في السراء والضراء…

لونا قصير
لونا قصير

الروائية لونا قصير

عندما تتأجج المشاعر لا تهمدها إلا كلمة واحدة: “سأتزوجك”. يهدأ الصراع، تبتسم “إذا يحبني”،  وبالتالي سعيد الحظ يفرح، لقد وجد نصفه الاَخر.

Maalouf-wed

الزواج عقد شراكة أبدي، ولكن قوانينه الخطيّة ليست مبرمة على أرض الواقع. هذه الشراكة بين الطرفين من المفترض أن تدوم عمرا بكامله ويمضيان معاً حياة سعيدة وإن كانت لا تخلو من المصاعب، أم يصبح مع الزمن ثقلاً عليهما.

عندما يسود أي خلل خطير دون الوصول إلى حل يرضي الطرفين، تتدخل أطراف قريبة وبعيدة وتزداد الهوة بينهما، ويبدأ الصراع من غير الوصول إلى حلول جذرية، وتصبح هذه العلاقة كالمدّ والجزر،  يرمي كل منهما التّهم على الاَخر، والعقد ليس قابلا للفسخ.

أمام المشاكل المتراكمة، يتسلل الخيال ويأخذ قسطا كبيرا من تفكيرهما، كمن يأخذ حبة دواء لن تشفيهما لكنها مسكن مؤقت، ينظر إليها، يتساءل كيف يعقل أن يكون قد أحبها، لقد تغيرت ملامحها وأصبحت تشبه جارته التي كان يخاف منها عندما كان طفلاً، وبالتالي عندما تتطرف عيناها، تتأمله بصمت، من هذا الغريب؟ جالس لا يتكلم تنظر إلى انتفاخ بطنه تخاله امرأة ستدخل في المخاض بين لحظة وأخرى، لا يستطيع أن يتنفس ولا يتوقف عن التهام الطعام.

بطريقة غير ارادية ودفاعا عن النفس ومن أجل الاستمرار يلجأ كل منهما إلى عالم لا يشبه الاَخر لكن تحت سقف واحد. يتدخل فجأة الضمير ويقف أمامهما كقاض في محكمة ويؤنبهما، كيف نسيا شروط العقد ألم يمضيا عليه معاً؟

يرضى كل منهما بعالم الخيال، يبنيه كل منهما بحسب رغبته، لكن كل منهما في اتجاه. يعلمان إن أرادا أن يسترجعاحريتهما سيدفعان ثمنه باهظاً. سينبذهما المجتمع، وإن افترقا ستحدق العيون إليهما كالبومة، وتتوسعان عند مرورهما بالقرب منهما، بسرعة يحاول كل منهما أن يسلك طريق اخرى إلى المنزل خوفاً من نظراتهم اللئيمة، بالرغم من أن هولاء يعيشون ذات الجحيم في عكر دارهم، لكن  ليس مسموحا لهما أن يكونا مختلفين عنهم، في العذاب الجماعي مساواة ترضي الجميع، إذ أنهم جميعا في ذات الخانة، أما في في الفرح القوانين تختلف، فالغيرة والحسد تأكل من خبزهم اليومي.

تتسع الهوة بين الشريكين من خلف جدران الصمت والعقد يصبح مجرد ورقة رسمية في جارور قديم مقفل ومختوم بالشمع الأحمر. تتدخل مشاعر جديدة لم تدوّن في العقد وتفرض نفسها كجهة رافضة لواقع تعيس، تتسلل بهدوء ومن غير علم مسبق وتصعق القلب بشحنة كهربائية جاءت من مكان بعيد أم غريب أم قريب، لا يهم. يفرح كل منهما معتقدين أنها مجانية، لقد عاش القلب من جديد، لكن لا يلبثا أن يدركا بأنها مكلفة أكثر من الحرية التي تمنياها..

من السبب ومن المسبب؟ لا يريد أي منهما أن يعلم ولا يحاول أن يفتش عن الحل، لكن لا ردة فعل من غير فعل مباشر، في المحكمة لا يوجد بريئين ولا متهمين، يوجد خاسرين فقط وإن كانت النسبة تختلف من شخص لاًخر.

يبدأ صراع العقل بين الخطيئة أو عدمها، ينتاب طرفا منهما أم معاً، صراعا داخليا بين القيّم والأخلاق؟ أنهما يفكران مثل بعضهما، لكن هنالك دائما طرف  أقوى ويستطيع أن يسيطر على انفعالاته، واحد من بينهما يصيبه اليأس ويهمل نفسه، ينسحب إلى غرفته، لا وقت لديه ليحل مشاكل عالقة أو لم يعد يهمه.

أما الطرف الاَخر، فيدور في غرفة ضاقت من لف خلف جدران الصمت وليل يسوده سكون المقابر، رسوم متحركة على تلفاز يملأ فراغ ساعات. يطفئه، يختار أغنية يحبها، تستيقظ الذاكرة، يحاول أن ينسى ﹰصورا مزقت سدى بعد أن أنحفرت في قلبه. يعود بأفكاره إلى أماكن أحبها. تنتفض أحلام الطفولة، تريد أن تسترجع قصصا لم تكتمل. ينتابه الخوف، يتردد،  لقد أصبح أسيرا،  يحاول أن يجد مبرراً لها ، يتمرد ويقول بينه وبين نفسه: من قال أنها هفوة ومن وضع قانونها؟ من شرعها كما يريد؟ يتخبط في أفكاره ، لقد تأخر الوقت يجب أن يخلد إلى النوم، الأحلام أجمل، يغفو على الكنبة..

غداً سيخرجان مع أصدقاء في مطعم فخم من مطاعم المدينة، لن تختلف الصورة، المشهد نفسه: قهقات، وكلام فارغ لرجال يشربون كأساً تلو الأخرى، ويحرقون سجائرهم الفخمة. عيونهم تبحث في مكان آخر عن إمرأة لاتشبه نساءهم. يضحكون جميعهم، كل على ليلاه. إنهم مجموعة لا صلة تجمع بينهم سوى خاتم من الماس ليس فيه أيّ شيء من الحب… الأهم أن العقد بخير لم تمسه شائبة..

لوحة "فرح" بريشة الفنانة التشكيلية  فريال فيّاض
لوحة “فرح” بريشة الفنانة التشكيلية فريال فيّاض
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s