مفهوم «الثورية»

الرفض والحداثة الثورية

 في شعر يوسف الخال

omar-2

                                            د.عمر الطباع

يشكل الرفض في شعر يوسف الخال بعامّة، وفي «البئر المهجورة» وسواها من مجموعتيْه «الحريّة» و«قصائد الأربعين» تكريساً لفلسفته الخاصّة في مدلول الحداثة ومفهوم «الثورية» في الشعر العربي المعاصر. فالحداثة في نظر «الخال»، قبل أن تكون تجديداً في مسيرة الشعر على نحو كليّ، هي في جوهرها نظرة وجوديّة حديثة، تنطلق جذورها من صميم المذهب «الوجودي» وكان من أعلامه «كيركجور» و«هيدغر» و«كارل يسبرز» و«نيقولاي ردياييف» و«جان بول سارتر» الذي حظي في العالم العربي بمنزلة مميّزة. وحتى نفهم أبعاد الثورة في أدب يوسف الخال، علينا أن ندرك ثوريّـته المستمدة من الوجوديّة ومبادئها، ولا سيّما إيمانه المطلق بعظمة الإنسان وإحترامه المطلق لحقّه في الحريّة والكرامة، وهو الإحترام الذي حمله على الإعتقاد بوحدة الحضارة الإنسانية ودعاه إلى حثّ العرب على الأخذ من الحضارة الحديثة، وإن كانت مسمّاة حضارة غربيّة لأننا شركاء في هذا التراث الإنساني، شركاء في بنائه وتشييده، وعلينا أن نكون شركاء في الإقتباس منه، وإلا كتب علينا أن نبقى في ظلام العزلة بانتظار لحظة الفناء.

وبعد أن يشير يوسف الخال إلى الإنحطاط الذي عمّ العالمين الإسلامي والعربي، بعد «إنهيار وجودنا في الأندلس»، وزوال «عهد المأمون» و«سحق المعتزلة» و«سحل الحلاج»، يستأنف حديثه عن المعضلات المعاصرة في وجودنا، ليقول «فالذين يدركون يقولون: حضارة الإنسان واحدة موحّدة لا تتجزّأ، وكل إنفصال عنها موت. فإن أردنا أن نحيا، علينا أن نتّصل وأن ننفتح. فلئن كان في تراثنا شيء يحول دون الإتصال والإنفتاح، فبئس هذا الشيء، أما كنا فيما مضى شركاء عاملين في حضارة الإنسان، أعطيناها حين أمكننا العطاء؟ فأين العار إذا ما نحن أخذنا منها اليوم لنقدر أن نعطيها غداً؟.

كشف أسرار الوجود

ولا ينكر يوسف الخال ما يوجد بيننا اليوم وبين العالم من أخذ وعطاء في شتّى الميادين الفكريّة والسياسيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة، ولكنّه يرى أن التقدّم الذي أحرزناه ليس كافياً ما دمنا لم نصل بعد الى مرتبة التقدم الحقيقية وهي القدرة على كشف أسرار الوجود «بعقولنا لا بعقول غيرنا».

هذا الرأي الذي يرسم لنا الطريق لدخول العالم الحديث، هو في الآن نفسه يفسّر بقاءنا متسكّعين على أعتاب هذا العالم، ويعلّل التوق الذي يغمر عالم يوسف الخال الشعري بحثاً عن الحريّة، التي غدت عنواناً بارزاً في أدبه، ومثالاً أعلى في شعره: “انا حرّ يا رب . . ما انت حرّ؟/انا حرّ يا رب . . حرّيتي كنهي”.

هكذا يسأل الشاعر ربّه كي يشدّد جناحيه، كي يهبه حرّية العقل التي ان فقدت أضحى الوجود ظلاماً وصارت الحياة وهماً. ولكي يؤكّد هذه الحقيقة يستقرئ تاريخ الإنسان في مصر وأشور وأثينا ، ذلك التاريخ الذي تعمّد بالآلام وغرق في بحر من الدم والدموع . فالخال المؤمن بوجوديّة الانسان ، ومن يقدس الحريّة – التي بدونها تتهاوى كلّ صروح الأمجاد مهما سمقت وعلت، ومهما عظم شأن بناتها واربابها – لا يرى سوى الثورة سبيلاً الى تحقيق أهداف «المعاصرة» والفوز بقطوف الحداثة : الانسان الحرّ وحده يحقّق كل غاية ، وبعبوديّته لا يتحقق شيء. الوسيلة الحق هي احترام حريّة الرأي، وإفساح المجال للنقد والجدل والنقاش، واعتبار ان لا شيء مهما يكن، محرّم على العقل.

omar

إنّ التطرّق الى الموقف السياسي في تاريخ يوسف الخال النضالي من أجل تحقيق المعاصرة الفكريّة في واقع العرب الحديث – أياً كانت المآخذ على طبيعة هذا النضال والمواقف التي اتخذت منه – هو في نظرنا أمر أوليّ في تقييم نضاله الثوريّ أدبياً وشاعراً- وتتضح هذه الأولويّة أكثر إذا أدركنا أن مفهومه للشعر والفن والحداثة لا ينفصل إطلاقاً عن جوهر التحرّر والانطلاق بعيداً عن كلّ غلّ او قيد. فحملته على الموروث من الفن والشعر ليست في ذاتها حملة على التراث، بل هي حملة على الذين يتنازلون عن حرّيتهم الذاتية ليبقوا تابعين للماضي، دون ان يأبهوا لحقّهم في العطاء والتجديد. شأنهم في ذلك شأن المارد الذي يجد سبيله للخروج من قمقمه، ومع ذلك يرفض مثل هذا الخروج إيثاراً للبقاء حبيساً في قرارته.

التعبير الجميل

فقد انتقد الخال مفهوم الشعر القديم كما حدّده قدامة، وكما انتقد مفهومه الاخباري والتعليمي كما حدّده شوقي، فالشعر في مقياسه فن، والفن لا غاية له غير التعبير الجميل عن الذات في لحظة الكشف والرؤيا. إنّه نرسيسي مجاني، لا عقلي – بمعنى انه يخاطب العقل ولا يخضع لقوانينه، ومهمته التلقائية الفريدة هي النفاذ فيما وراء الظواهر المتناقضة المشّوشة المبهمة، ليكشف بالحدس والرؤيا أسرار الوجود الحقيقي المليء بالانسجام والنظام والمعنى. ويذهب يوسف الخال الى أن هذا المفهوم الجديد كان اساساً للحركة الثوريّة في الشعر العربي المعاصر: «الحداثة في الشعر إبداع وخروج على ما سلف، وهي لا ترتبط بزمن . . و- هي – لا تمتاز بالضرورة على القدامة فيه، ولكنها تفترض بروز شخصية جديدة ذات تجربة حديثة معاصرة». وقد تميّزت الحداثة في تصوّر الخال بالمميزات الآتية:

  • في كونها توجب ظهور شخصيّة جديدة تكون تجربتها على أساس من المعاصرة. 2- يشترط في تجربة الحداثة الشعريّة ان تكون شاملة للشكل والمضمون ومتميّزة بفرادتها ووحدتها . 3- إن الحداثة في الشعر يجب ان تكون جزءا” من حداثة شاملة وأن تكون تعبيراً عن موقف كياني من الحياة. 4- إن الحداثة كانت وراء الاشكال والأزياء فهي ذات جوهر عقلي يعنى باللباب لا بالمظاهر والقشور، ويقرّ بأنّ الانسان هو السيد على الطبيعة وكل أنظمته وقوانينها خاضعة لإرادته وصيرورتها بيده.

ويوجز الخال تحديده للحداثة في الشعر بأنها ليست «مذهباً كغيره من المذاهب، بل هي حركة إبداع تماشي الحياة في تغيّرها الدائم ولا تكون وقفاً على زمن دون آخر». ومن هذه الناحية لا تكون حداثة القصيدة سبباً لسموّها على قصيدة قديمة بل لتقدمها على «قصيدة مجايلة لها نظمت على غرار القديم».

مفهوم الحداثة

جعل يوسف الخال مفهوم الحداثة في الوجود، مدخلاً للحداثة الشعرية، وبالتالي توطئة لماهيّة القصيدة الحديثة وشروطها، وأبرز سمات الموهبة والاصالة عند الشعر قبوله لتحدي قواعد اللغة وأساليب الشعر المتوارثة. فحداثته إذاً منوّطة بتمرّده المزدوج على الشكل والمنهج التقليديين، وفي هذا التمرد تكمن «فردية الشاعر وفرادة عمله»، بحيث تغدو القصيدة الحديثة جزءاً من كينونة الشعر ومنحى في إتجاه صيرورته ، لأنها تمثل إضافة على التّراث الشعري وتغييراً له من الزاويتين اللّغوية والفنيّة.

فالقصيدة الحديثة ليست خروجاً على المنهجيّة السلفيّة إنّما هي تطوير لهذه المنهجية ومجاراة لمقتضى المعاصرة وطبيعتها، وتحديد شروطها ليس إمتهاناً للتّراث وحكم الأصالة بل ترسيخاً لأثرهما في دورة الزمن وحؤولاً دون وقوعها في بؤرة الإهمال والنسيان، وتوخياً لاستمرارهما في بنية الحاضر. وقد ظهر حماس يوسف الخال للكينوية الشعرية مساوياً لدرجة كلفه بصيورتها، وتعتبر محاضرته في النّدوة اللبنانية في العام 1956 حول «مستقبل الشعر العربي» عنواناً ساطعاً لاحترام الدور الذي أدّته الأساليب الموروثة في حدود عصرها، ولإيمانه الحر بالتحرّر المستمر من كل اسباب الثبات والجمود. أمّا الأسس التي اقترحها لتحقيق الحداثة وبالتالي مستقبلية الابداع الشعري في القصيدة العربية فأهمها الآتية :

1-تحطيم قوالب الشعر التقليدية في استخدام الصور التاريخية او المعاصرة لأحلالها مكان الفذلكات البيانية والبديعية. 2- إبدال المستنزف من الالفاظ والتعابير بأساليب الأداء الجديد، البسيطة منها والمركبة، المستمدة «من صميم التجربة وحياة الشعب». 3-العناية بالمشاكلة بين مضامين الشعر الجديدة والايقاعات الشعرية المطورة، لأن الحداثة توجب التكيّف في الشكل والمضمون، وترفض تقديس العروض التقليدية. 4- بناء القصيدة في اطار «وحدة التجربة» في منأى عن النسق المنطقي والتدرّج العقلي، وجعل الانسان المحور الأساسي في هذه التجربة، لأنه الرّكيزة الاعظم في كلّ صنيع فنّي. 5- ضرورة الغوص في اعماق التراث ووعيه بكل ابعاده الروحية والعقلية وتقييمه تقييماً دقيقاً والتفاعل معه تفاعلاً بناء بعيداً عن كل تردّد او مسايرة أو خوف. 6- عدم الوقوع في حبائل «الانكماشية» للإفادة من تجارب الشعر في سائر الآداب العالمية لتفادي الموقف الذي وقفه العرب قديما” من الآداب الاجنبية ولا سيما الادب الاغريقي. 7- ضرورة إستيحاء روح الشعب والامتزاج بها لأنه المورد الذي لا ينضب وينبوع العطاء والإبداع ، ولأن الاتجاه الى الطبيعة في معزل عن البيئة الحيّة يحول دون السمو الى مراتب الخلق الفذة لأن «الطبيعة حالة آنية زائلة».

omar-3

ثلاث ظواهر متقدمة

ولم يكتف الخال بإقتراح الأسس الكفيلة بإضاءة السبل أمام مستقبل الشعر العربي، بل برهن عن ايجابية محمودة بثلاث ظواهر متقدمة على طريق الحداثة وهي: نقل النموذج الغربي في الحداثة النقدية، وترجمة النماذج المرموقة في الحداثة الشعرية، وإبداع النموذج الشعري الثوري، الذي نحن بصدد دراسة بعض مختاراته.

فثورته من هذا القبيل ليست تجنّياً على الواقع بل هي تعرية له من كل تمويه وزيف، ها هو يقول: “يا بلادي حضنت، من قبل امجاداً/وشيدت في بناء الحضارة،/تغمرين الامداء حباً وإيماناً/وتعلين للجمال مناره/فعل كل قيمة منك شيء/والليالي تناقلت اخباره،/أي فكر في تربك السمح لم يزهر،/فتجني يد الورى ازهاره:/ فازدهى عالم، وكنت له الفتح/وجلى، فكان غارك غاره/يا بلادي، وكم رفعت لواء/سرمدياً في موكب الحرية:/منك اولئك الذين «تآخوا/للصفا» في عقولهم والرؤية،/والاولى قيل عنهم «اعتزلوا» الحق/وفي قولهم عمى وأذيّة”.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s