من جمعة الى جمعة

دمعة العاهل البلجيكي الملك فيليب
دمعة العاهل البلجيكي الملك فيليب

«داعش» يخوض معركة دفاعية في أوروبا

Brussels-attacks-030

حسان الخوري

brussels

الأسئلة التي تطرحها وستطرحها الهجومات على مطار ومترو بروكسل عديدة، وأبرزها:

– لماذا تم إستهداف بلجيكا بالذات؟

– هل كانت الهجومات ردة فعل إنتقامية على إعتقال مشتبهين من داعش قبل بضعة أيام أم مخططًا لها سابقًا؟

– هل  كان هناك قصور من قبل أجهزة الأمن البلجيكية؟

-هل أن بلجيكا، أو دولا أوروبية وغير أوروبية معّرضة للمزيد من الهجومات الإرهابية؟

People observe a minute of silence at a street memorial to victims of Tuesdays's bombings in Brussels, Belgium, March 24, 2016. REUTERS/Christian Hartmann

لا بد في محاولة رسم إجابة أولية سريعة من الإشارة إلى  «الخصوصية البلجيكية»  التي تتمثل بأن عدد المقاتلين الأجانب الذين إنضموا إلى  التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق منذ العام 2012 بلغ حسب تقديرات  بعض أجهزة المخابرات الغربية أكثر من  38 الفًا بينهم على الاقل 5 آلاف من أوروبا  توزعوا على الصورة التالية: 1700 من فرنسا 769  من بريطانيا 760 من المانيا 470 من بلجيكا وإذا قورنت الأعداد بسكان كل دولة إحتلت بلجيكا المرتبة الأولى بين الدول الآنفة الذكر.

photo

هذه النقطة بحاجة إلى مزيد من التفصيل، فقبل فترة بثت البي بي سي تقريرًا أعدّه غي فون فوردن من محرري صحيفة “هت لاستت نيوز” التي تعتبر الصحيفة الأوسع إنتشارًا في بلجيكا، وقدّر فيه  أنه إستنادًا إلى أبحاث قام بها بالتعاون مع المؤرخ والمستشرق البلجيكي المختص بالشؤون الجهادية بيتر فون أوستاين هناك  قرابة 450 بلجيكيًا ذهبوا للقتال إلى جانب الإسلاميين في سوريا أو في العراق، لافتًا إلى أن هذا الرقم  يشمل الذين تم توقيفهم فلم يتمكنوا من الذهاب، والذين قتلوا، والذين ما زالوا أحياًء يواصلون القتال. ويعتبر مرتفع جدا بالمقارنة مع الدول الأوروبية الأخرى، لإنه يمثل 30 شخصًا لكل مليون من عدد السكان، وأن السويد (300 مقاتل) هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي تتقدم بهذا المعيار على بلجيكا بفارق بسيط جدًا هو 31 لكل مليون شخص، فيما أن النسبة مثلًا  في فرنسا (1100 مقاتل) هي 16 لكل مليون شخص.

على ضؤ هذه المعطيات يمكن إبداء أربع ملاحظات أساسية هي:

الملاحظة الأولى

Brussels attacks

الملاحظة الأولى هي أن هؤلاء الجهاديين نتاج أوروبي وأبناء بيئتهم  بالدرجة الأولى وإن تأثروا بعوامل خارجية. ففي بلجيكا  تحديدًا تحوّل حي مولمبيك الذي تقطنه أغلبية عربية من أصل مغربي في الناحية الجنوبية الغربية من بروكسل إلى ملاذ آمن للجهاديين،  وأصبح أكثر خطورة عليها من الجهاديين في الرقة أو الموصل أو ليبيا، فمنه يتحدر معظم الذين قاموا بهجومات باريس، وإليه إلتجأ المتهم الرئيسي بالتخطيط لهذه الهجومات  صلاح عبد السلام، وفيه تم إلقاء القبض عليه بعدما تمكن من الإختباء فيه بضعة شهور.

قد يكون من أسباب إرتفاع عدد المجاهدين البلجيكيين النسبي وجود منظمة ناشطة تهتم بالتطويع هي «الشريعة لبلجيكا»، لكن تبين مثلًا أن الذين قاموا بالهجومات  على مجلة شارلي ايبدو ومتجر بيع لحم الكوشر والشرطة في فرنسا لم تكن لهم أية صلة بهذه المنظمة. ويبدو أن نشاطها ينحصر  بدرجة رئيسية في المناطق الشمالية من بلجيكا الناطقة بالإلمانية  وفي بروكسل وليس في منطقة الوالون حيث يتحدثون الفرنسية.

بصورة عامة يمكن توصيف الجهاديين في بلجيكا بأنهم من الشبان الذين ولدوا في بلجيكا من أصل مغربي. خلفياتهم الإجتماعية والإقتصادية متنوعة، ولم يعتنقوا التطرف بالضرورة بسبب الحرمان  أو لإنهم يعانون من صعوبات في حياتهم أو  لماضيهم الإجرامي. اللافت أيضًا أن العديد  منهم ترعرع في أسر من أب وأم من إتنيات مختلفة أو جرى تبنيهم.

الملاحظة الثانية

Brussels attacks-2

الملاحظة الثانية هي أن قدرة داعش على شن هجومات  في بلجيكا وقبلها في باريس فشل أميركي أكثر مما هو فشل أوروبي.  فواشنطن هي التي أسست وتزعمت التحالف الدولي في أيلول 2014  بهدف «إذلال داعش والقضاء عليها»، كما أعلن عنه في حينه، إلا أن هذا التوجه باء بالفشل، وزاد الأمر سوءا المواقف الملتبسة للرئيس أوباما والتي غلب عليها مع بداية العد العكسي لإنتهاء ولايته التردد والحذر الشديد.

لقد أصيب داعش بعدد من النكسات الميدانية مؤخرًا وتقلصت رقعة المناطق التي يسيطر عليها في كل من سوريا والعراق، وهذا ما دفعه للتحول إلى العمليات الخارجية. الولايات المتحدة لم تكن هدفًا سهلًا، إذ غدت أكثر تحصنًا وأقل عرضًة بعد عملية 9/11، فدفعت حليفتها أوروبا، بإعتبارها الحلقة الأضعف الثمن. في هذا الإطار يجب النظر إلى خلفيات هجمات بروكسل، فهي ليست دليلًا على تنامي قوة داعش كما ذهب بعض المحللين إلى القول، بل هي عكس ذلك تمامًا دليل على تراجع هذه القوة في ميادين القتال حيث فقدت على التوالي 40% و 20% من الأراضي التي كانت تسيطر عليها في كل من العراق وسوريا.

وفي أفضل الحالات هي حروب دفاعية لا حرب هجومية، أفليس أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم؟

وإستطرادًا يدفع هذا التطور الجذري إلى التساؤل من جانب آخر: هل كان إعلان الخلافة الإسلامية سابقًا لإوانه؟ وقرارًا غير ناضج وخاطئًا؟ علمًا أن القاعدة رفضت هذا التوجه، وكان من الأسباب الرئيسة.

لا خلاف أن الهزائم التي لحقت بداعش قد أفقدته الكثير من شعبيته وشرعيته اللتين إكتسبهما من جراء قيام «الدولة الإسلامية»  ما سيضعف قدرته على جذب المتطوعين إلى صفوفه. بتعبير أخر أكثر وضوحًا كان التنظيم بحاجة إلى عمل ما لإستعادة صورته وموقعه.

أما لماذا بلجيكا بالذات، فليس لوجود ثغرات في أجهزتها وتجهيزاتها الأمنية كما أشار بعض المراقبين خطًأ، بل لأنها كانت – إذا جاز التعبير- «جنة» الإرهابيين في أوروبا، فمنها إنطلق قتلة الزعيم الأفغاني أحمد شاه مسعود المعادي لطالبان، ولعبت المجموعة الإسلامية المغربية المقاتلة، ومقرها في بروكسل، دورا حيويًا في تفجيرات مدريد، ومن بلجيكا كانت أول  إنتحارية غربية إعتنقت الإسلام هي مورييل دوغوغ التي فجّرت نفسها في العراق.

ومن هنا يحمّل المعلق الأميركي من أصل عربي ديفيد إغناطيوس أوروبا المسؤولية  بقوله: لو كانت أوروبا سهمًا لقام المستثمر البراغماتي ببيعه رغم كلفة التخلي عنه و التعلق العاطفي به، فأوروبا بلا إعادة هيكلية  مؤسسة سائرة نحو الفشل.

الملاحظة الثالثة

Brussels attacks-3

الملاحظة الثالثة هي غياب التنسيق المتكامل بين الأجهزة الأميركية والأوروبية المعنية بمكافحة الإرهاب. من الامثلة على ذلك أن منفذي هجومات باريس قد تمكنوا من التنقل بسهولة متناهية بين بلجيكا وفرنسا، وفي بعض الحالات بين الشرق الأوسط وأوروبا، مع أن  ثلاثة منهم كانوا مطلوبين بموجب مذكرات دولية، ويرد بعض المراقبين غياب التنسيق إلى إعتبارات قانونية وعملية وإقليمية، إلا أن رئيس الإستخبارات الفرنسية السابق آلين شووي كشف مؤخرًا أن التنسيق كان مفقودًا حتى على صعيد الترجمة، خصوصا من اللغتين العربية والسيريلية، بحيث إذا جاء مشبوه إلى أوروبا عبر أستونيا أو الدنمارك  مثلًا لما أمكن التعرف إليه في إسبانيا وفرنسا نظرًا للإختلاف  في تهجئة  إسمه.

الوضع يبدو مشابهًا لما كان عليه الوضع  بين الحلفاء في بداية الحرب العالمية الثانية قبل بيرل هاربر. إثر الهجوم  إجتمع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الحكومة البريطانية ونستون تشرشل في ما عرف بمؤتمر أركاديا الذي تقرر فيه توحيد القيادة ووضع الحساسيات بين الأجهزة جانبًا ما جعل النصر أمرًا لا مفر منه كما  قال تشرشل آنذاك.

الملاحظة الرابعة

Brussels attacks-4

الملاحظة الرابعة رمزية الهدف. من المعروف أن داعش  كان يختار أهدافه من المؤسسات والمقرات الأمنية أو لرمزيتها  كعلاقتها مع إسرائيل  والمصالح اليهودية، لكن يبدو أنه قد جرى في الأونة الاخيرة تحول في إستهدافاتها، ففي مقابلة مع  مجلة  على الإنترنت دعا بو بكر الحكيم الذي يعتبر الآب الروحي للجهاديين في فرنسا أتباعه إلى التخلي عن الرموزية، وخاطبهم بقوله: نصيحتي لكم أن تتوقفوا عن التطلع إلى أهداف محددة، إضربوا الجميع و كل شيء.

Brussels attacks-5

مع ذلك تبقى لبروكسل رمزيتها، فهي ليست عاصمة أوروبية وحسب، بل مقر الإتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي والعديد من المنظمات والوكالات الدولية. في الواقع أحد الإنتحاريين فجّر نفسه في محطة المترو قرب مبنى مقر الإتحاد.

البعض وصف هجومات بروكسل بأنها  أسوأ يوم في تاريخ بلجيكا منذ الحرب العالمية الثانية، لكن ربما كان علينا توقع الأسوأ إذا تذكرنا نظرية جبل الجليد التي تقول أن وراء كل مهاجم مهاجمين عديدين آخرين، وما نراه عادة هو قمة الجبل  فقط لا الجبل بكامله.

main

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s