رشيد الضعيف-3

قراءة سيميائية سوسيولوجية

 في رواية “ألواح” لرشيد الضعيف

آدال الحوراني
آدال الحوراني

إنّ كلّ نص أدبي ليس سوى تجربة اجتماعية، عبر واقع ومتخيّل. فإن المجتمع يلقي بظلاله على سيرورة العملية الإبداعية، فلكل مجتمع أدبه، ولكل أدب مجتمعه الذي ينكشف من خلال نصوصه ورواياته. وعليه، فإن السوسيولوجيا تلحّ على التداخل والتشابك بين عدد من العناصر النفسية والاجتماعية  والسياسية والثقافية في صناعة الأدب.

بعد قراءة “ألواح”، يبادر الى الذهن سؤالٌ واحدٌ: ماذا أراد رشيد الضعيف أن يقول؟ لا نعرف ما اذا كان قد قال لنا “الحقيقة” أم اخترعها لنفسه ولنا، لا نعرف ما إذا كانت هذه سيرته أم مجرد رواية. هل هي الذكريات الطالعة من ندوب العمر الذي عاشه؟!فقرر مواجهة الذات بلا خوف، بل بشجاعة أديب وروائي نادرة، وبـ”براءة” والدته القاتلة وبـ “سعادة” والده التي لم تعرف الحداثة “الحداثة التي وردتنا في القرن التاسع عشر من أوروبا لم تجلب لنا السعادة. قد خربت بيتاً متهاوياً وحسب“. يُدخلنا “الضعيف” الى عالمه، الطفولة، المراهقة، الجنس، الحرب، الفقدان (فقدان الأب، الأم، رجل الاخ، المرأة) بأسلوب جريء واقعيّ صارخ بعيدًا من الكلاسيكية والرومنطقية “اللغة تزهر البلاغة، والبلاغة بوصلة الزمان” يستدرج فيه القارىء الى نوع من التورط العقلي والنفسي والعاطفي لا محالة.

رشيد الضعيف
رشيد الضعيف

ذهب “غولدمان” إلى أنّ رؤية العالم في العمل الأدبي ليست من إبداع الأفراد، ويرى في منظور مادي جدلي أنّ الأدب والفلسفة من حيث أنّهما تعبيران عن رؤية للعالم – في مستويين مختلفين – فإن هذه الرؤية ليست واقعة فردية، بل واقعة اجتماعية تنتمي إلى مجموعة وإلى طبقة”. وهكذا نرى إنّما بنى عليه “الضعيف” روايته هو الصراع بين إيديولجويتين متصارعتين متناقضتين :”الأنا والخارج”، الأنا التي لا تعي حقيقتها “لا أحد يعرفني على حقيقتي، ولا أنا نفسي أعرف نفسي على حقيقتها“، وهذه الأنا هي حصيلة ذاتية تراكمية ومركبة، غير مدعيّة، غير مطمئنة الى حقيقتها، لنجد الموروث قد أسهم في تكوينها،“الأب الفاشل في كلّ شيء… وهو بسيط الساذج أيضا، بل الغبي” إلا أنّه كان سعيداً ومات سعيداً في زمن ما قبل الاسئلة، ما قبل الشكّ و”الوعي”. والأم كاملة لا نقصان فيها “قوية وصلبة وصامدة ودبّارة وصامتة، والتي كانت تُدير بمزاجها، دون كلام، مملكة بأكملها لا بيتاً أو عائلة وحسب…” التي شكلت هوية”الأنا” كما وصفها الراوي، من حبه للنظافة مقابل كرهه للحيوانات وقتلها بطريقة بربرية تعبّر عن اللاوعي الموروث، منذ جريمة قابيل وهابيل الاسطورية “أننا نحن البشر جميعا قتلة غافلون، وأنّ الأمر ليس بأيدينا“، وكذلك شعوره بالإنتماء الى المدينة، وإرادتهالفولاذية، إلا أنّه مصاب بداء البراءة، هذه البراءة – عاهة –لا شفاء منها وسبب معاناته مع “الخارج”، وكلّ شيء عندما يصبح خارجيا يصبح عدواً إلّا العالم الامومي الذي ننسجه لأنفسنا ونحتمي به، لذلك رفض فقدان الأم عبر تكراره وإصراره وهو الذي تجاوز السبعين بأنّه لن يزور قبر أمه، لأنه لا يريد مغادرة طفولته وإلّا انهار العالم“البيت بدون الوالدة ساعتان في المساء… من سيملأ وجودنا؟من سيضبط الإيقاع؟ البيت بدون الوالدة جوف كوكبٍ بدون جاذبيّة“. تلك أهمّ المفردات الشخصية التي صاغت نفس وبناء الراوي داخل عائلته؛ أما بيئته أو النظام العائلي القبلي الظالم الذي كان السبب وراء اختيارهإيديولوجية الشيوعية كما جاء على لسانه “وهكذا فتح لي والدي الباب لأصبح شيوعيا في ما بعد”، حيث لا فواصل طبقية أو ثقافية، وحيث الحق والعدالة والحرية الفردية. وبما أنّ الشيوعية تعتبر مرحلة معينة من مراحل التطور التاريخي “تلك التي تنير الطريق لتغيير الحياة الدنيا…”إلا أنّ الراوي وجدها تتعارض مع ميراثه السايكولوجي بأشواط عندما اصطدمت بالحرب الأهلية في لبنان، وأصيب بالخيبة من السياسة والفلسفات المفسّرة للتاريخ، وأصبح مقتنعاً بأنّ العولمة التي وصلت إليها البشرية هي نهاية التاريخ “إنّ الأرض حجم كروي لا يتعدى إطاره“، لذلك وجب عليه أن “يبتدع سرّا جميلا حتى تحلو الحياة” فكانت رواياته!فالراوي يعيش حالة متناقضة مع “الخارج”، هذا العالم التقليدي والمجتمع المزيف، وعجز عن جعل العالم يتكيّف مع هواجسه وقيمه، لذلك نجده يعبر ساخراً بأنّه رهين الأمل “رشيد، يا جمال الأمل!“وانتهت روايته معبراً فيها عن عجزه في التكيّف مع العالم وعن المأزق الذي يعيشه والذيسرق منه نور عينيه.

20160204211237

ادخلنا الكاتب وهو الراوي الوحيد في متاهة روايته كشريط يمرّ أمامنا أو أمام نفسه متناسلا من ذاته، يبحث عنها، يتخيّلها بـ “وعي”، يروي بعضا من ذكرياته، تلك التي طبّعته، بأسلوب متفلّت من أي بلاغة أو تزيّن، تاركا للنفس الحرية بأن تكتب حقيقتها، بنقاء وصفاء ووضوح، من دون ورقة التوت وما قبل أكل التفاحة “عندما تكوّرت الأرض ودارت حول الشمس شربت لغات العالم من خمرة أخرى غير الخمرة التي شرب منها جدّنا آدم، ودارت على ذاتها طاحنة بشراً عديدين”.

رواية “الواح” كما أرادها الكاتب هي لوحة “فنية أدبية” خالدة كسائر الالواح التي خلّدها الزمان، كتعاليم حمورابي الشهيرة والكتب المقدسة المحفوظة على ألواح، فهو القائل“أشعر بمسؤولية غامضة منذ انتباهي إلى اتفاق ولادتي والانفجار العظيم في اليوم ذاته وفي السنة ذاتها، وإلا فمن حمّلني همّ انطفاء الشمس؟ ومن مدّ بعمري ملايين السنين حتى أشهد ذلك الحدث المروّع؟ إشارات…”فقد مثّل بروايته المسكوت عنه لأن كل أمر مصيره النسيان والتجاهل والإخفاء، لذلك أجبر نفسه بالحقيقة كمقاوم، يقاوم بفكره وبمسؤولية كمثقف وروائي، وكما عبّر بيكاسو بأن “الفن هو الكذبة التي تجعلنا نكتشف الحقائق”، لربما ذلك ما جعله يختار لوحة بيكاسو صورة غلاف كتابه، إذ به يربط العلاقة المتداخلة بين الرسم والكلمة المكتوبة؛بيكاسوالذي انضم هو بدوره للحزب الشيوعي والذي أشار الى الشيوعيين قائلا”لقد انضممت الى أسرة مثلها مثل بقية الأسر، مليئة بالقرف والبذاءة”. وهكذا كشفت لنا رواية “ألواح” عن الإيديولجية الخاصة بالكاتب الظاهرة إلا أنّه بقدر ما يظهرها ينقلب ضدّها، فيستسلم لعبثية الحياة بعد أن نضبت روح الثورة بداخله، فالحياة مستمرة بالرغم ممّا حدث أو سيحدث، و “الله وحده يعلم“!.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s