شهادةُ حياةٍ أعطيت في مؤتمر روما

كاستلكوندولفو
كاستلكوندولفو

                           العميد أنيس مسلِّم

نحنُ هنا، روما، نفتِّشُ عن شَمْسٍ أفضل من التي تُطْلِقُ أشِعَّتَها المُرْتجفةَ على وَطنِنا الغارِقِ في هاويةِ الأنانيَّةِ ومصالِحِ السياسيين الخاصَّةِ والمُرْتزقينَ.

     العميد أنيس مسلِّم
العميد أنيس مسلِّم

نحنُ هنا، روما، نفتِّشُ عن تفاؤلٍ أضعناه، فتهنا في تشاؤمٍ صحراويٍّ، غمرَ جمهوريتنا الفيَّةَ التي تواجِهُ أخطرَ أزمة عرفتها، منذُ قيامِها عام 1920.

نحنُ هنا، اليومَ، في كاستلكوندلفو، نبحثُ عنِ الهدوءِ وصَفاءِ الذَّاتِ اللذين فقدناهما، على مدى الأربعين سنة الماضية؛ نبحثُ عنِ الشَّجاعةِ والمُشَجِّعِين، كي يظَلَّ وجهُنا قادِرًا على عَكسِ وجهَ فادينا الجميل.

normal_medaillemiraculeuse26

أيُّها الإخوةُ والأخوات، لقد عَرَفْتُ الحركةَ (عَمل مريم)، منذُ حوالي نصفِ قرن؛ كُنَّا في زحلة، وهي مدينة تبعدُ عن بيروت خمسين كيلومترًا، لمَّا تلقَّيْتُ مكالمة هاتفيَّة من َراهبةٍ إيطاليَّة، تخبرني عن وجودِ صبيَّتين إيطاليَّتين عندها في مستشفى تل شيحا، تودَّان التعرُّفَ على عائلةٍ زَحليَّةٍ.

فكَّرت بكم، قالت، فقبلتُ للتَّوِّ، وهكذا تعرَّفنا إلى آليتَّا وآكابِّه، في اليومِ عينِهِ، إذ التقينا على المائدةِ ظُهرًا؛ هذه الزِّيارةُ الخاطِفةُ وغيرِ المُنتظرة، كانت نِعْمةً كبيرة بالنسبةِ إلى عائلتِنا، فاكتَشَفْنا كَنْزًا في حَرَكةٍ.

لقد شارَكْنا في أوَّلِ مريابولي عرفها لبنان عام 1969، ولن أنْسى، ما حُييتُ، فرحَ عائلتِنا الغامرَ إبَّان تلكَ الأيام القليلة.

زوجتي جاكلين وأنا، انتمينا إلى العائلاتِ الجديدةِ من أربعين سنة؛ وبِفَضْلِ عملِ مريم، تحمَّلت رفيقةُ عُمري، طيلةَ سنواتِ مرضها الثلاث، أشدَّ الألآمِ وأقصاها، بابتسامةٍ عَذْبةٍ ووَجْهٍ مُشْرِقٍ وإيمانٍ فريدِ البساطةِ تَحَمَّلت أوجاعها، فكانت كلماتُها وتصرُّفاتُها تَحْمِلُ إلى الذين يَأتون لزيرتها، البَهْجةَ والطَّمَأنينةَ والسَّلامَ. إنَّني مُتَأكِّدٌ مِنْ أنَّها ترافِقُنا، خطوةً، خِطْوة، في هذا اللقاءِ، ولعلَّها تَجْلِسُ الآنَ إلى جانبي.

أبْنتي ريتا، التزمت أيضًا عام 1982، وهيَ تضطلِعُ ، اليومَ، في المركزِ الدوليِّ للحركة في روكَّا دي بابا، بمسؤوليَّة الحوار بين الديانات.

co-responsable pour le dialogue interreligieux

أودُّ، لهذه المناسبةِ السعيدةِ، أن أشهَدَ كأكَّاديميٍّ وكاتبٍ، حالفهُ الحظُّ ، فنقلَ بِسُرُورٍ، إلى اللغةِ العربيَّةِ، أحدَ أهمِّ كُتبِ كيارا “مُغامرةُ الوَحْدَة” و “كلِمةَ الحياةِ” على مَدى عشرِ سنوات؛ أشْهَدُ أنَّ المَحَبَّةَ والوَحْدةَ يفقدانِ أشياءَ أساسيَّةَ من أبعادِهما بدونِ كتاباتِ كيارا لوبيك.

لقد تعلَّمتُ من عملِ مريمَ، أنَّ السَّعادةَ تُعدُّ وتُتْقَن، وأنَّ كُلَّ إنسانٍ يستطيعُ  زرعَ الفرحِ في مُحيطِهِ البشريِّ، شرطَ أن يقبلَ حدودَهُ وأن لا يَغْفلَ عن إحصاءِ ما أُعطيَ من نِعمٍ.

حركةُ الفوكولاري موجودة في لبنان مُنْذُ 1968، ونحنُ من خلالِها نواجِهُ التَّحدِّياتِ الصَّعبةِ، ونتحمَّلُ الألآمَ والمشَّقَّات الجسيمةَ أحيانًا، ونُحاوِلُ عيشَ قيمنا المسيحيَّة، نتوصَّلُ، حينًا، في عيشِ تجارب حواريَّة عميقة معَ بعضِ مواطنينا، ونفشَلُ حينًا، بيدَ أنَّنا نُثابرُ ونبقى في الرَّجاء.

ها نحنُ هُنا، روما، لنؤَكِّدَ أنَّ يسوعَ المصلوبَ والمتروكَ، هوَ اليُنبوعُ الوحيدُ لزرعِ ثقافةِ القيامةِ ونشرِها في العالم.

كاستلكوندولفو 3 أذار 2016.

أنيس مسلِّم

stMaryweb

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s