رشيد الضعيف-2

اللّوحة النّفسيّة في “ألواح”

رشيد الضعيف
رشيد الضعيف

ماريا معوشي

“ألواح” رواية البوح والاعتراف بمكامن النّفس،استطاع الرّاوي فيها أن ينقلنا إلى عالمه لنعيش حالته المتقلّبة والمتحوّلة.

على حدّ قول كاترين كليمان: “توسّعت عمليّة إشاعة التّحليل النّفسي وتبسيطه في السّير الذّاتيّة ذات الطّبيعة الرّوائيّة”. وهذا ما ينسحب على رواية “ألواح ” سيرة ذاتيّة يروي صاحبها مراحل من حياته، لا تخلو من عنصر الخيال. وقد تناولنا في دراستنا النّقديّة العوامل النّفسيّة المحرّكة لشخصيّة البطل وعلاقاته بالشخصيّات الأخرى الغائبة الحاضرة في كيانه.

من هذا المنطلق، سوف نتطرّق إلى نظريّات علماء النّفس، وأهمّهم عرّاب التحليل النّفسي “سيغمند فرويد” وعقدة أوديب التي هي عصب دراستنا. وهذه الدّراسة  ليست سوى محاولة للدّخول في أعماق الشّخصية، وفي عمق دلالاتها ومراقبة تصرّفاتها ومواقفها ونظرتها للأمور، وذلك لمعرفة أسباب تكوينها وتطوّرها.

فالدّراسة النّفسيّة جذبتنا إليها وفرضت نفسها علينا، في رواية تتشعّب بأزمات نفسيّة وانفعالات ومواقف تستوقفنا وتبثّ فينا الحاجة إلى وقفة تأمّل…

فهل “لعقدة أوديب” أثر في تكوين شخصيّة “رشيد”؟

alwah-2

الطفولةوالكنف العائلي:

يقول فرويد:”من الممكن أن نكون قد شعرنا جميعنا بالنّزوة الجنسيّة الأولى حيال أمّنا،والكراهيّة الأولى حيال أبينا.”

فأوديب بطل الأسطورة الإغريقيّة لم يقتل أباه ويتزوّج أمّه إلّا بهدف تحقيق إحدى رغباته الّطّفوليّة. و”رشيد “بطل الرّواية مرّ بهذه المرحلة وطبعت شخصيّته، فهمّش والده وصوّره بسيطًا سطحيًّا،ونعته بصفات تدلّ على الكره وقلّة التّقدير والدّونية.

“قلت إنّ والدي لم يكن يعنيه دوران الأرض ولم تكن تعنيه دائريّتها”

“والدي لم يكن أنيقًا،ولا مهتمًّا بالموضى… يتحمّم مرّة في الشّهر”

هذه الحالة “الأوديبيّة” طبيعيّة في مرحلة معيّنة؛ أن يحب الصّبي الأمّ ويكره الأب،لكنّ هذه “العلاقة الذّوبانيّة” لازمت “رشيد” ولم يستطع التفلّت من قيودها؛ فمشاعر الغيرةحيال أبيه والتعلّقبأمّه وجعلها محور الكون كلّه، يبيّن لنا أنّه لم يخرج من المرحلة “الأوديبيّة” بشكل طبيعيّ وسويّ، فهل دور الأب وسلطته شبه المفقودة أسهما في عدم ردع هذه الرّغبات اللاواعية؟

“هذا العمل غير المفهوم وغير المقبولوغير المبرّر.هذا العمل المخجل .هذا العمل الشّنيع يشلّحنا والدتنا”

“كرهته تلك اللّيلة،كانت هذه أوّل مرّة أشعر فيها بالكره نحوه،كان كرهي هذا واضحًا وصرفًا”

هذه الغيرة على أمه ورغبته اللّاواعية فيها لازمته في مراحل متقدّمة:

“لم يكن في استطاعتي أن أتحمّل والدتي أرملة بحاجة إلى رجل يسهّل عليها سياسة جسمها”

لماذا يتزوّج والدي امرأة جميلة إلى هذا الحدّ وهو ليس جميلًا إلى حدّ؟”

تأتير “المرحلة الأوديبيّة” في شخصيّة “رشيد”:

1 العدوانيّة:

إنّ الرّغبة الجنسيّة المحرّمة في الأملم تمت؛ فالشحنة الجنسيّة (اللّبيدو) تحوّلت من رغبة مكبوتة إلى عدوانيّة مبطّنة تكون بمثابة غطاء يسمح بخروج النّزعات الجنسيّة من دون قلق أو خوف أو إحساس بالذّنب، والعنف في هذه الحالة يكسر حاجز الكبت الذي يحيط بالرّغبات الجنسيّة.

فيقول “رشيد” مبرّراً تصرفاته العدوانيّة التي ترجمها في تعذيب الحيوانات:

“وجدت لذّة هائلة في تعذيب الحيوانات وقتلها”

“لا أفهم حين أتذكّر الآن تلك المرحلة لماذا كنت قاسياً إلى هذا الحدّ”

“البعض يتّهمني بالساديّة والتّمتع بعذاب الآخرين(لم آذ آدميّاً يوماً)”

2 علاقات الرّاوي العاطفيّة:

لا بدّ لنا من العودة إلى الطفولة لأنّ الرّاوي لا يزال يبحث عن النّقص الذي عاناه فيها.

ظلّ “رشيد” عالقًا بالأوديبّية، وظلّت أمّه محور حياته، وكبت الرّغبة الجنسيّة في الأمّ أثّر في علاقاته العاطفيّة؛فحاول تفريغه وتعويضه في كلّ امرأة تعرّف إليها.

وأراد علاقته ب”ناتالي”  علاقة ذوبانيّة كعلاقته بأمّه: “لم أكن أشعر أنّها لي بالكامل إلّا عندما أكون فيها”، ” كنت أطيل مكوثي معها وفيها ما أمكن”. وذلك لأنّه  لا يحقّق الإشباع إلّا من خلال العلاقة الجنسيّة؛ أيّ بحسب فرويد ” العودة إلى رحم الأم”

3 النرجسيّة:

بالنّسبة إلى فرويد “إنّ تعطيل الحياة الجنسيّة وكبت الرّغبات بخاصّة في مرحلة الطّفولة يقوّي النّرجسيّة.” ومن خلال ما تقدّم في الرواية يتبيّن لنا أن الرّاوي قد يتّسم ببعض سمات النرجسيّة:

الحديث عن الجسد والنّظافة:

“كنت أحلق جسمي كما أحلق ذقني”

حب التملّك:

يقول بحديثه عن ثريّا:”لم تحاول أن ترضي غروري وحبّي لنفسي”

“ما إلي عازي ،هذا يضعضع علاقتي بذاتي.بوجودي الكلّي”

و حديثه عن ناتالي:”أصبح الجنس من دون لذّة،بل كان من باب التّملّك”

“أما عرفت معي لذّة لم تعرفها في حياتها؟”

فالنرجسيّ يرفض ألّا تكون الذّات محط الاهتمام كلّه،و هو يحب الآخر لأنّ ذاته تنعكس فيه أو تشبهه.

خلاصة القول، إنّ الرّاوي في “ألواح” قدأعادنا معه إلى أحضان الطّفولة وهي المدماك الأساسيّ في بناء الشّخصيّة، وفي تلك المرحلة تكون الذّات ليّنة؛ وهي إذا واجهت ظروفًا غير طبيعيّة عجز المستقبلعن تقويمها ونسيانها،فالتركيبة النفسيّة  تنطلق من الطفولة وإليها تعود.

وهذه اللّوحة الأوديبيّة النفسيّة، هي من بين ألواح كثيرة تزخر بها الرّواية، والتي تضيء على نظرة الرّاوي إلى الشخصيّات وأطباعهم… عسى أن نكون قد قدّمنا هذه الدّراسة بما يخدم ألواح.

Untitled-1

 

 

 

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s