رشيد الضعيف-4

بين النَحو والحُنو… أسرارٌ وبَوح

رشيد الضعيف
رشيد الضعيف
                                                      جيهان أبي خليل بجّاني

 

” ألواح” رواية للكاتب رشيد الضعيف، تصوّر العلاقة بين الذات وهمومها، في تعبير فنّي مشحون بتجربة إنسانية، تستحضر الداخل الى الخارج، والخارج الى الداخل، لتأسيس علاقة جدليّة بين الذات والعالَم ، وبين الأنا الهو- التابعة، والأناالأعلى- الكونيّة، في البحث عن الحقيقة.

   جيهان أبي خليل بجّاني
جيهان أبي خليل بجّاني

تتشكّل الرواية من ألواح عديدة كما يشير إليها العنوان باستخدام جمع تكسير نكرة يفيد الشمولية والعموم ويبعد الخصوصيّة، تتكسّر وتترابط لتتكامل في ما بينها، يبحث الكاتب في جزئياتها عن أجابات لتساؤلات يتخبّط بها بين فكره وقلبه، فيشارك بها القارئ علّه يصل الى اليقين، إن عبر تحطيم هذة الألواح، أو عن طريق إعادة ترميمها، من خلال تضافر بنية النصّ اللغوية، بعناصرها البنيوية في صيغها المختلفة، بخاصة النحوية منها، لتخلق عالمًا أدبيًّا خاصًّا، يواجه الواقع، ويعيد صوغه واقعًا فنّيًا جديدًا.

يقوم عملي على دراسة هذه الرواية استنادًاالى المستوى النحويّ؛ ومن الضروري، برأي عبد القاهر الجرجاني “في معرفة الفصاحة أن نضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلام، والذي بدوره يقتفي فيه آثار المعاني وترتّبها على حسب ترتيب المعاني في النفس” ، كما هي”نظام من الإشارات المغايرة، عند دو سوسور، تتكوّن من كلّ منظّم من عناصر، لا يمكن دراسته إلّا من حيث كونه يعمل بوصفه كلًّا”. فبعد قراءة متأنّية، يكشف لنا كلّ لوح من هذه الألواح نقوشًا نافرة واضحة سطحيّة، يتحسّسها القارئ وينفعل لانفعالاتها ، وأخرى عميقة متجذّرة خفيّة، لا نصل إليها إلّا بتكسير هيكل هذه البنية لاستظهار ما لم يفصح عنه الكاتب- الراوي من إشارات ولاستنباط دلالاتها.

تبدأ الرواية بلوحة الذات التي تتشابك مع لوحات أخرى لا تقلّ تأثيرًا وتأثرًا بالأولى، لوحة الوالد المرتبطة بشكل الأرض؛ فما طبيعة هذه العلاقة بين الوالد وابنه؟ هل هي علاقة صداقة وأبوّة قائمة على الاحترام المتبادل أم علاقة اسميّة متوّجة بالرفض والغضب والخيبة؟

خيبة وتحدٍّ

نلاحظ، منذ بداية الرواية، أنّ الراوي، بسرد سيرته الذاتيّة، يسلّط الضوء على شخصيّة الوالد بأسلوب النفي القاطع والجازم، باستخدام “لم” التي جزمت ونفت وقلبت مفهوم “الوالد” بعامة. ففي حديثه عن علاقة الوالد بالأرض، يقول: “لم يكن شكل الأرض يهمّ والدي”، “لم تكن تعنيه”؛ فنتساءل ما مغزى هذه الصلة؛ فصورة عدم الاهتمام لا تنحصرضمن الشكل فقط، بل تتعدّاه الى معنى أعمق: (ضمير الغائب هي= الأرض= العائلة ) وكلّ ما تحويه من أشياء وأناس بعيدين وقريبين،تُظهر الشرخ النفسيّ في مقاربة الحياة ودوران الأرض الصامت وتفاعلها مع عناصرها عبر وحدة كليّة؛أمّا الوالد ف”هكذا كان”:نلحظ تقديم الخبر (الحالة) علىفعل الكون والوجود، وحصره باسم إشارة مربوط بأداة التشبيه(ك)للدلالة على أنّ التغيير مستحيل. وحالة عدم الاكتراث بما حوله، انفلشت سلوكيّات مضطربة، وانفعالات، انقلبت الى صمت مطبق،ومعاناة عند الابن”لم يحدّثني والدي”: (لم)تفيد النفي في الماضي مستمرًّا حتّى الحاضر، واختيار فعل (حدّثَ) مكان (كلّم)يدلّ على انقطاع الحوار والمحادثة بينهما،وهو ركن أساس في التربية الصالحة والقويمة وبناء علاقة وطيدة مبنيّة على التفاهم ومعرفة الآخر. فهل يكون الصمت هو العامل المشترك بين الوالد والأرض؟ وهل يكون الوالد شبيهًا بالأرض التي تطحن بشرًا عديدين أم ترفع بشرًا كثيرين؟

يكمل الراوي انتفاضته على الوالد، فيقترب أكثر فأكثر منه ويصفه أنّه ” لم يكن أنيقًا…لم يكن نظيفًا…لم يكن نرسيسًا…ولا محدّثًا لبقًا… ولا طبيب جلد…”، وكأنّه بالنفي يريد إبراز حالة مثبتة معاكسة، فيحاول أن يرمّم بعضًا من هذه الصورة- المثال في وعي الابن، علّه يفلح بالإبقاء عليها ولو مهشّمة ” خلق والدي ليكون مزارعًا”(ص16)مع أنّه” لا يملك أرضًا…لا يملك بيتًا”؛ إلّأ أنّ غضبه يتعاظم في معرض السرد في استحالة تغيير الواقع المخيّب ” هو الفاشل في كلّ شيء…هو البسيط الساذج أيضًا، بل الغبيّ”(ص54) لمَ لم يقل “هو فاشل …ساذج.. بسيط ..؟ فزيادة “ال” التعريف على هذه النعوت أعطتها خاصيّة أحاديّة للوالد أسقطت المثال الأول للابن، فسقطت معه هويّته وسقط معه انتماؤه؛ ألا يقال الابن سرّ أبيه!!!.

بالمقابل نجد أسلوب النفي يتلاشى في حديثه عن والدته،ويحلّ مكانه أسلوب خبري توكيديّ، يناقض الرفض والانكسار والخيبة، فيرسم معه لوحة أمومة وحنان وعزّة ” قويّة…صلبة…تدير دون كلام، مملكة، لا بيتًا، بل والدتي كانت تدير مستقبلًا، بل إنّ والدتي كانت تدير مصائر”، فجمل النفي (لم يكن) قابلها (كانت) فعل ماضٍ مثبت يحرّكه حاضر الفعل (تدير)، ويتكرّر الفعل ثلاث مرّات ليرمز الى التكامل ووحدة القرار، حتى نلحظ تواتر المفعول به وتصاعده(مملكة- مستقبلًا- مصائر)المعادل ل(المكان- الزمان- المطلق)، فالفشل الذي لمسه عند والده، حوّلته الأم من أفق مسدود الى أمل بالمستقبل، الى حبّ الانتماء لهذه الأرض” لأنّ والدتي بهذه الصفات..أنا ابن أمّي… لن يستطيع أحد أن يهزمني…أمّي والدتي ما دامت الأزمنة”(ص17)؛ وهنا يطرح الكاتب جدليّة الهوية هل هي مفروضة علينا أم لنا حريّة الاختيار في تحديد انتمائنا؟ أصبح ينتمي الى أمه(ابن =مضاف ، أمّ =مضاف اليه ثم تحوّل الى مضاف، ضمير الياء= مضاف إليه) تدلّ هذه الصيغة النحوية على تكامل الصورة الى حدّ وحدة الكيان والوجود.

أنانيّة ومشاركة

تتلاحق الأحداث، وتهتزّ الصورة مرّة أخرى، لتفجّر انفعالات واضطرابات تردّدت تساؤلات إنكارية شاجبة، رافضة للواقع؛ فهل أراد الكاتب الكشف عن المعاناة النفسيّة التي يعيشها الطفل عند انفصاله عن أمّه للمرّة الأولى، وهذا ما يؤكّده علم النفس ويعرف بعقدة أوديب،أو هو انكسار صورة الوالد وغياب حضوره في الأسرة؟.فبعد أن كان وقوع الفعل على الراوي فقط “ماذا فعل بي والدي؟”(ص6)، ينتقل الأذى ليشمل إخوته جميعًا، عندما قرر الوالد دعوة الوالدة الى المطعم. يصف الابن درجة التأزّم والرفض القاطع ” يشلّحنا الوالدة”(ال+والدة) التي تخصّهم وحدهم وتحمل سرّ الحياة(اسم فاعل لفعل ولد)، “الى أين يأخذها هذا المساء؟فالضمير المتّصل للغائبة(ها) يظهر الأم كأنّها مسلوبة الإرادة،فمن أين جاء الوالد بهذه الجرأة الصادمة؟، “أي شغل هذا الذي يشغل أمّنا نحن بالذات؟” عبارة استفهاميّة غنيّة بالتوكيدات المختلفة تعود الى الضمير المتكلم الجمع(نا مضاف اليه، نحن ضميرفصل–بالذات توكيد ل نحن) فمرجع الوالدة هو”نحن”، فألغى الراوي حضور الوالد في الأسرة ونبذه مع إخوته”كرهته كرهته وكرهه إخوتي جميعًا” توكيد لفظي للفعل(كره) في الماضي مكرّر ثلاث مرات ما لبث أن انتهى بتوكيد معنوي (جميعًا) شامل وجامع،فاستحال حضور الوالد كرهًا؛ فهُم المحور وليس هو.

وهذا الإلغاء أكمل مسيره بحذف الخصوصيّة بضمير المتكلّم المتّصل(ي= مضاف إليه) والتعويض عنه بأل التعريف ” الوالد يكمل طعامه وحده…بمفرده” ولم يقل والدي كالمعتاد، فكان الانفصال الأخير والانتقام بتأكيد الترادف(الحال =وحده-بمفرده)؛ بالمقابل، يبيّن الراوي الوالدةَ والوالد في موقف متناقض ” دعتنا والدتي…أعطت كلّ واحد منا سندويشًا”، ويسهم في تهشيم صورة الوالد ويعمّق الهوة بينهم.

رشيد الضعيف
رشيد الضعيف

خوف وحذر ويأس

لا ينتهي استخدام النفي عند الكاتب حتّى يؤكّد أكثر على حالة الغضب والتمرّد ضدّ تلك الشخصية الضعيفة المستسلمة في مقابل هاتين العبارتين: ” والدي لم يتدخّل…لم يقم والدي دعوى على كامل لأنّه أراد قتله”، ولكن “لا ثأر ولا دعوى! لا! لن يقبل والدي بذلك”(ص42)؛ إنّ مفهوم الثأر تخطى الطبيعة البشريّة الفرديّة، ليرتدي ظاهرة اجتماعيّة تحلّلها الجماعة ، لذلك نلاحظ نفي الفعل (لم يتدخّل) قد حذف التعدّي بالحرف، ما دلّ على حسم الأمر الذي يوضحه التعليل في القتل؛ أمّا التراجع عن الفعل والاستعاضة عنه بحرف النفي المطلق الجامد المستنكَر(لا)فيدلّ على الشلل الفعلي في التحرّك؛ وإعادة خلق الأمل في المستقبل (لن يقبلَ) في سلوك الوالد،تلك كانت الورقة الأخيرة لإثبات حضوره الأبوي والدفاع عن شرف العائلة مهما كان الثمن.

تلك الانكسارات المتتالية والصراعات الذاتيّة قد أنهكت الراوي وهدّت قواه، فكان لا بدّ من أن يفضي ذلكالى هدنة على المستوى النحوي أيضًا، فينتقل من أسلوب النفي المترافق بتساؤلات مضنية لامتناهيةالى أسلوب خبري يصف حالة الوالد النفسيّة: شلل تام وضياع ” لا يستطيع الاستقرار… من دون هدف”، حركة من دون نتيجة”كان والدي يطرق في الأرض، يمشي دون أن ينطق بكلمة”، حتّى وصلت حالته الى الجمود والموت اللاإراديين ونقص في الفعل والحركة” كان وجهه متجهّمًا، كان متفحّمًا..بل كان مطفأ…كان وجهه مطفأ…لم يعد في عينه نور”(ص46)نلحظ حذف كلمة (وجهه)مرّتين وذكرها مرّتين لتأكيد حالة السواد التي انعكست على كيانه كلّه، والتجهّم يعادله نفي النور، واستخدام (عينه) بالمفرد للدلالة على موت الأمل وعينه الأخرى تبقيه على قيد الحياة. إلّا أنّ هذه الصورة عادت وتكرّرت مرّة ثانية باستبدال فعل(كان) بفعل (استمرّ)في الماضي ” فاستمرّ وجهه متجهّمًا “ما يدلّ على الشلل في الحركة وفي النفس، ومرّة ثالثة عبر صورة بلاغيّة كالتشبيه الذي يقرّب الصورة من الواقع” كان وجه والدي كوجهه يوم مصابنا بأخي”، فحذف وجه الشبه من الجملة، يبرز نيّة الراوي بإلغاء تلك الصورة القاسية (صورة الوجه) المجرّدة من العاطفة والحبّ من ذهنه؛ غير أنّ صورة الوجه القاتمة قد غيّرها فيما بعدنجاح الابن في اختيار مستقبله وتحديده، بعيدًا من مخطّط الوالد ” لم يقل شيئًا بل نوّر وجهه، ومشى” (ص54) فيعود بنا نفي القول وعدم إتمامه نهائيًّا بمفعول به(شيئًا)، الى حاجة الابن الى سماع كلمة واحدة من والدهفتحيا بها نفسه، فيأتي الجواب تأكيدًالفعل النور للوجه المحيي ليتناقض مع فعل ماضٍ في الزمن(مشى) بوصفه دالًّا معنويًا على الحركة.

بين القدر والاختيار

بدأت تلك الخطوط العميقة تطوف شيئًا فشيئًا على سطح اللوحة بفعل البوح الذي يستخدمه الراوي لإظهار الصراع النفسي الذي يعانيه ومدى التشابك والتناقض مع محيطه الوالدي. فالهوة توسّعت الى الاختلاف في مقاربة الأشياء وفي الرؤية الوجوديّة، كذلك في الاعتراف بالمشكلة ومحاولة تحديدها من العموميات الى الجزئيات ” أمّا المشكلة فكانت والدي”، “أمّا المشكلة فالمدرسة”، ” المشكلة أنّ والدي لم يفهم”: فعل (يفهم) هو فعل متعدّ لا يكتمل معناه إلّا بمفعول به يقع عليه فعل الفاعل، إلّا أنّ المفعول به المحذوف موجود في البنية العميقة للجملة، ما يعني أنّ القدرة على فهم الآخر مقطوعة نهائيًّا وهي مشكلة (مكرّرة ثلاث مرّات) تنذر بالخطر على العلاقة الإنسانيّة بين الأفراد، مع ذلك حافظ الراوي على احترام والده “وهو والدي” قاطعا كلّ تشكيك داخلي وخارجي بسوء العلاقة” أنا لم أبح له بذلك . بالتأكيد لم أبح له بذلك…كيف أبوح له بذلك؟”: توكيد لفظي لعدم البوح بالمشاعر الحقيقيّة بتدرّج تصاعديّ (أنا- بالتأكيد) ثمّ انحداري انكساري ب(كيف) فتحوّل الفعل المنفي من الحاضر الى الماضي مع (لم)، ثمّ أعاده الى الحاضر بتساؤل علّه يحصل على الجواب.

جاء الجواب ” فقد فهم والدي أخيرًا قصدي، لكن بعد أن صدمته…جرحته” (ص53)فتقديم ظرف الزمان على المفعول به  يدلّ على أنّ الزمن كان كفيلًا بتحقيق ذلك الإفهام باستخدام حرف التحقيق(قد)، إلّا أنّ الاستدراك ب(لكن) جاء اعترافًا صادقًا بردّة الفعل القاسية تجاه والده، لحماية الذات من الزوال، فاختار ألّا يكون ” حطب نار الآلهة العمياء، وأنّني لا بدّ من خياري”، و”الله أعلم”(ص86) ؛ ما يطرح جدليّة كبرى وجوديّة بين القدريّة والاختيار، بين الاستسلام لواقع مفروض أو التمرّد للبحث عن المعنى الوجودي للفرد مستقلّ الكيان؛ فالحريّة، عند باولو كويلوليست غياب الالتزامات، إنّما هي القدرة على اختيار ما هو أفضل للفرد، وإلزام نفسه به، فهل من غالب ومغلوب  بين الالتزام والاختيار؟

ويستمرّ الغضب على الوالد حتّى بعد موته. فالرعب من الموت أشعل فيه الخوف من فقدان الوالدة، فأخذ يطرح هواجسهالكثيرة عبر استفهامات(لماذا) المتكرّرة ثماني مرّات، أسقطت الوالدة من عرش القدسيّة الى أرض الواقع ” لماذا لا تكون والدتي كالعذراء؟” تلك البريئة من الدنس البشري، “لماذا تزوّج والدي امرأة جميلة؟ لماذا استودعنا إياها؟”فعل (استودع) يدلّ على القيمة النفيسة للوديعة، مع ذلك لم يذكر الوالدة بل (إيّاها) ضمير منفصل فيه اختزال وإحالة إليها، فجعل تلك القيمة تنحصر بالجمال فقط المهدِّد بخسارتها. وكأنّ الوالد قد وجّه بموته صفعةً جديدة مجنونة للابن هدّت كيانه، وشتّتت خطوط حياته.

alwah-2

بين الموت والبعث

سهمه الموجّه الى الوالدة- المثال، صحبه نفي صريح للواقع المستجدّ، ولوم قاس للوالدة، لم يتخلّص منه حتّى بعد مماتها ” لم يطهّر والدتي الألم، ولا طهّر والدتي موت والدي، ولا طهّرني شيء”(ص96)ففعل التطهّر يتكرّر مرّات ثلاث مع تغيّر في أداة النفي(لم) التي تفيد النفي في الماضي مستمرًّا حتّى الحاضر أو غير مستمرّ(الكافي ص191)، فيصحّ القول= لم يطهّرها أوّلًا ثمّ طهّرها أخيرًا، كذلك أداة النفي(لا) تنفي الفعل “طهّر” فيمكننا القول= لا الألم طهّرها ولا موت والدي طهّرها، فنلاحظ الفاعل يتدرّج من(الألم- موت والدي- شيء)،من المعرفة بأل التعريف الدالة على حالة عامة غير محدودة بحدث ما أو شخص ما، ثمّ يأتي الفاعل الثاني (موت) محصورًا بوالدي فقط، ثم يعود الى فاعل نكرة (شيء)يدلّ على الشمول والعموم؛ ثمّ يتابع ” إنّ والدتي أنقى من ينابيع المياه المقدّسة” فيعني أنّها لا تحتاج الى ولادة جديدة(ص97)؛ فنراه قد أقحم نفسه بفعل التطهّر كأن يقول لا شيء يطهّرني لا الألم ولا فقدان أحد ما، أنا الذي أعيد خلق نفسي بنفسي.

وهذا ما يبرز في الفصل الذي يصارع فيه وعيه وإدراكه، والموروثات الدفينة في لاوعيه ومحاولة التخلّص من قيودها، من خلال التردّد في زيارة قبر والدته (المتكرّر أكثر من 13 مرّة) بأسلوب النفي الرافض لتلك الخطوة ” لم أزر قبرها اليوم، ولم أزره من قبل”، “لا يبدو … أنني سأزورها قريبًا”، “أشعر بالذنب كلّما ذكرتها وتذكّرت أنّني لم أزر قبرها” ، فهذا التوكيد النحوي للحدث كأنّه صراع نفسي بين زيارة القبر- المكان(لم أزره=الماضي) وزيارة الوالدة(سأزورها=المستقبل القريب) في مثواها الأخير؛ ففعل الزيارة تخطّى الزمان، كما تخطّى المكان بعدم القيام بهذه الخطوة، كذلك نجد حالة الاسترجاع والاستباق للزمن( اليوم- من قبل-قريبًا)تتضافر لتكشف عن إعادة خلط الأوراق من جديد، يرسم فيها الراوي خطوطًا واضحة المعالم لتلك العلاقة التي تتجاوز الماديّة الى علاقة روحيّة: ” كونها أمّي يحييها” لقد أوّل فعل كان الدالّ على المستقبل(أن تكون)الى مصدر الكون وتمّم معناه بالأمومة ثمّ أضافهما إليه، ممّا خلق وحدة ثلاثية كونيّة(الكون- الأم- أنا) لا تعرف الموت أبدًا، فهي ” ليست إذًا بحاجة الى أن أزورها”(ص111): يأتي(إذًا)حرف جواب فاصلًا بين الفعل الماضي المنفي (ليس) العائد للوالدة والحاجة(خبر=صفة) الملحّة لحسم الموقف ووضع حدٍّ للحيرة القاتلة التي ألمّت به: الزيارة كانت حاجة للوالدة وليس للابن؛ فكما أحيته في حياتها، جعل نفسه يحييهافي حضوره في هذه الحياة.

فالراوي لم يبحث عن استمراريّة في هذا العالم، من خلال اسم عائلة ورابط الدم، ولاحتّى صلة الرحم، بل علا فوق ذلك كلّه وصبّ كينونته في بحر الإنسانيّة الكبير؛ فلا أهميّة أين يراها في مكان الولادة وزمانها وكيفيّتها ، المهم أن نوجّه هذا الانتماء نحو رؤية إنسانيّة تتخطّى العنصريّة والجهل . فاتحاده بأمّه كان فعل وعي وإدراك وقرار “لأنّ والدتي بهذه الصفات…(أنا) ابن أمّي”.

المراجع

الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز، شرح وتعليق محمد عبد المنعم خفاجي، دار الجيل، ط1، بيروت، 2004.

أيوب، نبيل: النقد النصّي(2)، مكتبة لبنان، ط1، لبنان، 2011.

الياس، جوزيف وغيره: الكافي في الصرف والنحو والإعراب، دار العلم للملايين،ط1، لبنان، 1998.

سيف، أديب: وظائف العناصر الاسميّة، دار العلم للملايين،ط1، لبنان،2006.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s