ضيفٌ من الوادي

10690058_1382540845381722_8897545564662125129_n
بريشة الفنان المبدع جريج بو هارون

باسم عون

12771662_1523023314666807_400411204058714881_o
بريشة الفنان المبدع جريج بو هارون

-“الله يْساعدنا عَ هَالليلي يا مَرا”…

قالها جدّي وهو يحاول جاهداً إغلاق الباب خلفه، فالريح في الخارج  في مهرجانٍ صاخب منذ الصباح الباكر…
جحافل من الغيوم السود تتدافع في السماء منذرة بطوفان عظيم، مما دفع الفلاحين في تلك الأنحاء للخروج من اكواخهم علَّهُم يسدّون بما تيسَّر ما بدا  من ثغرات في الجدران المتهالكة المتصدّعة…
بين الحين والآخر يتناهى الى السَمْع صوت قرقعة لوح من الصفيح وقد ضاقت به الأرض فأسلمته للعاصفة تعربد على صفحته ما شاءت،فينتشي غيظاً ويندفع في سيل من التجديف… وعلى مقربة، ينطلق كلبٌ في عواءٍ محمومٍ متقطِّعٍ لا ينتهي…

أقبل الشتاء باكرا ً هذا العام وأرخى بثقله فوق ما تفرق هنا وهناك من المزارع والقرى على أكتاف الوادي… و ها هو شباط اللعين ، لم يتبقَ  منه إلا بضعة أيام وما زالت عواصفه على أشُدِّها ، لكأن ّبين الأرض والسماء معركة حاسمة ٍ سيتقرّر على أثرها مصير الكوكب .

10906462_1381578805477926_6143587122981728191_n
بريشة الفنان المبدع جريج بو هارون

وعلى غير عادتها ، عمدت جدتي إلى مسبحتها قبل حلول المساء… فالقلق ما بارحها منذ ساعات . وها هي قد تكوّمت على طرّاحة ٍ في الركن قرب الموقد، تتلو الصلاة و تعيد ما تفلّت من حبّات السبحة ، والحبيبات الصغيرة لا تنتهي … وأَنّى للصلاة أن تنتهي وجدتي نهب ٌ لدوي ّ الرعود حينا ً ، ولهمهمات جدي حينا ً آخر …

– ” قومي شيلي المي ّ من الأرض ” .

فتقوم جدتي على أربع ٍ لتمسح ما تقطّر من مياه السقف مما حول أرض البيت إلى سواقٍ  راحت تنساب كأفاعٍ صغيرة ٍ بين الأثاث .

وتقول جدتي بتأفف ٍ:

– ” كان لازم تغير تراب السقف قبل الشتي ”

فينهرها جدي : – ” شو فهّمك بالسقف ؟ ”

فتزم ّ جدتي فمها وتعود إلى مسبحتها …

تكاثفت البروق وتلتها الرعود ، فهرعت نحو الجدة أحتمي في كنفها وأردّد وراءها بصورة ببغائية “قدوسٌ ..قدوس ٌ..قدوس” .

maxresdefault

وكمجوسي ٍّ صميم راح جدي يطعم النار أروماتٍ دهرية من التوت مترحماً

على زمن ٍ كان للتوت فيه ما كان من الإجلال والتقدير . أما اليوم وقد دالت دولة الحرير وأصبحت دودة القز نسيا ً منسيّاً. بات التوت قوتاً لمواقد الشتاءبعدما كان سيد الجلول بلا منازع ..

ومن موقعه قرب النار بدا وجه جدي المدوّر كرغيف ٍ طازج خرح لتوه من اللهيب . وراح يحدّج الجدة من تحت حاجبين كثّين بنظرات ٍ لها ألف معنىً ومعنى… ولربما تمنى في سرّه أن يلقمها النار هي أيضا ً … أوليست هي من أشار عليه أن يترك عنزته الأثيرة لديه “محبوبة ” في الحظيرة الخارجية ليلة الصقيع تلك ؟  وما كانت النتيجة ! لقد نفقت العنزة من البرد في الصباح التالي . وكان سبابٌ وكان حزن ٌ… وليس لمصاب جدي من عزاء…

حسنا ً… لِنَقُلها بصراحة :جدتي عنيدة … وللنظافة في حياتها طقوس ٌ وقد جازفت هذه المرة عندما قالت لبعلها :

-“أو أنا أو العنزة بالبيت “.

Hausziege_04

 ولكن جدي ما كان له الخيار في هذا الأمر الجلل وقد ذرّف على السبعين ، وباتت جدتي عكّازه في أرذل العمر . أما لو كان الأمر قبل عقدين فقط ، لكان الخيار محسوما ً وبلا ترددّ…

إن خسارة عنزة ٍ في تلك الأيام البخيلة تكاد تساوي خسارة سيارة اليوم . وإنّ ما ندعوه اليوم بخلا ً نرمي به السلف كيفما اتّفق ،ومن باب التندرطبعاً، إِن هو إلا ّ الحرص والخوف من غد ٍ غادر. وهذا ناتج بطبيعة الحال عن تداعيات المجاعة  في الحرب الكونية الأولى وما تواتر من أخبارها عبر الأجيال …

ومهما يكن من أمر ، فقد أعمل جدي الفكرة في ما يمكن أن يعوض خسارته ولكن دون جدوى … وأخيرا ً إرتأى أن يحتفط بجثة الفقيدة بجوار حائط ٍ عند طرف “الدوّارة”  مفسحا ً في المجال أمام الكلب “غضبان” لينال منها ما يشتهي .

في الخارج ، توقف هطول المطر وتعالى هدير السواقي حاملة ً عطيّة السماء إلى الأوداء المجاورة … وتبدل عواء الكلب إلى ما يشبه التوسّل ، وهو يحاول الإلتصاق بالباب من الخارج علّ الرحمة تهبط على القلوب فيُفتح الباب ويحظى في الداخل  ببعض  دفءٍ.

rsz_hyena3

و في هذه الأجواء المدلهمّة المظلمة ، طرق سمعنا ضجة ناجمة ٌ عن إنهيار حائط حجري خلته للحظة ٍ جداراً في القبو . وفي غمرة التساؤل عما حدث ، هبّ جدي واقفا ً فوضع معطفا ً قديما ً على كتفيه وأمسك بعصاً غليظة ً وخرج في الليل وهو يردّد :

– ” السايب إجا عا العنزة  وهدّ الحيط” …

وبعدما رفعت جدتي كفها اليابسة عن فمها عاجلتها بالسؤال :

– ” شو السايب يا ستي ّ ؟ ”

فهمست جدتي في أذني :

-” هيدا الضبع ، سكوت ! ”

فخلته قد أصبح معنا في الغرفة ، فسددت فمي وأغمضت عينيّ  ودفنت جسمي تحت اللحاف لاعنا ً إصراري على النوم عند جدتي تلك  الليلة رغم تمنع الأهل …

إنه الضبع … نجم أحاديث القرويين حول مواقد الشتاء يتفنّنون في سرد أخباره ومآثره على مسامع الصغار، فيسافر فيهم الخيال إلى مغاور وأحراج تردد صدى خطواته في كل عقبة. والويل كل الويل للبيوت المنفردة …

وإذا كان للكتاب المقدس شيطانه ، فإن الضبع شيطان كتاب القرية …

وإن خبَت أخباره مدّته المخيّلة الشّعبية بما لم يحلم الضبع نفسه بمثله من المكر والسطوة .و إن أنسَ لا أنسَ ما انطبع في ذاكرتي وأنا حدثٌ من أن هذا المفترس الجبّار إذا أعيته الحيلة لجأ إلى بوله يبلّل به ذنبه ويرش على الإنسان من ذاك السائل العجيب -“مخدر تلك الأيام”-  فيصبح الرجل بلا حول ولا قوة ولا وعي فيسير خلف الحيوان إلى عرينه حيث النهاية المحتومة. ويكون الضبع بذلك أول من مهّد لما سمّي لاحقا ً بفنّ التنويم المغناطيسي …

كنت غارقاً في هذه الخواطر المخيفة عندما ارتجّ الباب ودخل جدي مرهقا ً وقد غطّته الأوحال حتى أخمصيه .وارتمى قرب الموقد يجففّ أوصاله مغمغماً باللعنات القديم منها والمبتكر… لقد تبع الوحش حتى فم الوادي واستطاع أن ينتزع منه الغنيمة بعد جهد جهيد، وزيادة في الإحتياط وضعها في الخارج على مقربة خطوات من الشباك الشمالي للمنزل …

11147064_1430003493968790_1900113104014043055_n
بريشة الفنان المبدع جريج بو هارون

وهناك ملتصقا ً بجدتي ملتفّا ً بلحافٍ صوفيٍ سميك لم يُكشف من وجهي غير عينين قلقتين رحت أصيخ السمع لأفهم كُنْهَ حوارٍ دار بين العجوزين.

كان واضحا ً أن الجدة فخورة بزوجها إلى أبعد الحدود وفي المثل الشعبي “لا يفلّ الحديد إلا ّ الحديد” … وقد ارتسمت على فمها ابتسامة ماكرة وفي نفسها من الزوج أشياء  … ولكنها ما لبثت أن وأدت بعض أمنيات وقامت لتصنع كوبا ً ساخنا ً من الشاي للعجوز البطل…

ولكن البطل لم تكتب له الراحة في تلك الليلة ، فما كاد الدفء يسري في عروقه حتى هبّ واقفا ً من جديد ٍ متأهبا ً للمعركة الفاصلة. فضيف الوادي السَمِج يأبى الهزيمة . وقد أعاد الكرّة ، تدفعه غريزة ٌ فولاذّية ٌ فالجيفة مرصودة ٌ على اسمه مذ كانت ضباع ٌ وكانت في الأرض جيفٌ …

ولو كان للظلمة أن تنطق ، ولحجارة الحفافي أن تشهد لكنّا عرفنا ما جرى بين الغريمين الندّين في كبد ذلك الليل البهيم …

وبعد زمنٍ غير يسير ، عاد الجدّ في حالة ٍ مزرية ٍ ، مبلّل الأسمال ممزّقها ، مبعثر الشعر وقد لطّخت الوحول وجهه وأدمت أطرافَه الأشواك . لكنّ بريقٌ في عينيه كان كافيا ً ليزيد فخر جدّتي فخرا ً …

هذه المرّة ، إزاء تصميم الوحش ، كان لا بد من تدبيرٍ إستثنائي ٍ …

وعلى كتفه ، حمل جدي ما تبقى من أشّلاء العنزة وصعد على السّلم الخشبيّ حتى السطح حيث أودعها بمأمنٍ هناك ، ونزل إلى البيت في هيئته المزرية تلك …

أما الجدة فقد همّت بالماء الساخن تزيل الوحول عن الجسد المرهق وتنظّف الجروح المبعثرة .

Bassem Aoun

وساد السكون … وعادت الجدة إلى فراشها قرب الصغير . ومن على دكّته قرب الموقد، راح جدي  يحتسي الشاي ويرسل في فضاء الغرفة سحابة ً من دخان لفافة ٍ من تبغٍ بلدي ٍ أعدها احتفالا ً بالنصر المبين. وراح بين الحين والآخر يغمغم ببعض همهمات ٍ ، ويهمس للجدة :

– ” أوعى يسمع الصبي “.

ولكنني سمعت وفهمت أيضا ً .لقد عاد الوحش وها هو الآن يدور حول البيت يبحث عبثا ً عن ضالّته ، تستفزّه رائحة ٌ نتنة ٌ منبعثة ٌ من مكان ٍ ما ، ويدفعه جوع ٌ ابدي ٌ لا يُشبع.

…لا أذكر متى غابت عن أذنيّ وقع َ قوائم الوحش على الحصباء في الخارج ، ولكنني أذكر جيدا ً وجه جدي وقهقهته المدوية المجلجلة عندما طلبت منه الجدة – ونزولا ً عند رغبتي طبعا ً – أن يبعد السلّم الخشبي ّ عن جدار البيت …
 

6a00d8341bf67c53ef014e6009635c970c-800wi

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s