قصة قصيرة

عيد ميلادي

Amal

أمل الراغب

ترى سيتذكر عيد ميلادي أم انه كعادته سينسى أو يتناسى كما في السنين الطويلة التي مضت؟ كنت أتساءل وأعرف الجواب بيني وبين نفسي، لطالما انتظرتْ كلمة جميلة في هذه المناسبة أو وردة حمراء تفوح بعطر الحب أو ربما قصيدة مرهفة، لكنه لا يحب الشعر بل يمقته وخصوصا نزار الذي أفضله، ربما يمقته بعض الرجال كونه كان شاعر المرأة.. لكن هذه المرة مختلفة فالفيسبوك، ذاك الذكي الذي لا ينسى مناسبة، سيذكره بهذا اليوم كما يفعل مع باقي أصدقائي الذين لا تربطني بهم سوى صفحة افتراضية، ولم التقِ اغلبهم، ولكنهم ينهالون عليَّ بالتهاني. أما هو فلم يكن بينهم مسبقا لعدم حبه لهذه المواقع، والآن وقد صارت لديه صفحته الخاصة هذه السنة، من المؤكد أن إشْعَارا ما سيقوم بالمهمة.

لا بأس قررت أن أنتظر قدومه وأنا اتصفح كتابي الذي بدأته منذ الأمس ولم أفلح بقراءة أكثر من عشر صفحات منه مع أنه يبدو مشوقا. جلست على مقعدي الخشبي في حديقتي الهادئة التي تخلو حتى من زقزقة العصافير، فنجان قهوتي بقربي والكتاب في يدي وغصت فيه كبحّار يريد أن يهرب من البر ويبقى في أعماق البحر ليجمع ياقوته ومرجانه.

وأنا في صلب اندماجي بتلك الكلمات الساحرة، يد حنونة رست على ميناء كتفي، وصوت عذب داعب سمعي وهو يقول: “حبيبتي، نحن مدعوان الى حفل زفاف صديقي، ونسيت أن أخبرك، فلا تستائي أرجوكِ، علينا الذهاب بعد ساعتين، فتحضري لذلك، أعلم انك لن تخذليني”!

نظرتُ إليه والغضب يتملكني. أكاد أنفجر في وجهه، فهو غالبا ما يقوم بتلك المواقف المحرجة، ولم يحاول أن يتغيّر أبدا، لأنه يدرك في نفسه أنني لا أخيب ظنه أبدا. لكن وقت التغيير قد حان، وأنا لم اعد تلك الطفلة التي تتقبل حماقاته، لذلك سأعتذر عن الموضوع، وليذهب بمفرده. حتى أنه لم يتذكر عيد ميلادي! هممت بالوقوف والتفت إليه لألمح تلك الابتسامة البريئة التي تسلبني في كل مرة قراري، فقلت له حاضر سأكون جاهزة في الموعد.

مرت الساعتان كأنهما دقائق، وها أنذا جاهزة بفستاني الأسود الطويل وتصفيفة شعر بسيطة مع قليل من التبرج الذي لا أحبذه كثيرا، وهو ببذته الرمادية التي تعكس على عينيه لونا ساحرا فيبدو كنجوم هوليوود باناقته المعهودة.

استقلينا السيارة واتجهنا إلى منتجع سياحي على البحر، ركن السيارة ودعاني إلى النزول، كما لم يفعل يوما، وهو يفتح لي الباب. توجهنا إلى الشاطئ، حيث كنت أعاني مع كعبي العالي وهو يغرق بسهولة بين الرمال وأعود لاخرجه كي اتابع المسير، ولكن المكان كان يبدو هادئا تماما، ولم تكن هناك أية مظاهر للزفاف، فخفت أن يكون قد أخطأ المكان أو الزمان… وقبل أن أتفوه بكلمة سبقني إلى التفسير أنه عليّ الانتظار هنا قليلا ليسأل عن المكان ويعود ليأخذني، فتقدمت قليلا حيث يوجد كرسي على طرف الشاطئ وجلست هناك.

دقائق قليلة وبدأت أنوار خافتة تظهر من خلفي لم تكن موجودة عند قدومنا، عاد وهو يحمل في يده باقة ورد أحمر، أمسك بيدي وطبع قبلة على ثغري، وهو يردد “كل عام وانت حبيبتي”. للوهلة الاولى ظننت أنني أحلم وهو يسحبني من يدي ليأخذني الى تلك الطاولة التي زينت بالورود والشموع وكذلك الدرج المؤدي اليها.

طبقان، كأسان، وكرسيان كسيا بغطاء ابيض مطرز، وعلقت على ظهر كل منهما وردة حمراء، ولا يبدو أن هناك وجودا لغيرنا أبدا. موسيقى هادئة بصوت خافت نسبيا، ونسائم الهواء اللطيف تحمل رائحة البحر الذي يعكس ضوء القمر عليه ويتلألأ على موجاته كلما دنت من الشاطئ.

– حبيبتي أترغبين بمراقصتي؟

قالها وهو يضع يدي على كتفه وأنا مذهولة مما يحدث ولا أنبس بحرف من  المفاجأة، وبدأ بمراقصتي على تلك الأنغام الرومانسية، نظر في عينيّ واصابعه تتغلغل بين خصيلات شعري وهو يردد أحبك.. حتى شعرت برذاذ ماء البحر يلفح وجهي، وكأني أسمع أيضا صوت قطة بقربي، مسحت الماء عن عينيّ وعدت لامسحهما مرة أخرى، فقد كانت قطتي تموء بالقرب مني، وإذ بكتابي بين يديّ قد بلله المطر، دخلت ووضعته جانبا، وسحبت من المكتبة كتاب آخر بعنوان “كيف تتخلص من أحلام اليقظة”…

Advertisements

One thought on “قصة قصيرة”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s