تنوّع الدلالات الرمزية في الشعر العربي الحديث

cover

وفيق غريزي

د. نورا مرعي
د. نورا مرعي

عندما نتأمل الشعر، ندرك أنه من أكثر المواهب أهمية، قد إبتدعته البشرية لأن لغته تتخذ وظيفة جمالية تختلف عن وظيفتها الأخرى القائمة على التواصل والتفاهم. وظّف الشعراء اللغة للإرتقاء بها من المستوى العادي الى المستوى الشعري القائم على الرؤيا، ما دفعهم الى إعتماد الرمز وسيلة تعبير عن رؤاهم الشعرية، ورأوا من خلاله ما لم يره الآخرون.

وفي نظرة سريعة الى نشأة الرمزية، يرجّح أن بداياتها الأولى كانت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر في فرنسا كرد فعل على الرومانسية والبرناسية والواقعية، واستمرت حتى أوائل القرن العشرين تعايش البرناسية والواقعية، وقد اتخذت هذه التيارات الفنية الرمز إحدى وظائفها التعبيرية. ومما لا ريب فيه أن الرمزية في بُعدها الفلسفي هي اتجاه الى رؤية العلاقة القائمة على الإنسجام في الكون والموسيقى، وهي المنظمة للكون بما هو عبارة عن مجموعة رموز، ويمكن حسبان نشأتها مرحلة تجديد في الشعر العالمي عموماً، وقد غدت بعد ذلك وسيلة لتجديد الشعر العربي، لأن الإنتقال الى الرمزية في الشعر العربي ترافق مع تغيّر بناء القصيدة العربية، وإعادة النظر في تنظيم القصيدة الموسيقي، وبُعدها الرؤيوي، إذ إن الشعراء لم يتخلوا عن الموسيقى التقليدية، بل أعادوا توزيعها، لأن الرمزيين، رأوا أنها المنظمة للكون.

ويرى البعض أن الشعراء الرمزيين حاولوا ان يعبّروا عن سرّ الوجود وعن عالم الأفكار والمشاعر، وعن طبيعة المعاناة الشعرية، باستخدام الرموز. وكانوا يوقنون بأن ذلك ممكن بفضل الخصائص السحرية الخيميائية التي تتمتع بها الكلمات، والتي تساعد على إمكان إستخدامها كرموز، وبفضل العنصر الموسيقي، الذي يشكل مسألة جوهرية في الشعر.

الرموز التاريخية

خليل حاوي
خليل حاوي

يشكل تراث الأمم نتاج التراكم الثقافي والفكري المستمر، فالأساطير والخرافات والملاحم والحكايات الشعبية المجتمعة حالياً بين يدي الإنسان واردة لدى سائر الشعوب في العالم، وتعود الى مختلف عهود التاريخ والحضارة البشرية. وقد تشكلت هذه الذاكرة عبر تعاقب الحضارات الإنسانية من خلال نموها التاريخي والحضاري منذ القدم حتى وقتنا هذا، وانتقالها عن طريق التبادل بين الحضارات، التي كانت تستلهم حكايات الشعوب الأخرى وتعدّل فيها، فنصبح تراثا إنسانياً عاماً يجسّد الإنسان فيه معاناته وأحلامه. ولقد حظيت شخصيات الحكايات الشعبية بنصيب وافر في نتاج الشعراء الفني، ومن هؤلاء الشعراء خليل حاوي، بدر شاكر السياب، ويوسف الخال، وعبد الوهاب البياتي، وأدونيس وغيرهم.. وتقول المؤلفة: تفاعلوا هؤلاء الشعراء مع المأثور الشعبي الذي أدى دورا فاعلا في صوغ رموزهم مع شخصيات الحكايات والعادات والتقاليد وابتكروا منها رؤى مميزة اختلفت بين شاعر وآخر، اذ استغل كل شاعر طاقاتها وامكاناتها الفنية لتتفاعل مع الحالة التي ينشد التعبير عنها. مبدلا احيانا واقعية الحكاية، مغيرا فيها وفقا لما يلائمه، فالمأثور الشعبي في المفهوم الحديث للفولكلور، ليس فقط تراثاً لخبرات فكرية، تشكلت عبر أجيال عديدة، ولكنه أيضاً حركة دينامية وعملية تغيّر مستمر لمواكبة تطور الحياة الإنسانية. وهذا التغيّر قد خلق في فضاء الشعر الحديث مخزوناً فكرياً، أضاف الى الشعر عمقاً وتجدداً.

يوسف الخال
يوسف الخال

لقد عاد شعراء هذا البحث: السيّاب، حاوي، أدونيس ودرويش الى الرمز، واعتمدوا عليه، في نتاجاتهم الشعرية، ولكن التغيير كان مختلفاً في الفكر الأوروبي، فقد كان الرمز الأوروبي نتيجة الهروب من الواقع الى الغيب، بينما ينشأ الرمز العربي نتيجة الثورة على الواقع الفاسد والطموح الى واقع أمثل، وهذا الفرق في النشأة يترتب عليه فرق في الوظيفة هو أن رمز الهروب خلاص فردي يحقق به الشاعر راحته النفسية. ولكن المؤلفة ترى في هذه الفكرة تناقضاً مع الرمز ذاته، على أساس ان الرمز لا يمكن أن يكون هروباً، لأنه وسيلة للصورة الفنية بمقدور الشاعر تحميله المضامين التي يريدها، وهو تقول المؤلفة: معطى ثقافي ترسخ في البنية الذهنية الإنفعالية، يستند الشاعر اليه، فيحمله أبعاداً فنية جديدة يريدها هو. وعلينا هنا التمييز بين مفهومين في الرمزية كفلسفة فنية برزت في فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر، وقد أكثرت في إستخدام الرموز في شعرها، والرمز كوسيلة تعبيرية إنفصل عن الرمزية وانتشر في مختلف المذاهب الفنية والأدبية.

فبدر شاكر السياب تأثر بحكايات الطفولة التي تتسم بالخيال الرمزي، وهو ما دفعه الى إستحضارها في نتاجاته الشعرية المتنوعة، لأنها مترسبة في خياله واللاوعي. أما خليل حاوي كغيره من شعراء الحداثة يلجأ الى استدعاء رمز الجن في العديد من قصائده. وتقول المؤلفة: يختلف حاوي في إستخدامه رمز الجن عن غيره من الشعراء، إذ يبدو انه لم يتأثر بحكايات قديمة، إذ إستخدم الجن بطريقة مختلفة، فاتخذه في قصائده رمزاً للأشياء الغريبة التي تثور في الجماعة. وها هو أدونيس أيضاً يستخدم لفظة الجن في العديد من قصائده، وتؤكد المؤلفة أن أدونيس برع في نسج شبكة من العلاقات المرتبطة به، إذ منح منذ البداية تلك الجنة كل ما تحتاج اليه، كي يبيّن عن قدرته العظيمة التي يمتلكها، وفي ذلك إشارة دلالية واضحة الى تميّزه. من جهته محمود درويش يختلف في استحضاره رمز الجنية عن غيره من الشعراء، إذ لم يكثر من استدعائه له.

ألف ليلة وليلة

ادونيس
ادونيس

صار التراث الأدبي في الشعر من المصادر، التي يستقي منها الشاعر الكثير من الأحداث والوقائع والشخصيات والمدن، التي أصبحت تشكل جزءاً من الإرث التاريخي، حيث عاد شعراؤنا اليها من جديد، واستقوا من هذه الروافد التراثية رموزهم الخصبة، معبّرين عن رؤاهم الجديدة، موظفين تلك الروافد في صياغات جديدة رفعت شعرهم عن المباشرة والسطحية وعمّقت دلالاتهم الشعرية.

alf

تقول المؤلفة: ان شخصية السندباد وشخصيتي شهرزاد وشهريار في حكايات ألف ليلة وليلة، هي من الشخصيات التراثية التي لاقت صدى واسعا عند الشعراء، ولا سيما شعراء بحثنا، اذ شغلت حيزا في شعرهم، وان اختلفوا في ما بينهم في الشخصيات المستحضرة، اما استدعاء واما تلميحا، واما في كثرة استخدام شخصية بعينها عند شاعر اكثر من آخر، وذلك لما تحمله من غنى في ابعادها الفكرية والانسانية، اذ تملك قدرة على تجسيد مضمون الصورة الفنية الذي يريده الشاعر او الرؤيا المعبر عنها، او ربما أراد التفرد في استحضار شخصية لم يلجأ اليها الآخرون.

sin

خليل حاوي وجد في السندباد نموذجا يعبر به عن مغامرته الفكرية والوجودية، واتخذه قناعا في العديد من قصائده، وقد اتكأ على هذه الشخصية كرمز بارز فحملها اعباء قلبه وفكره في قصيدتين مهمتين وبارزتين في عالم الشعر العربي، وهما: السندباد في رحلته الثامنة ووجوه السندباد، اللتان نالتا حضورا قويا في ديوان الشعر العربي، اذ تناولهما النقاد بالتحليل واحتفوا بهما كثيرا، يقول حاوي في هذه الشخصية: كان في نيته الا ينزعج عن مجلسه في بغداد بعد رحلته السابعة، غير انه سمع ذات يوم عن بحارة غامروا في دنيا لم يعرفها من قبل، فكان ان عصف به الحنين الى الابحار مرة ثامنة.

وتقول المؤلفة: تُعد قصيدة خليل حاوي وجوه السندباد المؤلفة من تسعة مقاطع، قصيدة تقوم على الرمز الكلي في بنية فنية واسعة المعاني والدلالات، وهذه البنية قائمة بذاتها لكنها تبيّن حالة الشاعر النفسية الخاصة.

اما السياب فقد لجأ الى رمز السندباد بدلالاته المعنوية العميقة في نتاجه الشعري مستغلا اياه في العديد من قصائده التي بينت الموقف النفسي، الذاتي الخاص به، وعلى هذا فان الموقف الذي يتخذه الشاعر من الحياة ليس الا نتيجة لمعاناته الخاصة ومعرفته التحصيلية. وحين يعبر الشاعر عن هذا الموقف فانه يكشف خلال التعبير عن كل ما حصل من خبرات، وهو يضع هذه الخبرات بين ايدي الآخرين. فاذا العمل الشعري القيّم هو ذلك الذي يتم عن خبرة حميمة لصاحبه بالحياة. والذي ينقل هذه الخبرات اليها.

لكن بدر شاكر السياب في سندباده حسب رأي المؤلفة، يبدو يائسا، محبطا، لا أمل له بالعودة. ففي قصيدته أفياء جيكور بدا السندباد فيها لن يعود من غيبته، فقد رحل الى جزر منسية بعيدة بعد ان ألقته الرياح فيها.

ويشكل أدونيس رؤياه الخاصة في قصائده كلها مستحضرا الرموز المعبّرة عن افكاره المعاصرة، في البحث عن العالم الجديد، لذا تقول المؤلفة: لجأ الى شخصيات عديدة في قصيدة الصقر فهو عبد الرحمن الداخل، صقر قريش رمز الخروج من عالم لا يريده الى عالم آخر يبنيه لذاته، ولأمته، فكان ادونيس هو الصقر الذي يذهب الى الاعالي، وهو الذات المتحوّلة والمتجددة من أجل عالم أفضل، وهو السندباد المرتحل من مكان الى آخر.

واذا كان أدونيس يرغب في التفلت من الهزيمة التي ألمت بقومه، فقد حقق ذلك من خلال انتصاره على هزيمته الذاتية، وبناء حضارته الاندلسية الخاصة. وهنا تتساءل المؤلفة هل أدونيس في عودته هذه، يعود الى حضارة الاندلس ذاتها التي بناها عبد الرحمن الداخل أم المقصود هنا حضارة أدونيس الخاصة، وتجاربه الشعرية بعد ان استدعى من الشعر العربي القديم ما يناسب هذه الرؤيا؟ وهل تمكن أدونيس في تلك التجربة من الوصول الى ما اراده، وهل تحققت رؤاه أم هناك مواقع حالت بينه وبين ذلك؟

يبدو ان أدونيس استحضر رمز صقر قريش ودعمه برمز السندباد، لكنه اختلف عن شعراء هذا البحث بأنه لم يتخذه قناعا خاصة في قصيدته، فكان من منظور المؤلفة، مجرد رمز مستحضر لتبيان الوضع الراهن المؤلم، اذ كل شيء في الحياة راحل، حتى السندياد انطفأ وحل، ولم يعد.

محمود درويش
محمود درويش

ولقد توافرت الشخصيات التاريخية في نتاج الشعراء الحداثويين ولا سيما الفلسطينيين، الذين عادوا الى التراث الشعبي، فحملوه بعدهم الوطني – السياسي، بسبب جذورهم، وشعورهم بأن هذا التراث هو تراثهم، ومن هؤلاء محمود درويش الذي عاد الى التراث الشعبي، واستحضره في شعره، كرمز يعبّر عن موقفه من الواقع، وكمعادل موضوعي لما يشعر به. وقد وظف درويش رمز السندباد للدلالة على الانسان الفلسطيني المنفي، الذي يتنقل من مكان الى آخر، ومن بلد الى آخر، والذي يعيش هاجس العودة دائما الى فلسطين.

رمز شهرزاد وشهريار

دخلت الشخصيات الحكائية العالمية الى شعر محمود درويش، واستدعى من حكايات الف ليلة وليلة احدى شخصياتها الرئيسة وهي شهرزاد ليعبّر عن قلقه، وغربته، وعن ازمة ذاتية يعانيها. وتشير المؤلفة، الى ان درويش اراد من شهرزاد ان تكون قمرا وشجرا وخنجرا حتى تصبح كظله الذي لا يفارقه، ليتمكن من خلالها من تحقيق الانتصار على العدو لان وجودها يعكس الانتصار المنشود عند درويش.

ولقد تفاعلت شخصية شهرزاد التاريخية مع خليل حاوي، فنراه يستدعيها في قصيدته عودة الى سدوم، وان كان استحضارها اتى مختلفا عن درويش، فهو لم يخاطبها خطابا مباشرا، لم يطلب ان تكون ظله، بل ان حاوي تحدث عن خاتم شهرزاد فقط، هذا الخاتم الذي يبيّن عن آفة اخرى، من آفات الانسان التي اراد التخلص منها.

imgid148787

وتختلف شخصية شهرزاد، فهي في التاريخ احتالت امام شهريار لتنقذ ذاتها، لكنها عند حاوي مختلفة لن تحتال عليه لان خاتمها يلقي في نهر الرماد، وقد اراد الشاعر ذاته ذلك حتى يتم التخلص من تلك الشوائب التي لن تزول الا بمواجهة الظلم، والتغلب عليه بعد إحالة كل شيء الى رماد.

اما أدونيس فيريد عودة شهرزاد لانه ليل الخلاص من الظلم والاستبداد، فهو بعدما سمع وجع الجميع من بغايا وصراخ القبور والمعاد، صار لزاما عليه الاستنجاد برمز الانتصار والتغلب على القهر، فجاء استدعاؤه لشخصية شهرزاد استدعاء موفقا في تجسيد الحالة الحضارية في محاولة لتغييرها الى الافضل والوصول الى المنشود. كما ان أدونيس لجأ الى حكايات الف ليلة وليلة مستمدا منها شخصية شهريار التاريخية في قصيدة تحولات العاشق مغنيا قصيدته بدلالات تاريخية حملها رؤى

جديدة.

وتقول المؤلفة ان أدونيس يجسد شهريار في وضع سالم، فهو في سريره، وفي غرفته المطيعة لشهرزاد، ما زال تابعا لا يبدل حالته، ولكنه يسهر ليحرس الفجيعة، فجيعة الحضارة المنهارة، والامة المتخاذلة… واذا كان شهريار التاريخ قد تميز بتصرفه الجيد، والمسالم مع شهرزاد التي تمكنت من تغيير فكره، ورد انسانيته، الا ان شهريار – ادونيس قد سهر على فجيعته، يراقب عبر مرآة النهار ذلك، من دون اي تصرف يذكر.

عاد أدونيس: اذن الى رمز شهريار ليحرس فجيعته، فجيعة الامة من دون اي قدرة على التغيير، بينما شهريار السيّاب فيرتبط برحيل المرأة من حياته من دون عودة، مغيرا الدلالة المتعارف بها في الحكاية بوجود شهرزاد الدائم مع شهريار، وتلك المتغيرات التي ألمّت بالحكاية التاريخية تعود الى توظيف مختلف للحكاية بوجه آخر يناسب واقع كل شاعر.

ويتضح للمؤلفة ان شعراءنا قد لجأوا الى الموروث العربي القديم، واستلهموا منه شخصياته البارزة كالسندباد وشهريار وشهرزاد وغيرها، وهذا يدل على مدى ثراء التراث العربي، وعلى قدرة شعرائنا على استلهام رموزه بما يخدم رؤاهم الخاصة، اذ نقلوا تلك الشخصيات من واقعها القديم، واحيوها وفق دفقاتهم الشعورية ورؤاهم الفنية لواقعهم المرير، فنجحوا في خلق حالة شعرية فريدة في نوعها، عبّروامن خلالها عن تجربة ذاتية وواقع حي.

الرموز الاسطورية

إن عالم الاسطورة، لا يأتي منفصلا عن الذات، اما الشعراء الذين لم تظهر قدراتهم الابداعية، لانهم لم يدخلوا الى عالم الاسطورة دخولهم يمنحهم القدرة على مزجها بالذات، واكساب التجربة عندهم بعدا فنيا جديدا، بل استندوا اليها لمجرد اعجابهم بها، فكان الشاعر العربي حين يعجب بها يترجمها الى اللغة العربرية بشيء من التصرف المعترف به سلفا، مؤكدا على قصتها من دون الاهتمام بأصلها الميثولوجي، ومن دون اكساب التجربة بعدا فنيا جديدا، ورربما كان الشاعر ذاته لا يعرف عن اصل تلك القصة شيئا انما فكرة القصيدة ومضمونها هو المعول عليه بالاعجاب.

تقول المؤلفة: عاد الشعراء الى اسطورة بعل لان لغتهم الشعرية عجزت عن تجسيد ما يعانونه، لذا فتشوا عن تقنية مختلفة وقد وجدوها عبر الرموز الاسطورية. ويلجأ الشعر الحديث الى الرمز الاسطوري حين تستعصي التجربة الشعرية على اللغة الشعرية العادية، فلا يستطيع سوى الرمز او الاسطورة التعبير عن الحالة المكثفة التي بلغت حد الاشتعال. وقد عاد معظمهم الى اسطورة تموز متجاوزين العالم المنطقي، مستعملين رموزها، التي اكسبت قصيدتهم نوعا من التميّز، إذ ابتعد الشاعر من النص الأصلي للأسطورة.

لا شك أن خليل حاوي، أفاد من الرمز الأسطوري الذي غزى قصيدته بفكرة الخصب والحياة، وقد أسعفته ملكته على ربط رمزين مهمين في أساطير الخلق والبحاث وهما: تموز وبعل. إذ كان الشاعر قد ركز على تموز فإننا نجد أن رموزه تتداخل وتتكامل في وحدة الموقف فيتّحد الديني مع الأسطوري، الإلهي مع الإنساني، بعل مع الفصح، ليدفع بكل رموز الانبعاث لتخلّص البشرية من أزمتها.

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

أما بدر شاكر السياب، تقول المؤلفة: فقد وجد أبواب الحضارات القديمة امامه مفتوحة، كي يختار منها الأساطير المتنوعة، ويستلهمها في تجاربه الفردية والجماعية على السواء. كما اتخذ من الغصن الذهبي جسرا كي يعبر صوب التوظيف الرمزي للأسطورة مستحضرا منها ما يناسبه مغيرا فيها.

ولم يستعمل شاعر عربي الأسطورة والرمز كما استعملها السياب. ولقد أكثر منهما حتى أصبح من النادر أن تخلو قصيدة من قصائده من رمز او أسطورة، وكانت الأسطورة أحيانا تصبح جزءاً من القصيدة كما حدث في قصيدة مدينة بلا مطر.

يقول السياب في سبب استخدامه للأسطورة: هناك مظهر مهم من مظاهر الشعر الحديث، هو اللجوء الى الخرافة والأسطورة، الى الرموز، ولم تكن الحاجة الى الرمز، الى الأسطورة امس مما هو اليوم. وهذا ما يشير الى تنويع السياب في استدعائه للاساطير ومن بينها عودته الى اسطورة تموز.

وكان على السياب ان يحوّل الوضع التاريخي شعرا، وكانت الأسطورة في تجاربه الشعرية سبيله الى ذلك، واذا كانت الاسطورة في الشعر طقسا وحلما، فان الشاعر يحقق هذا التحوّل بالبناء والرمز.

من جهته محمود درويش عمد من خلال قصائده الى التعبير بسياقات متغايرة عن قضيته الوطنية، من دون التعبير المباشر عن القضية، اذ وظّف تقول المؤلفة: الرمز الأسطورة ليبيّن وضع الانسان الباحث عن انسانيته في ظل وضع صعب ، يعيش منه الفلسطيني، وكان لا بد في هذه الحالة من استلهام الرموز المناسبة للتعبير عن رؤياه الشعرية، فكان ان لجأ الى رمز تموز.

أما أدونيس فقد لجأ ايضا الى الأساطير مبتدعا لغة شعرية جديدة، خرجت عن اطار المألوف والتقليد، ومنحت قصائده القدرة على التعبير عن مشاكل العصر المعقدة. وقد حملت رموزه الأسطورية دلالات عميقة، وتميز أدونيس عن بقية الشعراء في القدرة على خلق لغة شعرية خاصة به، محمّلا الرموز المستحضرة غزارة دلالية. فرموزه متقدمة وحيوية استطاعت ان تمثل المعنى العام والخاص على السواء. لان الرمز المتقدم هو الرمز الذي يمتلك حيوية مركزة في نقله للمعنى والتمثيل الاكبر عن الذات، والرمز يخلق الوهم بل يخلق الحياة بالكامل ويجسّد حدود المطلق الحسي داخل محسوسه. وهذا ما آثره أدونيس عن غيره من القدرة على نقل المعنى الحسي بطريقة مبدعة، خالقا رمزا يمثل الواقع ويعكسه.

وأخيرا، تستنتج المؤلفة، ان تجربة حاوي من أعمق التجارب وأهمها، لأنه أعاد تموز الى الحياة ليجسد الموت الحضاري محاولا تحقيق الانبعاث من خلاله، والوصول الى الحياة الجديدة، منطلقا من الذاتية الفردية الى الشمولية الكونية، وقد نجح في ذلك للدلالة على امكانية حدوث لمعجزات بنهضة عربية جديدة. اما السياب فقد اكثر من التفاعل مع رمز تموز وملامح أسطورته ليعبر عن الجفاف والموت والجرب ايمانا منه بالبعث المنشود. وقد جعل ذاته تموز، مواجها الموت معه، كي يحقق رؤياه الخاصة. بينما تجاوز أدونيس حدود الأنا وخرج عن دائرة الفرد الى العالم، متخذا من تموز منبعا للخلاص الجماعي. وقد عبر درويش عن قضية فلسطين في سياقات عديدة، متخذا من الرموز التموزية طريقا الى التعبير عن فكرة معينة وهي: أن لا حياة من دون موت كما في الأسطورة.

noura merhi

———————–

*تنوّع الدلالات الرمزية في الشعر العربي الحديث، تأليف الدكتورة نورا مرعي، منشورات دار الفارابي – بيروت – ٢٠١٦.

Advertisements

One thought on “تنوّع الدلالات الرمزية في الشعر العربي الحديث”

  1. موضوع يستحق الوقوف عنده. الشكر للأستاذ وفيق غريزي على هذه الإضاءة، وتمنياتنا بالتوفيق للدكتورة نورا مرعي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s