفٍ، وَإِيجازٍ.

مِن بَراعاتِ أَدِيبَتِنا المُتَعَدِّدَةِ، مَدَى نتاجِها هذا، أنَّها تَرَكَت، في مُعظَمِ قُصَيْصاتِها، أُفُقًا مَفتُوحًا للقارئ يَبسُطُ على أَدِيمِهِ رُؤيَتَهُ الخاصَّةَ، ويَتَفاعلُ مع ما استَجابَت له رُوحُه. وقد تَتَعَدَّدُ القِراءاتُ، وتَتَغايَرُ، ولربَّما كانت كُلُّها صَحِيحَة. وهذا مِن علاماتِ الإبداعِ القَصَصِيِّ، الَّذي يبدو سهلًا لِلَّمْحِ العارِضِ، وعَصِيًّا لِلبَصِيرَةِ المُتَأَمِّلَة.

لُغَتُها بَسيطَةٌ خالِيَةٌ مِن الزَّخارِفِ، والتَّزويقِ المُصطَنَعِ، تَذهَبُ إلى هَدَفِها مِن دون استِطرادٍ، أو إِنشائِيَّةٍ مُفرِطَةٍ، أو وَعظِيَّةٍ مَمجُوجَة. إنَّها تَرصُدُ القِبلَةَ، فَتَنطَلِقُ إليها كالسَّهمِ الثَّاقِب.

سَنُبرِزُ، في مَبحَثِنا المُوجَزِ هذا، انطِباعَنا حِيالَ بعضِ المَقطُوعاتِ، لا تَفضِيلًا – وكُلُّها جَدِيرَةٌ بِالتَّأَمُّلِ، والدِّراسَةِ، والتَّنقيبِ – وإنَّما تَمثِيلًا، كي لا يكونَ المقالُ عامًّا، تَنقُصُهُ الشَّواهِد.

***

 

“غَرام”، (ص 7)

adonis

هي قُصَيْصَةٌ مُكَثَّفَةٌ جِدًّا، تَتَدَرَّجُ، بِهُدُوءِ الاستسلام، والانصياعِ الكاملِ لِقَدَرٍ قاصِمٍ راهِنٍ، حتَّى بُؤْرَتِها الكامِنَةِ في نهايَتِها. تُلَخِّصُ، بأسطرٍ، عَجزَ الإنسانِ أَمامَ الموتِ، حيث الشَّلَلُ تامٌّ، والأملُ خيالٌ وَوَهْم. نَجحَتِ الكاتبةُ في تَجسيدِ نارِ الحزنِ المُتَأَجِّجَةِ في قلبِ بَطَلَتِها، بِبُرُودَةِ صَمتٍ مُمِيتٍ، أقسى مِن بُرُودَةِ المَشرَحَة.

وهي لوحَةٌ مَتنُها المُواجَهَةُ القاسِيةُ بين أضلاعِ المُثَلَّثِ الأَبرَز: الحياةُ والموتُ والحبُّ، وظلالُها انكِسافُ الفَرَحِ والرَّجاءِ أمامَ طُغيانِ العَدَم، وذلك في نَسِيجٍ حَسَنِ التَّولِيفِ، وافِي الأَداء، في جَوٍّ تَتَنَامَى فيه المشاعِرُ ولا يُجهَضُ التَّشويق.

ونحنُ، قارئًا مُتَفَكِّرًا، مالِكًا حرِّيَّةَ التَّأويلِ، نَخالُنا رأينا هذه الأُحدُوثَةَ تَجسيدًا بالكلماتِ لِقَولَةِ هنرِي مِيلر: “تَصَوَّر، تَصَوَّر أَن لَيسَ أَمَامَكَ إِلَّا مَصِيرُك”!

***

“هِي”، (ص 9)

في هذه المُدَبَّجَةِ السُّورِيالِيَّةِ الرِّداءِ، الرَّمزِيَّةِ المُتَّكَأ، نَجَحَتِ الكاتبةُ في شَدِّ انتباهِ القارئ، وتَفعِيلِ تَرَقُّبِهِ، وتَشَوُّقِهِ لمعرفةِ هذه الزَّائرةِ الغريبةِ الأَطوار، ذاتِ السَّطوَةِ الحازِمَةِ، والنَّهَمِ الَّذي لا يُشبَع، والَّتي تَستَلُّ مِن البَطَلَةِ، بِمَعرِفَتِها، أثمنَ ما يَملِكُ الإنسان: حَواسَّهُ، قُوَّتَهُ، تَذَوُّقَهُ المَلذَّاتِ، ثُمَّ… حياتَه!

على أنَّ أديبَتَنا اللَّبِقَةَ لم تُفصِحْ عن ماهِيَّةِ هذه الزَّائِرَة، وتَرَكَتِ السُّؤالَ مُعَلَّقًا، وهذا مِمَّا يُحسَبُ لها. وهي ثَمَّرَت بَراعَتها في الإِيحَاءِ، وأَراحَت، لِحِينٍ، مَهارَتَها في التَّوصِيف.

وهل كان الإيضاحُ، دائمًا، خادِمًا أَمِينًا لِلأُحدُوثَة؟!

وهو، هُنا، أَلا يُمعِنُ في قَتلِ الدَّهشَةِ الَّتي تَزِينُها؟!

قد يرى أحدُهُم الحياةَ في هذه الزَّائرَةِ النَّهَّامَةِ، المِلحاح. تَطلُبُ، مَرَّ الأيَّامِ، أَعَزَّ ما يَملِكُ الإنسان: مُقَوِّماتِها هي بالذَّاتِ، أَدواتِ الحياةِ ونُضرَتِها. كأنَّ للمَرءِ أَن يَعبُرَ في رِياضِها مِن دُونِ أن يُطِيلَ المُكُوث. فقط يُمكِنُهُ أن يُطلِقَ صَرخَةَ فَاوست، بَطَلِ الشَّاعِرِ الأَلمانِيِّ غُوتِه (Goethe): “قِفْ أَيُّها الزَّمَنُ… ما أجمَلَك!”، ولكن مِن دُونِ جَدْوَى. وأينَ الجَدْوَى وَ”الكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبضَةُ رِيحٍ” كما جاءَ في سِفْرِ الجَامِعَة؟!

وقد يَتَزَيَّدُ في تَصَوُّرِهِ كاتبٌ مَلَكَتهُ لَوْثَةُ الكتابَةِ، وأَخَذَت بِلُبِّهِ، وصادَرَتهُ على كِيانِهِ حتَّى نَفَسِه الأَخيرِ، فَيَدَّعِي أَنَّ هذه اللَّجُوجَ هي الكِتابَةُ بِعَينِها.

أَلَم تَأخُذْ مِنهُ ضِياءَ عَينَيهِ، وتَقضُمْ ثوانِيَهُ، وَتُذهِلْهُ عن مَلَذَّاتِ عَيشِهِ، وَتَأْتِ على طاقاتِهِ، تَوالِيًا، حتَّى ضُمُورِهِ الأَخِير؟!

ومَن يَمنَعُ عليهِ رَأيَهُ، والنَّصُّ تَرَكَتهُ صاحِبَتُهُ نَهْبًا للتَّآوِيل؟!

ثُمَّ فَليُسْقِطْ كُلٌّ مُحتَوَى النَّصِّ على ذاتِهِ وهَواهُ، وَليَخْرُجْ بما يَشاءُ، أَوَلَيسَتِ القِرَاءَةُ عَلاقَةً خَاصَّةً يُوَطِّدُها القَارِئُ مَعَ المَقْرُوء؟!

والقَارِئُ، أَلَيسَهُ، في حالاتٍ كَثِيرَةٍ، كَاتِبًا رَدِيْفًا لِلعَمَلِ الأَدَبِيِّ الَّذي بين يَدَيه؟!

وفي النِّهايَةِ، مَن أَصابَ في ظَنِّهِ فَحَسبُهُ لَذَّةُ الاكتِشافِ، ومَن أخطأ فَلْيُرَدِّدْ مع شَاعِرِ النِّيل حَافِظ إبرَاهِيم:

“رُبَّ سَاعٍ مُبصِرٍ فِي سَعيِهِ           أَخطَأَ التَّوفِيقَ فِيمَا طَلَبَا”!

***

“عندما كُنتُ قُنفُذًا”، (ص 17)

يتراءى لنا أنَّنا إزاءَ نظرَةٍ في الحياة والمجتمع قد يَتَوافَقُ معها بعضٌ، ويُعارِضُها بَعض.

فهل رَمَتِ الكاتبةُ، في قُصَيْصَتِها، إِشراكَ المجتمعِ في كلِّ جَرِيرَةٍ يَقتَرِفُها الفَرد؟

فهذا الَّذي كان قُنفُذًا يُسَخِّرُ أشواكَه أداةً للاعتِداءِ، ثُمَّ ألقاها عنه وتابَ، راجِيًا العيشَ الآمِنَ مع الآخَرين، يَجبَهُهُ الآخَرُ بِشَهرِ سلاحِ اللُّؤْمِ القاتلِ في وجهه، فَيَعُودُ إلى سِيرَتِه الأولى، وَ”تَنتَفِضُ شَوكتانِ كانتا مُختَبِئَتَينِ وتَنغَرِزا في عَينَي [هذا الآخَر]”.

وَنَرانا نَقرَأُ، هُنا، رَأيَينِ:

أَوَّلُهُما أَنَّ الإنسانَ طُبِعَت رُوحُهُ على الشَّرِّ بِحِصَّةٍ وافِيَةٍ، فهي لا تَتَصَفَّى مِنهُ كُلِّيًّا، ولطالما قِيلَ: “ألطَّبْعُ يَغلِبُ على التَّطَبُّع”.

والثَّاني أنَّ المجتمعَ يَتَحَمَّلُ، في أَوزارِ النَّاس، قِسمًا مِن المسؤوليَّة. لكأنَّ كاتِبَتَنا تُرَدِّدُ مع جُبران خَلِيل جُبران: “إِنَّ القَتِيلَ ليس بَرِيئًا مِن جَرِيمَةِ القَتل”!

***

“فِينُوس والصَّدَفَة”، (ص 19)

1280px-Sandro_Botticelli_-_La_nascita_di_Venere_-_Google_Art_Project_-_edited

تَنتَمي رَصِيعَتُنا هذه، في ما تَنتَمي، إلى النَّثرِ الفَنِّي المُؤْنِقِ، حيث سَطَّرَت أَدِيبَتُنا، بِالجَمالِ الشِّعرِيِّ، أُسطُورَةَ ﭭِـينُوس (أَفرُودِيت)، الَّتي جَسَّدَها الفَنَّانُ العالَمِيُّ ساندرُو بُوتِيشِيلِي بِلَوحَةٍ رائِعَة.

فلماذا اختارت هذه الأسطورةَ، حَصْرًا، لِتُدرِجَها بين مَروِيَّاتِها؟

أَلأَنَّها شِعرِيَّةُ الحكايةِ، نَسِيجُها الحُبُّ، والحُسنُ، والأُنُوثَةُ، والرِّقَّةُ، وهي شاعِرَةٌ شَفِيفَةٌ تَهتَزُّ لِلجَمال؟!

أَم لأنَّ “وَرَاءَ الأَكَمَةِ ما وَرَاءَها” مِن رَمْزٍ، ورِسالَة؟!

وهُنا، يَطِيبُ لنا أن نَرُودَ مَهامِهَ التَّخمِينِ إلى أقصاها، فَنَسأل:

هل ﭭِـينُوس هي فتاةٌ “هَرَبَت مِن مَسؤُولِيَّاتِ الحُبِّ والجَمالِ والخُصُوبَةِ”، وفاتَها العُمرُ، وَعَزَّ الإيابُ، فإذا هي في قَوقَعَةٍ وَجَدْبٍ، وفراغٍ في الرُّوحِ لا يُملَأُ بَعدَ أن ضَمَرَتِ المَفاتِنُ، وَذَبُلَ الرَّونَق؟!

ولكنْ… أين اللُّؤْلُؤُ في ما حَصَل؟!

أم هي راهِبَةٌ في دَيرِها، أو ناسِكٌ في صَومَعَتِهِ – في حالَتَين مِن الاستِثناءِ المَوجُودِ في الحياة – تَرَكا صَخَبَ الدُّنيا وراءَهُما وانعزَلا، ومَرَّتِ اللَّيالي تَطوِي اللَّيالِي، وتَوالَتِ الحِقَبُ، فإذا بِمَلَلِ الوَحدَةِ يَأكُلُهُما، ولا قِطارَ يَمُرُّ، وقد غابَتِ المَحَطَّاتُ في ضَبابِ العُمرِ المُوَلِّي؟!

ولرُبَّما كان اللُّؤْلُؤُ في لقاءٍ مع الأَعلَى، وَتَجَلٍّ في صُوفِيَّةٍ تَرتَفِعُ معها الرُّوح!

قد نَكُونُ شَطَطْنا في رُؤانا، ولكنْ…

أليسَ جَمِيلًا بعضُ الرَّحِيلِ مع الخَيالِ خَلْفَ أَجفانٍ مُغْمَضَةٍ على هُرُوبٍ مِن واقِعٍ يَقُضُّ وَيَمُضّ؟!

فاعذُرِينا، يا سَيِّدَةً في الكلامِ، على تِيْهِنا، واعتَبِرِيهِ “شَطْحَةَ” شاعِر!

***

“وَراءَ الكَوالِيس”، (ص 23)

آهٍ مِن الإنسان!

مُذْ وُجِدَ وُجِدَ الشَّرُ في رُوحِهِ، وما تَصَفَّت هذه، على السِّنِين، مِن كُلِّ سَوادِها وشَوائِبِها، إِلَّا مع قِلَّةٍ مِن أَنبِياءَ، وَرُسُلٍ، وَمُختارِين.

ففي فَجرِ البَشَرِيَّةِ قَتَلَ قَابِيلُ أَخاهُ هابِيلَ، ثُمَّ كَرَّتِ الفِعْلَةُ في النَّاسِ، كَرَّ الحِقَبِ، حتَّى بين الأصدقاءِ والإِخوَةِ، مُقَنَّعَةً بِالرِّياءِ، والحَسَدِ، وَطَبْعِ الوَحْشِ الكامِنِ فينا. وهل مَن يَنسَى الصَّرخَةَ التَّارِيخِيَّةَ: “حتَّى أَنتَ يا برُوتُوس”؟!

أَعادَت كاتِبَتُنا الحِكايَةَ، بِوَشيِها الأَنِيقِ، واختِصارِها الذَّكِيِّ، وَحَبكَتِها المَدرُوسَة.

إمرَأَةٌ تَقضِي على زَمِيلَتِها، مَن اصطفَتها، واستَعانَت بها، وَسَلَّمَتها العُنُقَ، ولكن… “وَراءَ الكَوالِيس”، أَي وراءَ الأَعيُنِ الكاشِفَةِ، وفي ظُلمَةِ النَّفسِ المَملُوءَةِ حِقدًا، والمُتَرَبِّصَةِ تَرَبُّصَ الذِّئابِ، وذلك بِدَمٍ بارِدٍ ليس فيه مِن دِفْءِ المَحَبَّةِ فَتِيلا!

***

“رائِحَةٌ نَتِنَة”، (ص 25)

هذه القُصَيْصَةُ تُجَسِّدُ نَتانَةَ الضَّمِيرِ المُتَهَرِّئِ، بِتَعبِيرٍ سُورِيالِيٍّ يُسرِفُ في الصُّوَرِ لِيُظهِرَ جَسامَة التَّفَسُّخ. ولرُبَّما كانت الكاتِبَةُ رَحُومًا إذ جعلت هذا الفاسِدَ يَشتَمُّ نَتانَةَ سَرِيرَتِهِ حين أَنَّ الكثيرين مِن فِئَتِهِ السَّوداءِ تَزكُمُهُم بَلادَةُ الشُّعُورِ، وتَصَلُّبُ الإِحساسِ، فَيَنامُونَ قَرِيرِي العَينِ على سُوءِ فِعالِهِم، إِلَّا أَن يَحُولَ قَدَرٌ دُونَ إِضافَةِ سُوءٍ آخَرَ إلى أَسوائِهِم السَّابِقَة فَتُقَضُّ مَضاجِعَهُم، ويَنقَبِضُون.

***

“صَفعَة”، (ص 27)

مِمَّا يدعو للتَّقديرِ والإكبارِ هو تَفَنُّنُ صاحِبَتِنا في التَّعبيرِ عن أفكارها، مِن دون فَرْضٍ أو وَعْظٍ أو تَنظِير، بِأَقَلِّ الكلامِ وأَبلَغِهِ، وبِلُغَةٍ رَشِيقَةٍ تَمُرُّ رَخِيَّةً سَلِسَةً كَنَسِيمٍ على رابِيَة.

هي لا تَعِظُ، ولكنَّها إن أرادَت، مَرَّةً، فإنَّها تُقَدِّمُ المَوعِظَةَ عَبرَ حادِثَةٍ طَرِيفَةٍ، غيرِ مُتَوَقَّعَةِ العُقْبَى، فَتَصِلُ رسالتُها إلى المُتَلَقِّي خَفِيفَةَ الظِّلِّ، قَوِيَّةَ الوَقْعِ، مَدِيدَةَ العُمر.

وهذا هو أَمرُ قُصَيْصَةِ “صَفْعَة”، الَّتي تقولُ إنَّ مَن ينقادُ إلى غَضَبِهِ، مُعتَدِيًا، بِقُوَّةِ جَسَدِهِ، على امرَأَةٍ، أَكانَت زَوجةً أم حَبِيبَةً أم أُختًا أم أَيَّ أُنثَى أُخرَى، فَإِنَّ سَبِيلَهُ لن تكونَ إِلَّا “الطَّرِيقَ السَّرِيعَ في الاتِّجاهِ المُعاكِسِ”، أَي طَرِيقَ الخَطَرِ والهَلاك.

أَلا عافاكِ اللهُ يا واعِظَةً لا تَرتَدِي سِرْبالَ الحِكمَةِ الجافَّةِ الوَقُورِ، بل رِداءَ الظَّرْفِ، والكلامِ الَّذي لا يُثقِلُ الصَّدرَ، وخِفَّةِ الرُّوح!

***

“القِطُّ أَرثر”، (ص 29)

رَمزِيَّةٌ، وقِطُّها “أَرثر” هو كُلُّ مُتَعَجرِفٍ، مُتَكَبِّرٍ، مُتَعالٍ، وفي الحقيقةِ فارغِ المُحتَوى، عاجِزٍ، عَقِيمٍ، كتِمثالِ ثَلجٍ ناصِعٍ، لامِعٍ، يَتَهاوَى إِمَّا أَدرَكَتهُ شَمسُ الحَقِيقَة. وكم مِن “أرثر” يَتَبَختَرُ أَمامَنا، في المُجتَمَعِ، في السِّياسَةِ، في الكِتابَةِ وفي غَيرِها مِن السَّاح.

لقد نَجَحَتِ الكاتبةُ بِالمَثَلِ الَّذي ساقَتهُ، وأَصابَت به صَمِيمَ الحقيقةِ، وخَرَجَت، على صِغَرِ سِنِّها، وتَجرِبَتِها الأَدَبِيَّةِ الفَتِيَّةِ، كاتِبَةً بَعيدَةَ الهِمَّةِ، شَدِيدَةَ المِراسِ، عَمِيقَةَ الرُّؤْيَةِ والرُّؤْيا!

***

“مَلابِسُ الشِّتاء”، (ص 41)

لَوحَةٌ حَسَنَةُ الأداءِ، سامِيَةُ الغايةِ، نَقِيَّةٌ نَقاءَ الثَّلجِ الَّذي زَرَعَتهُ أَدِيبَتُنا في كَلِماتٍ مَعدُودات.

هو الفَرْدُ الَّذي يَتَزَيَّا بغير ثيابِهِ، ويظهَرُ على النَّاسِ بِطِباعٍ يَستَعِيرُها، مُرائِيًا، مِن أخلاقٍ ليست له، يَفقِدُ دِفْءَ الطُمَأنِينَةِ، وهَناءَتَها. وقالها المَثَلُ الشَّعبِيُّ: “اللِّي بيِعْرَا مِن تيابُو بيُبْرُد”، أي “لا يَدفَأُ الإنسانُ إِلَّا في ثِيابِه”.

ولكنَّ الحياةَ، تَرفُضُ التَّصَنُّعَ، والزَّيْفَ، إذا طالا، وتَرذُلُ مَن يَسعَى إلى تَغيِيرِ وَجهِها، “فَيَرتَطِمُ بَشَجَرَتِها العارِيَةِ”، حَقِيقَتِها النَّصِيعَةِ، ويَخرُجُ مِن رَكْبِها فَيَقبَعُ على قارِعَةِ طَرِيقِها مَنبُوذًا، مَرذُولًا، “مُغَطًّى بِثَلجِ” النِّسيان.

وقد عَبَّرَ سَعِيد تَقِيِّ الدِّيْن عن الأمرِ بِجَمِيلِ قَولِه: “إِنَّ أَشقَى ما يُمْنَى به الإنسانُ هو العَيشُ المُزَيَّف”!

***

“غير معترف به”، (ص 71)

في قُصَيْصَتِنا هذه وُلُوجٌ في مَيْدانِ النَّقدِ الاجتماعِيِّ بِبَراعَةٍ تَضرِبُ في الدُّمَّلِ، مِن دُونِ أن تُدمِيَ المَشاعِر. فَبِاللَّمحَةِ الخاطِفَةِ، والتَّورِيَةِ الذَّكِيَّةِ، تَكشِفُ كاتِبَتُنا عَوْرَةَ المُجتَمَعِ النِّسائِيِّ “المُخمَلِيِّ”، المُزَركَشِ لَبُوسًا، الغَاوِي سَبِيلًا، والخَاوِي مَعرِفَة. فالمرأةُ، فيه، هي حَقِيبَةٌ، ومَنزِلَتُها ورِفعَتُها عَلامَةٌ – “مَارْكَةٌ” – تِجارِيَّةٌ مَعرُوفَةٌ – (Marque signée) – أَمَّا المَرأةُ “المُثَقَّفَةُ والحَقِيقِيَّةُ”، الَّتي رَصِيدُها الأَهَمُّ هو العَقلُ وما اكتَنَزَ، فليس لها مَحَلٌّ في دُنيا أُولالِكَ المُترَفاتِ، المُتَنَعِّمات.

لقد أَبلَغَت صاحِبَتُنا الأُمثُولَةَ والرِّسالَةَ بِوَقعٍ وَزَخْمٍ لا يَبلُغُ شَأوَهُما وَعْظٌ مُتَتالٍ، وصَوتٌ صارِخ. أمَّا رِحلَتُنا معها، في رَكْبِ الاكتِشافِ، فكانَ حادِيها التَّعَطُّشُ لِمَعرِفَةِ الخُلاصَةِ، وهَودَجُها الدَّهشَةُ المُلازِمَةُ، ومَحَطَّاتُها المُفارَقاتُ الخَفِيفَةُ الظِّلِّ، ومَحَجَّتُها انشِداهٌ تُقِلُّهُ ابتِسامَةُ رِضى!

***

“نُزهَة”، (ص 109)

paralytic_man

ونَختِمُ تَناوُلَنا الإِفرادِيَّ لِلقُصَيْصاتِ بِـ”النُّزهَةِ” الَّتي بها خَتَمَت. هي تَناصٌّ مع آيَةِ الرَّجُلِ السَّقِيمِ في إِنجِيل يُوحَنَّا (الفَصل 5، آيات 5-8).

لقد اتَّخَذَتها الكاتِبَةُ مَطِيَّةً لِتَقُولَ لِكُلِّ إنسان: مَهما استَعصَت أَمراضُكَ وعاهاتُكَ، صَفِّ قَلبَكَ، واطلُبْ مِن رَبِّكَ بِطَوِيَّةٍ نَقِيَّةٍ، وامْشِ في سَبِيلِهِ، ولا بُدَّ أن تَسمَعَ جَوابَه: “قُمْ وَامْشِ مَعِي”. أَوَلَم يُنادِكَ: “تَعَالَوا إليَّ يا مُتعبِين، ويا ثَقِيلِي الأحمالِ، فأنا أُرِيحُكُم” (إِنجِيل مَتَّى، فَصل 11، آية 28)؟!

بِمَنظُورِ مَن يَستَقبِلُ البارِئَ في فُؤادِهِ بِكُلِّ نَقاءٍ لقد صَدَقت مُبدِعَتُنا، وَها رَاﭭِينيان يَدعَمُها بِالقَول: “بِقَدْرِ ما نَفسٌ تُعطِي ذَاتَها لِلَّهِ بِالقَدرِ ذَاتِهِ يُعطِي اللهُ ذَاتَهُ لِتِلكَ النَّفس”.

لقد أَرادَت أن تُبلِغَ رِسالَتَها، فَتَحاشَتِ التَّبشِيرَ، آفَةَ القَصِّ، واستَعارَتِ الحِكايَةَ، فكانت قَرِيبَةً مِن الرُّوحِ، وَنَجَحَت.

***

جَولَةٌ عامَّة

مُورِيس وَدِيع النجار
مُورِيس وَدِيع النجار

تَعتَمِدُ أديبَتُنا الصَّدمَةَ المَبنِيَّةَ على المَنطِقِ، لا المَقطُوعَةَ الجُذُورِ، تَستَفِيدُ مِنها لِتَطبَعَ بَلاغَها في عَقلِ القارئِ، وحافِظَتِه، لزمنٍ يَطُولُ، وهذا في الكثيرِ مَن قُصَيْصاتِها.

على أنَّها، في بعضٍ آخَرَ – “شَرْط” (ص 15)، تَمثِيلًا – يبدو أنَّها تَعتَمِدُ المُفارَقَةَ، والغَرابَةَ، والصَّدمَةَ، غَرَضًا وهَدَفًا. وما يُشَجِّعُ على تَبَنِّي هذ الرَّأيِ هو الغُمُوضُ الَّذي لا تُكشَفُ حُجُبُهُ، ولا يَتَسَرَّبُ مِن ظُلمَتِهِ بَصِيص. فيَصعُبُ الوُلُوجُ، بِالمَنطِقِ والتَّحلِيلِ، إلى حَرَمِها وقد أَسرَفَت في عُجْمَتِها، وتَصَوُّراتِها الَّتي لا تُنسَبُ إلَّا إلى عائلةِ الخَيالِ العِلمِيِّ (Science Fiction)، أو الرُّؤَى الغَيبِيَّةِ (الأَبُوكالِيبتِيَّةِ؛ Apocalyptiqe).

فإذا كان ما نَزعَمُ صَحِيحًا، فهل يكفي الخيالُ المُتَفَلِّتُ مِن عِقالِهِ أساسًا لِبِناءٍ إِبداعِيٍّ يَصمُدُ أمام النَّقدِ، ويبقى في مِيزانِ الفَنِّ، وذاكرةِ المُتَلَقِّي؟!

والدَّهشَةُ عِمادٌ رَئِيسٌ في سَردِيَّاتِها، يَحمِلُها نَصُّها في نَسِيجِهِ لِيُلقِيَها إلى القارِئِ المُتَوَفِّزِ في السَّطرِ الأَخِيرِ، أو الكلمةِ الأخيرةِ، فَيُبقِيهِ في حالٍ مِن الذُّهُولِ لا تَنتَهي إِلَّا مع ذُهُولٍ يَلِيه.

وهذا مِن تِقْنِيَّاتِ القُصَيْصَةِ، الَّتي تَتَنَكَّبُ مَسؤُولِيَّةَ زَعزَعَةِ القارئِ في هُنَيهاتٍ سِراع. وقد بَرَعَت آنِسَتُنا في هذا الأُسلُوب!

ولن نَتَعَنَّتَ في إِسباغِ تَفسِيرٍ، وَإِلصاقِ غَرَضٍ، بِكُلِّ قُصَيْصَةٍ، فَلَرُبَّ واحِدَةٍ لا تَبغِي سِوَى الفُكاهَةِ، “فِكرَةٌ عَبقَرِيَّةٌ”، (ص 35)، أو التَّحرِيكِ والتَّشوِيقِ، “تَقبِيل”، (ص 53)، أو المُفاجَأَةِ، “الضَّباب”، (ص 33) على سَبيلِ المِثالِ لا الحَصْر. وقد يقولُ قائلٌ إنَّه رَأَى في هذه الأَخيرةِ أُمثُولَةَ أنَّ مَن يَهتَدِي بِهَدْيِ غيرِه، مِن دُونِ تَحَقُّقٍ وَتَمَحُّصٍ، قد لا يَصِلُ إلى قِبلَتِه. لن نَدحَضَ رَأيَهُ، فَكُلُّ تَأويلٍ مَشرُوعٌ، وقِصَصُ صاحِبَتِنا واسِعَةُ الأَمداءِ، مُنفَتِحَةٌ على آفاقٍ كَثِيرة.

وقد يَسأَلُ سائِلٌ: هل مِن قَصْدٍ في قُصَيْصَةِ “جِدار في الحَدِيقَة” (ص 49)، إِلَّا التَّسلِيَةَ والفُكاهَة؟

ولرُبَّما سَمِعَ مُجِيبًا يقول: قد تكونُ صُورَةً كارِيكاتُورِيَّةً لِلمَثَلِ المَأثُورِ “مَن حَفَرَ حُفرَةً لأخِيهِ وَقَعَ فيها”!

ثُمَّ إِنَّ صاحِبَتَنا أَخرَجَتنا مِن جِدِّنا وتَفَكُّرِنا إلى ابتسامَةٍ عَمِيقَةٍ حين قَرَأنا لها “لِقاء” (ص 59)، فَوَجَدنا فيها نُسخَةً ناعِمَةً لِــ”حَدِيثِ الطُّرْشِ” المَعرُوفِ، والَّذي يَدُورُ بين أَطرَشَينِ على النَّحو التَّالي:

– هل أنتَ ذاهبٌ إلى الصَّيد؟

– لا، أنا ذاهِبٌ إلى الصَّيد.

– ظَنَنتُكَ ذاهِبًا إلى الصَّيد.

فَبِاللهِ عليها، إِنَّ على مائِدَتِها كُلَّ أَلوانِ الطَّيِّبات!

ولِلمَوتِ حُضُورٌ سائِدٌ في هذه المَجمُوعَةِ، وقد يكونُ البَطَلَ الرَّئيسَ لِمُعظَمِ قُصَيْصاتِها. وهو ليس بِالضَّرُورَةِ المَوتَ الحاصِلَ بِحَتمِيَّتِه المَعهُودَةِ، فقد يكون موتًا عَبَثِيًّا يَضرِبُ في غير ساحِهِ، أو مُتَخَيَّلًا مُستَحِيلًا كالَّذي وجدناه في قُصَيْصَةِ “ضَرِيح” (ص 97)، وهي بِلَفظِها: “وَضَعتُ أَزهارِي المُفَضَّلَةَ على الضَّرِيحِ، وَوَقَفتُ أَبكِي. اجتاحَني حَنِينٌ كَبِيرٌ وَوَحدَةٌ عارِمَة. متَى حَصَلَ هذا؟ ولماذا أَرقُدُ هنا؟”.

غِبَّ طَيِّنا الصَّفحَةَ الأَخِيرَةَ، والمَوتُ يُرافِقُ قراءتَنا بلَجاجَةٍ، تَساءلنا عن تَوارُدِ الرُّؤْيَةِ بين مُفَكِّرَتِنا الشَّابَّةِ والشَّاعِرِ الإنجلِيزِيِّ يِيتْس (William Butler Yeats) القائلِ: “الإِنسَانُ هُوَ المَوت”!

وابتَسَمنا في سِرِّنا وقُلنا: كاتِبَتُنا، اليَومَ، في غَضاضَةِ الشَّبابِ، تَتَوَهَّجُ نَشاطًا، وَتَدأَبُ سَعيًا، وتُقلِقُ اللَّيلَ بِقَنادِيلِها المُضاءَة. فَلَرُبَّما تَكُونُ، في قابِلِ الأيَّامِ، نَظِيرَةَ هذا المُبدِعِ في سُلَّمِ الإِبداع!

***

 micheline-cover

مُختَتَم

هذا الكتابُ تَقرَأُهُ فلا يَعتَرِيكَ رَهَقٌ أَو مَلالٌ، بل تَتَنَقَّلُ في أَرجائه كما في رَوضَةٍ غَنَّاءَ فيها كُلُّ ألوانِ الزَّهرِ والثَّمَر.

لُغَتُهُ رَقِيقَةٌ سَلِسَةٌ، سَهلَةٌ على جَمالٍ، بَسِيطَةٌ لا تشُقُّ على الحكاية، وأفكارُهُ مُتَنَوِّعَةٌ ثَرَّةٌ، وبَلاغُهُ مُقتَصِدٌ، حَسَنُ الصِّياغَةِ، يُغنِي بِقَلِيلِهِ عن الكثيرِ المُتَرَهِّل.

أَمَّا خَواتِمُهُ، لَحَظَاتُ التَّنوِيرِ، فَمِن قَلَمِ أُستاذَةٍ كبيرةٍ في الدَّهشَةِ والتَّشويق. هي الرَّحِيقُ المُتَكَثِّفُ في ثُمالَةِ الكأسِ، والخُصَلُ الَّتي طالَ وِصالُها مع الشَّمسِ حتَّى أَدرَكَت تِشرِينَ، فَأَدرَكَها الشَّهْدُ، وَلَوَّنَها الذَّهَب!

فيا صديقتنا!

لقد بَرَعْتِ في إِرضاءِ الشَّاعرِ ﭭِيكتُور هُوغُو (Victor Hugo)، مَن كانت وَصِيَّتُهُ: “لا تَتَكَلَّم، إِنَّ التَّفسِيرَ يُقَلِّلُ مِن طَرَافَةِ المَوضُوع!”.

وأَرضَيتِ العَصرَ إِذ أَمسكتِ بمِفتاحِهِ، ألا وهو سرعةُ الإبلاغِ، وتَقصيرُ المَقُولَةِ على طَيِّبِ المَحمُولِ، كما لم تَبخَسِي حَقَّ المُتَعَمِّقِينَ في الثَّقافة، بِتَكثِيفِكِ الذَّكِيِّ، وَقُوَّةِ ملاحَظَتِكِ، وتَصَيُّدِ الفِكرةِ الغَنيَّةِ مِن أدغالِ الحياةِ الكَثَّة.

ثُمَّ إِنَّكِ تَركتِ صفحاتِك نِصفًا سَوَّدَهُ المِدادُ المُحيِي، ونِصفًا بَياضًا كَأَنْ دَعوةٌ فيها إِغراءُ الغَوصِ في مَكنُونِ النِّصفِ الآخَر. أَلا لَيتَ تَزرَعُها مَحاجِرُ المُحِبِّينَ، وذَوَّاقَةِ الحَرفِ، تَطوافًا تَعُودُ بعدهُ “بِلَقِيَّاتِ” خُلجانٍ مَنسِيَّةٍ، ذَهَبًا، جُمانًا، ودُمُوعَ مَحار…

ها نحنُ، وبَلَغنا نهايةَ الرِّحلةِ، مَعَكِ، نَفِيءُ وَأَترَعنا سِلالَنا مِن جِنانِكِ ثَمرًا يَتَقَطَّرُ شَهدًا، وَيَضُوعُ شَذًا، ويُداعِبُ البَصَرَ بألوانِ قَوسِ سَحاب!

أَلَا أَغزَرَ اللهُ حِبرَ يَراعِكِ، فهو يُعطِي ما تُعطِيهِ الأَقاحُ، وَيَبُوحُ بِما تَبُوحُ بِهِ عُيُونُ المِلاح!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s