رشيد الضعيف-1

الخيبة في ألواح (المونولوغ الداخلي) :

 من جلجميش إلى كازو إيشيجورو

الخيبة في ألواح (المونولوغ الداخلي) :  من غلغامش إلى كازو إيشيجورو يارا سلوم جاء في ملحمة غلغامش: "وعلى ألواحٍ من حجر دوّن ما فعله وما رآه". من المعروف، أنّ غلغامش صنيعُ الآلهة وسليلها، خاض رحلة البحث عن نبتة الخلود، وفي أثناء نزوله إلى البحيرة أتت الحيّةوأكلت النبتة. فصار الموت محتّمًا على الإنسان. لهذا، البحثُ عن إكسير الوجود لا يَكمنُ إلا بالترفع عن ماديات الحياة. وانطلاقاً من هنا، يَظهرُالتلاقي بين رواية ألواح(الصادرة عن دار الساقي) للروائي رشيد الضعيف،وغلغامش بطل الملحمة البابليّة المخلّدة على ألواحٍ من الآجر، حول فكرة الخيبة من البحث عن علّة الوجود وسطحسيّات الحياة وواقعها الأليموفشل علاقاتها البشريّة.  إذاً، إلامَ تفضي العلاقة بين الكتابة والخيبة؟  لقد أحاط رشيد الضعيف الكتابة بهالةٍ قدسيّةٍ في غير روايةٍ، بدءًا من "عزيزي السيد كواباتا" الهادفة إلى المصالحة مع الذات الخائبة من بطش الحرب، وصولاً إلى ألواح؛ قائلاً ":(...) قد تكون الكتابة رغبةً في الخلود". فلا بدَّ من تخليد تجاربه على ألواحه الورقيّة، مفصحًاعن الخيبة الناخرة للعلاقات البشرية، سواء أكانت عائليّةً أمعاطفيّةً، أم مجرد صداقة. أولاً، على الصعيد العائلي، يمثّل أبوه رمزًا للفشل والبساطة، إذ هو غير مجدٍ في عملٍ غير لائق به؛ فمهنة الحلاقة تتطلب نظافةً وأناقةً، وهما صفتان بعيدتان كلّ البعد من والد رشيد ":لم يكن نظيفاً نظافة حلّاق. كان يتحممُ مرةً في الشهر أو مرتين حين يشتدُّ الحرّ في الصيف". وبما أنه يكُنّ كلّ الحبّ لوالدته الهنيّة والقنوع، وعلى الرغم من براءتها المفرطة، إلا أنه لامها لومًا شديدًا بفعل ما قدّست له الحياة المملوءة ،في الواقع، بشاعةً وظلمًاوعنفًا وتسلطًا وغرائزًا :"قد ورطتني والدتي"،"فهي المؤذية ببراءتها" على حدّ قوله،فقد رسمت له الحياة ورديةً ": أنا المقتنع على الدوام أن التجارب مهما تقسو عليّ، أنا ابنها، فلن تنال مني". وبذلك، أراد القول إنّ الحياة القاسية ببشاعتها لن تصيّره إنسانًا سيئًا لأنه سيظلّ طاهراً كطهر أمه. ثانياً، بالنسبة إلى العلاقات العاطفيّة، فقد صبغت "ألواح" بالخيانة والفشل والإخفاق، إذ إنّ إنهاء علاقته ومريام، الفتاة اللبنانيّة، ناجمٌ عن سأمٍ متبادلٍ من الطرفين كليهماومعرفته بحملها، وإيجاد البديل الذي يشبع رغبته وهي الفرنسيّة ناتالي،التي لحق بها من فرنساالى نيويورك ":قطعت المحيط الأطلسي بين فرنسا ونيويورك مشياً على سطح الماء، محمولاً برغبتي فيها". وعلى الرغم من عاصفة الحب التي شدّتهما بعضهما إلى بعض ، غير أنّ العلاقة سرعان ما تصدّعت فور اكتشافه برغبته المفرطة تجاهها، المفرغة من الحب، إضافةً إلى الحرب التي قطّعت الأوصال، وأشاعت الخيبة في البلد وحالت دون تنعّم الحبيبين بطفلهما المنتظر": ناتالي ليست لي... يجب أن أحوّل علاقتي بها إلى سياحة(...)" كما ثريّا أغرمت برجلٍ تزوّج من غيرها، كذلك أراد جدّه الأرمل البحث عن امرأةٍ تدير شؤونه فحسب، تزوّج امراةً قبيحةً للغاية لدرجة عدم قدرته على حبّها. ثالثاً، على صعيد الصداقة التي جمعته وصديقه "دال" المبنيّة فقط على تهشيم المخلوقات الحيوانيّة وأذيّتها وتعذيبها. وعليه، تميّزت شخوص الرواية بفقدان الأمل، فلا فسحةَلهم، فكلّهم منهزمون؛ أخوه البكر بُترت ساقه، ورافق الحزن والدهطوال حياته، إضافة الى فقر العائلة، ورفض امرأة عمّه إعطاءهم حصّتهم في الميراث. الخيبة عند إيشيجورو  لقد ذكرنا آنفًا أنّ ثمة التقاءً حول موضوع الخيبة بينروايتي "ألواح" و"عزيزي السيد كواباتا"، إذ في الثانيةيبحث الروائي عن حقيقة الخيبة التي ألمّت بجيل الحرببوساطة الكتابة؛ فانشطرت ذاته نصفين، ورأى شبيهه يتبختر على أرصفة شارع الحمراء. من خلال الكتابة أراد إعادة خلق ذاته بانبثاقها وتشظّيها عن ذاتها الأولى، ليطهّر ذاكرته اليائسة من طعنة التاريخ. أما في"ألواح"،فيبوحبتجاربه باحثاً عن علّة الخيبة المتغلغلة في كلّيته الإنسانيّة،مخلصاً نفسهمن أدران الفشل. أسهبنا في كلّ هذالتسليطالضوء على المواضيع المشتركة ما بين رشيد الضعيف وكازو "إيشجورو" الروائي الإنكليزي-الياباني، ومن أبرزها :جعل الماضي نقطةانطلاق لشخوصه المصطبغة بخيبات الأمل المتتالية،نتيجة تباعد أفراد الأسرةوخلخلة العلاقات الإنسانيّة؛ وهذا ما يظهر جليًّا في "ألواح"إثر تفكك أواصر الرحموصلات الدمّ، والعلاقات البشريّة المبنية على أسس ماديّة زائلة. كما وأنّ من خصائص الرواية عند إيشيجورو المتطابقة مع رواية ألواح، قوقعة شخوصه الخائبة في الماضي من دون مدّ جسور للحلول المستقبليّة؛ وهنايدوّن رشيد مشكلاته ومشكلات شخوصه انطلاقًا من الماضي من دون إيجاد حلول في المستقبل القريب. وعليه، تمجيد التاريخ مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بالذاكرة الفرديّة؛ "فالذاكرة بالنسبة إلى الفرد، هي بالضبط كالتاريخ بالنسبة إلى الدولة"، تبدو "ألواح" سيرته الذاتية (autobiography) ليخلّد بعض ما واجهه في حياته وما رآه وما استخلصه منها، من خلال الكتابة التي تقوده إلى معرفة حقيقة الوجود(سنذكرها فيما بعد) وخلاصه من شِباك الخيبة. وهكذا، يتبيّن مذهب إيشيجورو، إيمانًا منه بعزاء النفس البشريّة بوساطة الكتابة والفنون.  تقنيات تيار الوعي يقول إيشيجورو ":عندما يخرج الكاتب عن التقليد، يكون لازمًا عليه أن يبتكر، وأن يخلق عالمًا جديدًا، وهنا يصبح للفوضى وللمنطق الداخلي الخاص هدف". من هنا، نلحظ أنّ إيشيجورو يطلق العنان لسبر دواخل النفس ويشرّحها، ويصبّها في قالبٍ مونولوجيٍّ. وذلك ما اعتمده رشيد الضعيف في روايته "ألواح". ثمة علاقةٌ متينةٌ بين المونولوج الداخلي ورواية تيار الوعي؛ فالأولى تقنيةٌ من تقنياته. لكنّنا، لسنا في صدد تصنيف الرواية، بل نستخرج التقنيات التي تتماهى وتيار الوعي. وقد عرّفه همفري قائلاً ":نوع من القصص يركز فيه أساسًا على ارتياد مستويات ما قبل الكلام (prespeech) بهدف الكشف عن الكيان النفسي للشخصيات". وشدد على أنه مختلفٌ كلّ الاختلاف عن الرواية السيكولوجيّة.واستعمال رشيد لماقبل الكلام ظاهرٌ في اللوح الأخير "الكتابة والعلاج"، يبوح أنّ أسباب انكبابه على الكتابة مجهولة، مزعمًا عدم تأثّره بالتأثيرات الخارجية سواء أكانت سلبيةً أم إيجابيةً، وكلّ هذا يجعله حزيناً كئيباً:" لن تغلبني طعنة في الظهر ولا جنون مفاجئ، ولا خبث مجرم(...) لن تغلبني حداثة ولاتقليد، ولن تغلبني حداثة ما بعد الحداثة، ومع ذلك فإنّ وجهي الآن مطفأ(...)".  من أبرز التقنيات (تيار الوعي): اختلاط بين صوت الراوي والشخصية     يعتمد رشيد في الرواية ضمير المتكلم؛ فيصبح هو الراوي والشخصية الرئيسية مدونًاخيباته المتتالية كلّما غاص على العلاقات الإنسانية الماديّة: "لذلك أقول دائماً ما أنا موقنٌ به، وهو أنه لن تقضي عليّ خيانةٌ، ولن تقتلني طعنةٌ في الظهر". هو الراوي العليم (omniscient) مدرك كلّ شيء، فيتقمص الروائي شخصية البطل. إضافةً إلى الأنا (solipsism)التابعة للراوي- الشخصية التي تكون هي محور الوجود، وكلّ شيءٍ يدور في فلكها: "كان العالم اثنين : أنا وما في الخارج". من هنا، يتبيّن لنا مدى ثقته بنفسه في تخطّي الخيبات النابعة من الخارج، فنفسه محصنة حاضرة للمحن جميعها. فلا خلاص إلا من الذات. وهذا ما يتجلى في لوح "أنا وهيروشيما"؛ ويدوّن فيه رشيد السبب: " أمّا الشيء الأكيد فهو أنني ولدت في هذا اليوم بالذات لغاية، وأما البرهان على ذلك فهو أن الحياة استمرت في الكون ولم تتوقف(...) وإن كل من يبحث عن سبب لاستمرار الحياة واستمرار الكون سيجده". فنلحظ إيمانه في نفسهلخلاص العالم وتخطي كل فشلٍ ويأسٍ وخيبةٍ. خلو الرواية من الحبكة الكلاسيكية لا حبكةَ كلاسيكيّةً بنظر شتيرنبرج في رواية المونولوج الداخلي، فتحلّ الافتتاحية التي تشكل البؤرة الأساسية للرواية أو عمودها الفقري محلَّها، ويتطاير منها رذاذ المبنى الروائيّ. لقد شكّل الفصلان الأولان أي "حقيقتي" و"الكي" عصب الرواية. يقول رشيد في اللوح الأول ما يلي ": لا أحد يعرفني على حقيقيتي، ولا أنا نفسي أعرف نفسي على حقيقيتها".وذلك يشير إلى إطلاق العنان للبحث عن الحقيقة ومعنى الوجود، كنظيره غلغامش. وجاء في اللوح الثاني "الكي" ": لم تعد السماء مبيتَ الألوهة(...)ولم يعد القلب(...)منبعَ العاطفة(...)ولم يعد نهرُ النيل في مصر مستودعَالأسرار(...)" وهذه عبارةٌ عن انقلاب المقاييس وخيبة الأمل من السماء والآلهة والعلاقات الإنسانيّة على أنواعها والتاريخ. وفي لوح "أنا وهيروشيما" يتّضح لنا بعد جمعالألواح، أنّ لا خلاص إلّا في الذات، فهي التي تخلّص الإنسان من ضياعه في هذا العالم ووجدها رشيد بنفسه. الزمن النفسي إتكأت رواية تيار الوعي على آراء الفلسفات الحديثة فيما يختصّ بالزمن، لا سيّما فلسفة هنري برجسون، ويُعدّ الزمن نفسيًا متفلّتًا من القيود الفيزيائية، ويتمثّل بالجريان العاطفي الفوضوي، وهذا ما يدعم قول شتيرنبرج: "تكون منشغلة بالماضي أو الحاضر أو بعلاقتها ببعضها البعض لاهية عن المستقبل". وهذا ما ذكرناه سابقًا ألّاتوقعاتٍ مستقبليّةً، فرشيد الروائي-البطل يضمّ الرواية كلحظةٍ واحدةٍ ويتقوقع فيها على ماضيه.   أخيراً، فهذا التوحّد العميق مع نفسه،يجعله قريبًا من العالم بحالةٍ توحديّةٍ،ويُنبئ بإيمانه المطلق بذاته كمخلصٍ ومعتقٍ من العالم السابح في فضاءات المادة، والرازح تحت زيف العلاقات البشرية التي تصيّر الإنسان عبداً تحت وطأة الخيبة. على مثال غلغامش خاض رحلته العرفانيّة ليثبت أن الكتابة التي خلدت هذه الأسطورة تقود إلى اكتشاف الذات الفردية والإيمان المطلق بها. لائحة المصادر والمراجع 1-	المصادر: الضعيف، رشيد : ألواح، دار الساقي، بيروت، فردان، ط١، ٢٠١٦م الحلاج: الديوان، تح. كامل مصطفى الشيبي، منشورات دار الجمل، كولونيا-بغداد، ط٣، ٢٠٠٧م 2-	المراجع العربية: فريحة، أنيس: ملاحم وأساطير من الأدب السامي، دار النهار للنشر، ط٢، لا.م، لا.ت    غنايم، محمود: تيار الوعي في الرواية الحديثة، دار الجيل، بيروت، ط٢، ١٩٩٣م    إيشيجورو، كازو: بقايا النهار، تر. طلعت الشايب، مركز القومي للترجمة، القاهرة، ط٢، ٢٠٠٩م 3-	المراجع المعربة:       همفري، روبرت: تيار الوعي في الرواية الحديثة، تر.محمود الربيعي، مكتبة الشباب، القاهرةلا.ط، ١٩٧٥م رشيد الضعيف

رشيد الضعيف

يارا سلوم

جاء في ملحمة غلغامش: “وعلى ألواحٍ من حجر دوّن ما فعله وما رآه”. من المعروف، أنّ غلغامش صنيعُ الآلهة وسليلها، خاض رحلة البحث عن نبتة الخلود، وفي أثناء نزوله إلى البحيرة أتت الحيّة وأكلت النبتة. فصار الموت محتّمًا على الإنسان. لهذا، البحثُ عن إكسير الوجود لا يَكمنُ إلا بالترفع عن ماديات الحياة. وانطلاقاً من هنا، يَظهرُالتلاقي بين رواية ألواح (الصادرة عن دار الساقي) للروائي رشيد الضعيف،وغلغامش بطل الملحمة البابليّة المخلّدة على ألواحٍ من الآجر، حول فكرة الخيبة من البحث عن علّة الوجود وسط حسيّات الحياة وواقعها الأليم وفشل علاقاتها البشريّة.

alwah-2

إذاً، إلامَ تفضي العلاقة بين الكتابة والخيبة؟

لقد أحاط رشيد الضعيف الكتابة بهالةٍ قدسيّةٍ في غير روايةٍ، بدءًا من “عزيزي السيد كواباتا” الهادفة إلى المصالحة مع الذات الخائبة من بطش الحرب، وصولاً إلى ألواح؛ قائلاً “:(…) قد تكون الكتابة رغبةً في الخلود”. فلا بدَّ من تخليد تجاربه على ألواحه الورقيّة، مفصحًاعن الخيبة الناخرة للعلاقات البشرية، سواء أكانت عائليّةً أمعاطفيّةً، أم مجرد صداقة. أولاً، على الصعيد العائلي، يمثّل أبوه رمزًا للفشل والبساطة، إذ هو غير مجدٍ في عملٍ غير لائق به؛ فمهنة الحلاقة تتطلب نظافةً وأناقةً، وهما صفتان بعيدتان كلّ البعد من والد رشيد “:لم يكن نظيفاً نظافة حلّاق. كان يتحممُ مرةً في الشهر أو مرتين حين يشتدُّ الحرّ في الصيف”. وبما أنه يكُنّ كلّ الحبّ لوالدته الهنيّة والقنوع، وعلى الرغم من براءتها المفرطة، إلا أنه لامها لومًا شديدًا بفعل ما قدّست له الحياة المملوءة ،في الواقع، بشاعةً وظلمًاوعنفًا وتسلطًا وغرائزًا :”قد ورطتني والدتي”،”فهي المؤذية ببراءتها” على حدّ قوله،فقد رسمت له الحياة ورديةً “: أنا المقتنع على الدوام أن التجارب مهما تقسو عليّ، أنا ابنها، فلن تنال مني”. وبذلك، أراد القول إنّ الحياة القاسية ببشاعتها لن تصيّره إنسانًا سيئًا لأنه سيظلّ طاهراً كطهر أمه. ثانياً، بالنسبة إلى العلاقات العاطفيّة، فقد صبغت “ألواح” بالخيانة والفشل والإخفاق، إذ إنّ إنهاء علاقته ومريام، الفتاة اللبنانيّة، ناجمٌ عن سأمٍ متبادلٍ من الطرفين كليهماومعرفته بحملها، وإيجاد البديل الذي يشبع رغبته وهي الفرنسيّة ناتالي،التي لحق بها من فرنساالى نيويورك “:قطعت المحيط الأطلسي بين فرنسا ونيويورك مشياً على سطح الماء، محمولاً برغبتي فيها”. وعلى الرغم من عاصفة الحب التي شدّتهما بعضهما إلى بعض ، غير أنّ العلاقة سرعان ما تصدّعت فور اكتشافه برغبته المفرطة تجاهها، المفرغة من الحب، إضافةً إلى الحرب التي قطّعت الأوصال، وأشاعت الخيبة في البلد وحالت دون تنعّم الحبيبين بطفلهما المنتظر”: ناتالي ليست لي… يجب أن أحوّل علاقتي بها إلى سياحة(…)” كما ثريّا أغرمت برجلٍ تزوّج من غيرها، كذلك أراد جدّه الأرمل البحث عن امرأةٍ تدير شؤونه فحسب، تزوّج امراةً قبيحةً للغاية لدرجة عدم قدرته على حبّها. ثالثاً، على صعيد الصداقة التي جمعته وصديقه “دال” المبنيّة فقط على تهشيم المخلوقات الحيوانيّة وأذيّتها وتعذيبها. وعليه، تميّزت شخوص الرواية بفقدان الأمل، فلا فسحةَلهم، فكلّهم منهزمون؛ أخوه البكر بُترت ساقه، ورافق الحزن والدهطوال حياته، إضافة الى فقر العائلة، ورفض امرأة عمّه إعطاءهم حصّتهم في الميراث.

الخيبة عند إيشيجورو

لقد ذكرنا آنفًا أنّ ثمة التقاءً حول موضوع الخيبة بينروايتي “ألواح” و”عزيزي السيد كواباتا”، إذ في الثانيةيبحث الروائي عن حقيقة الخيبة التي ألمّت بجيل الحرببوساطة الكتابة؛ فانشطرت ذاته نصفين، ورأى شبيهه يتبختر على أرصفة شارع الحمراء. من خلال الكتابة أراد إعادة خلق ذاته بانبثاقها وتشظّيها عن ذاتها الأولى، ليطهّر ذاكرته اليائسة من طعنة التاريخ. أما في”ألواح”،فيبوحبتجاربه باحثاً عن علّة الخيبة المتغلغلة في كلّيته الإنسانيّة،مخلصاً نفسهمن أدران الفشل.

أسهبنا في كلّ هذالتسليطالضوء على المواضيع المشتركة ما بين رشيد الضعيف وكازو “إيشجورو” الروائي الإنكليزي-الياباني، ومن أبرزها :جعل الماضي نقطةانطلاق لشخوصه المصطبغة بخيبات الأمل المتتالية،نتيجة تباعد أفراد الأسرةوخلخلة العلاقات الإنسانيّة؛ وهذا ما يظهر جليًّا في “ألواح”إثر تفكك أواصر الرحموصلات الدمّ، والعلاقات البشريّة المبنية على أسس ماديّة زائلة. كما وأنّ من خصائص الرواية عند إيشيجورو المتطابقة مع رواية ألواح، قوقعة شخوصه الخائبة في الماضي من دون مدّ جسور للحلول المستقبليّة؛ وهنايدوّن رشيد مشكلاته ومشكلات شخوصه انطلاقًا من الماضي من دون إيجاد حلول في المستقبل القريب. وعليه، تمجيد التاريخ مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بالذاكرة الفرديّة؛ “فالذاكرة بالنسبة إلى الفرد، هي بالضبط كالتاريخ بالنسبة إلى الدولة”، تبدو “ألواح” سيرته الذاتية (autobiography) ليخلّد بعض ما واجهه في حياته وما رآه وما استخلصه منها، من خلال الكتابة التي تقوده إلى معرفة حقيقة الوجود(سنذكرها فيما بعد) وخلاصه من شِباك الخيبة. وهكذا، يتبيّن مذهب إيشيجورو، إيمانًا منه بعزاء النفس البشريّة بوساطة الكتابة والفنون.

تقنيات تيار الوعي

يقول إيشيجورو “:عندما يخرج الكاتب عن التقليد، يكون لازمًا عليه أن يبتكر، وأن يخلق عالمًا جديدًا، وهنا يصبح للفوضى وللمنطق الداخلي الخاص هدف”. من هنا، نلحظ أنّ إيشيجورو يطلق العنان لسبر دواخل النفس ويشرّحها، ويصبّها في قالبٍ مونولوجيٍّ. وذلك ما اعتمده رشيد الضعيف في روايته “ألواح”. ثمة علاقةٌ متينةٌ بين المونولوج الداخلي ورواية تيار الوعي؛ فالأولى تقنيةٌ من تقنياته. لكنّنا، لسنا في صدد تصنيف الرواية، بل نستخرج التقنيات التي تتماهى وتيار الوعي. وقد عرّفه همفري قائلاً “:نوع من القصص يركز فيه أساسًا على ارتياد مستويات ما قبل الكلام (prespeech) بهدف الكشف عن الكيان النفسي للشخصيات”. وشدد على أنه مختلفٌ كلّ الاختلاف عن الرواية السيكولوجيّة.واستعمال رشيد لماقبل الكلام ظاهرٌ في اللوح الأخير “الكتابة والعلاج”، يبوح أنّ أسباب انكبابه على الكتابة مجهولة، مزعمًا عدم تأثّره بالتأثيرات الخارجية سواء أكانت سلبيةً أم إيجابيةً، وكلّ هذا يجعله حزيناً كئيباً:” لن تغلبني طعنة في الظهر ولا جنون مفاجئ، ولا خبث مجرم(…) لن تغلبني حداثة ولاتقليد، ولن تغلبني حداثة ما بعد الحداثة، ومع ذلك فإنّ وجهي الآن مطفأ(…)”.

من أبرز التقنيات (تيار الوعي):

اختلاط بين صوت الراوي والشخصية

يعتمد رشيد في الرواية ضمير المتكلم؛ فيصبح هو الراوي والشخصية الرئيسية مدونًا خيباته المتتالية كلّما غاص على العلاقات الإنسانية الماديّة: “لذلك أقول دائماً ما أنا موقنٌ به، وهو أنه لن تقضي عليّ خيانةٌ، ولن تقتلني طعنةٌ في الظهر”. هو الراوي العليم (omniscient) مدرك كلّ شيء، فيتقمص الروائي شخصية البطل. إضافةً إلى الأنا (solipsism)التابعة للراوي- الشخصية التي تكون هي محور الوجود، وكلّ شيءٍ يدور في فلكها: “كان العالم اثنين : أنا وما في الخارج”. من هنا، يتبيّن لنا مدى ثقته بنفسه في تخطّي الخيبات النابعة من الخارج، فنفسه محصنة حاضرة للمحن جميعها. فلا خلاص إلا من الذات. وهذا ما يتجلى في لوح “أنا وهيروشيما”؛ ويدوّن فيه رشيد السبب: ” أمّا الشيء الأكيد فهو أنني ولدت في هذا اليوم بالذات لغاية، وأما البرهان على ذلك فهو أن الحياة استمرت في الكون ولم تتوقف(…) وإن كل من يبحث عن سبب لاستمرار الحياة واستمرار الكون سيجده”. فنلحظ إيمانه في نفسهلخلاص العالم وتخطي كل فشلٍ ويأسٍ وخيبةٍ.

received_10154117034073407
يارا سلوم

خلو الرواية من الحبكة الكلاسيكية

لا حبكةَ كلاسيكيّةً بنظر شتيرنبرج في رواية المونولوج الداخلي، فتحلّ الافتتاحية التي تشكل البؤرة الأساسية للرواية أو عمودها الفقري محلَّها، ويتطاير منها رذاذ المبنى الروائيّ. لقد شكّل الفصلان الأولان أي “حقيقتي” و”الكي” عصب الرواية. يقول رشيد في اللوح الأول ما يلي “: لا أحد يعرفني على حقيقيتي، ولا أنا نفسي أعرف نفسي على حقيقيتها”.وذلك يشير إلى إطلاق العنان للبحث عن الحقيقة ومعنى الوجود، كنظيره غلغامش. وجاء في اللوح الثاني “الكي” “: لم تعد السماء مبيتَ الألوهة(…)ولم يعد القلب(…)منبعَ العاطفة(…)ولم يعد نهرُ النيل في مصر مستودعَالأسرار(…)” وهذه عبارةٌ عن انقلاب المقاييس وخيبة الأمل من السماء والآلهة والعلاقات الإنسانيّة على أنواعها والتاريخ. وفي لوح “أنا وهيروشيما” يتّضح لنا بعد جمعالألواح، أنّ لا خلاص إلّا في الذات، فهي التي تخلّص الإنسان من ضياعه في هذا العالم ووجدها رشيد بنفسه.

الزمن النفسي

إتكأت رواية تيار الوعي على آراء الفلسفات الحديثة فيما يختصّ بالزمن، لا سيّما فلسفة هنري برجسون، ويُعدّ الزمن نفسيًا متفلّتًا من القيود الفيزيائية، ويتمثّل بالجريان العاطفي الفوضوي، وهذا ما يدعم قول شتيرنبرج: “تكون منشغلة بالماضي أو الحاضر أو بعلاقتها ببعضها البعض لاهية عن المستقبل”. وهذا ما ذكرناه سابقًا ألّاتوقعاتٍ مستقبليّةً، فرشيد الروائي-البطل يضمّ الرواية كلحظةٍ واحدةٍ ويتقوقع فيها على ماضيه.

أخيراً، فهذا التوحّد العميق مع نفسه،يجعله قريبًا من العالم بحالةٍ توحديّةٍ،ويُنبئ بإيمانه المطلق بذاته كمخلصٍ ومعتقٍ من العالم السابح في فضاءات المادة، والرازح تحت زيف العلاقات البشرية التي تصيّر الإنسان عبداً تحت وطأة الخيبة. على مثال غلغامش خاض رحلته العرفانيّة ليثبت أن الكتابة التي خلدت هذه الأسطورة تقود إلى اكتشاف الذات الفردية والإيمان المطلق بها.

alwah_001

لائحة المصادر والمراجع

  • المصادر:

الضعيف، رشيد : ألواح، دار الساقي، بيروت، فردان، ط١، ٢٠١٦م

الحلاج: الديوان، تح. كامل مصطفى الشيبي، منشورات دار الجمل، كولونيا-بغداد، ط٣، ٢٠٠٧م

  • المراجع العربية:

فريحة، أنيس: ملاحم وأساطير من الأدب السامي، دار النهار للنشر، ط٢، لا.م، لا.ت

غنايم، محمود: تيار الوعي في الرواية الحديثة، دار الجيل، بيروت، ط٢، ١٩٩٣م

إيشيجورو، كازو: بقايا النهار، تر. طلعت الشايب، مركز القومي للترجمة، القاهرة، ط٢، ٢٠٠٩م

  • المراجع المعربة:

همفري، روبرت: تيار الوعي في الرواية الحديثة، تر.محمود الربيعي، مكتبة الشباب، القاهرةلا.ط، ١٩٧٥م

 

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s