“حتى تعود الجمهورية”

abi saab
د. أنطوان صفير

د. انطوان صفير:

“نعيش ازمة نظام دستوري وسياسي

اكبر وأعمق من أزمات الحكم والحكومات”

المحامي شارل ي. أبي صعب

charles abi saab
المحامي شارل ي. أبي صعب

توالت الأحداث على الصعيد الدولي وانعكست على الصعيد الاقليمي في الدول المجاورة، بحيث يبقى لبنان اسير النزاعات والتسويات من دون افق موعود للحل المطلوب.

ان لبنان من أشد المتأثرين بما يدور من حوله، وبحروب مباشرة أو غير مباشرة للآخرين على أرضه. ولكن لا يمكن بالمقابل اغفال حقيقة يستحيل تجاوزها، وهي اننا نعيش أزمة نظام دستوري وسياسي أكبر وأعمق من أزمات الحكم والحكومات.

فالنظام الدستوري يحتاج الى تطوير وتحديث، بعدما افرزت الممارسات ضعف آلية الحل والحكم، أو بالأحرى نقص النصوص الدستورية الى حدّ أصبح معه الكثير من الازمات من  دون حل، لا بل أمام مأزق تتدخل فيه السياسة الملتوية عند كل استحقاق، فتعزل الدستور نصًا وروحًا، وتوقظ الغرائز والمصالح، وتستنبط حلولاً مؤقتة مرضية وغير مرضية.

 

انطلاقاً من تشعب هذه الأفكار، جمع الدكتور انطوان زخيا صفير  كافة المعطيات المطروحة داخليًا وأقليميًا في غمرة احداث متراكمة ومرتقبة، في كتاب دعاه ” حتى تعود الجمهورية”  استقرأ الأحداث من خلاله  بتحليل سياسي منطقي وخبرة قانونية، مرتكزة على النصوص والمواد القانونية المختصة بها تطبيقاً لاحكامها، لا سيما وان الدكتور صفير هو الحقوقي المتخصص في القانون الدولي ورجل القانون المحاضر الواسع المعرفة والثقافة لدى أكبر المعاهد اللبنانية والدولية أخصّها فرنسا والولايات المتحدة.

abi saab-1

الازمات أدّت الى فراغ كرسي الرئاسة

كتاب عبّر من خلاله المؤلف عن معاناة  اللبنانيين جراء توالي الازمات التي ضحى من أجلها هذا الشعب لوضع حدّ لها انما بقيت تلاحقه نتائجها المفرطة بالعجز حتى وصل الى حدود الانهيار. وتتراوح حالة البلاد مكانها، وتستمر عناصر التأزيم المتفاقم مع مرور الايام والأشهر من دون حكومة في البدء، ومن ثم المنتظر أيضًا ضمن هذا السياق الوصول الى افراغ كرسي الرئاسة. وهكذا حصل.

اخذت الازمات المفتوحة المفتعلة عن قصد وغير المفتعلة، تتوالي وتتعاظم، حتى أدّت الى عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية. فالتوجه برأي المؤلف الدكتور صفير للتمديد او للتجديد  سقط من التداول لأنه حسب نظريته العميقة للاحداث الجارية هو شقيق الفراغ السياسي والدستوري في ارساء نظام ديموقراطي معطل، غير منتج وغير متجدد.

 

ويدعو من هذا المنطلق اهل السياسة ان يتخذوا من التسويات الاقليمية، اذا حصلت، مجالاً حيوياً للتفكير بمسقبل الوطن والمواطنين، في واقع النظام السياسي والدستوري وضرورة تحديثه بعدما أرهقته السنوات والشواذات المستمرة والتبعيات القاتلة والمصالح الضيقة.

 

ونلتقي معه بالهدف والنظرة الثاقبة لبناء وطن نموذجي، بأن مستقبل الوطن لا يبحث أو يطرح بالتحدي ولا بالتهديد والوعيد ولا بالترغيب  والتوزيع، بل بارادة وطنية جامعة صافية تتطلع الى استقرار لطالما اخذناه اطارًا لبحث كل الخلافات بروحية مسؤولة وعالية وعادلة.

التعطيل الرئاسي

أما بالنسبة للتعطيل الرئاسي، يرى المؤلف صفير ان الازمة الرئاسية ارخت بظلالها على الواقعين التشريعي والاجتماعي، اذ ان التشريع في نظره وكقانوني بارع متمرّس في هذا المضمار غير جائز دستوريًا طالما لم يتوصل المجلس النيابي الى انتخاب رئيس جديد الاّ اذا فرضت المعطيات تشريعًا بحكم الضرورة البالغة، ولاغراض تتعلق بمصلحة الدولة العليا. ” لقد أخذت السياسة المنتجة عطلة طويلة وقسرية، والمؤسسات دخلت في غيبوبة وان غير كاملة. والقصر الرئاسي يركن الى سكون قاتل“.

فنحن ومؤسساتنا ونظامنا السياسي والدستوري هل سنظل في الانتظار؟ ويضيف المؤلف عن هذا التعطيل المجحف بحق الوطن والمواطن بان اكثرية اسبابه ناتجة جرّاء تبادل التهم والخطابات الجارحة ضد الزعماء والنواب والمسؤولين عن مقدرات هذا الوطن، والتجاذبات السياسية الهدامة، فالعنف الكلامي لا يجدي. وتقاذف المسؤوليات لا ينفع. بل يجب ان تبقى الخيارات السياسية ضمن ضوابط الوفاق ولو بحده الأدنى. ولنترك المهاترات ضد بعضنا جانباً، لأن القضية واحدة، وهدفنا واحد وسيادتنا واحدة وأرضنا واحدة وان اختلفت الاساليب وتصارعت وتداخلت الافكار.

خوفًا من ضياع الوطن

أما رحلة الوطن الدستورية فتراوح مكانها ولا مَن يسأل؛ حتى أننا بتنا نخاف أن تضيع الرئاسة فعلاً، ويمدد للمجلس بحيث يُنتقص أكثر وأكثر من شرعيته، لنصبح بالتالي في واقع انحلال المؤسسات بشكلٍ خطير، في دولة بلا رأس ولا خيار لها غير المسكّنات القاتلة من تأجيل للقرارات في الاقتصاد والنقل والتربية والشؤون الاجتماعية، الى تراكم الديون، وغياب الخطة الشاملة. ولنأخذ مثلاً يعاني منه المواطن يوميًا بدون ايجاد حلّ قضية الكهرباء فيورد المؤلف حرفياً عن الازمة المتفاقمة: “اما الكهرباء فتستضيء عوض أن تضيء، تستضيء بنار القلوب الغاضبة لما آلت الى احوال المؤسسات العامة بعدما دفعنا وندفع ثمنًا باهظًا في سبيلها وظلّت تتراجع، بفعل ان القرارات المناسبة لا تتخذ في الوقت المناسب.”

هذا اللبنان لن يشكّل بأرضه وجوهره ومياهه، محطة لمغامرات غير محسوبة، لأن القرار الدولي الوحيد شبه واضح وهو إبقاء وطن الأرز بمنأى ولو بشكل محدود عن الحروب المشتعلة في الجوار.

ان تشرين الطالع لن يحمل معه رئيسًا جديداً موعوداً، بل التمديد تلوى التمديد للمجلس النيابي وغيره هو تمديد بالتالي للأزمات.

ومع ذلك تبقى إرادة الحياة الديمقراطية شُعلة في قلوب اللبنانيين المؤمنة. إن هذه القلوب تؤمن ان لا خيار سوى تجديد الدم السياسي وتثقيف المواطنين على تداول المسؤولين بأغلبيتهم عبارة واحدة ” لو دامت لغيركم لما آلت إليكم”. فإن بقيتم، وبهذا الشكل والمسار لن يكون هناك تجديد للحياة الوطنية.

حتى تعود الجمهورية

نعم إنها الجمهورية الضائعة في بلادنا، حيث المرجعيّة مشتتة بين قائل بالتمديد للمجلس ومعارض له، بين جلسة تتسم بالميثاقية او تفتقد لها.

إنها الجمهورية التي يجب ان تعود قبل ان يسقط الهيكل برمته، فيضيع حلم الحريّة المتجسّد بدولة تعددّية مدنيّة، تتواصل مع محيطها كرسالة علم وعمل.

هذه الجمهورية التي يجب ان تعود، لا تستقيم أوضاعها وتعود إلا عبر وضوح في الرؤية وانفتاح في المنطق وشفافية في الممارسة، وقول الحق على صعوبته، والالتقاء في حوار دائم، يبغي أول ما يبغي وقف الانهيار والعودة الى منطق المؤسسات الدستورية، لعلّ الجمهورية تعود وتبقى.

رئاسة لا تأتي إلاّ من رحاب التجربة اللبنانية القائمة على الاعتدال اولاً وأخيراً. وعلى الواقعيّة وعلى قراءة الوقائع بعين الخبير المتجرد، وعلى الاعتراف بان التعددّية تعني عدم الحذف والحذر والتمادي في إرساء تفاهمات جانبيّة ونزاعات خارجة عن نطاق المؤسسات الدستورية والمبادئ الميثاقية المتوازنة.

رئاسة لبنان لعلّها تأتي برئيس يؤمن ان الدفاع عن الحقوق الاساسية للمواطنين هي اولى الأولويات، اي كرامة الشخص البشري خارج الانتماءات ، والحق في الصحة والتعليم والشيخوخة وحل مسائل النقل وسلامة الغذاء والدواء وسواها قبل السياسة وفيها وبعدها.

استقلال وحلم

الاستقلال هو هدف نعمل له بالآلام والآمال، بالشهداء والمخطوفين، بالمعذبين في الوطن، التائقين الى عدالة اجتماعيّة ، بكل صلاة ارتفعت وترتفع تحت كل سماء في قرانا وبلداتنا، لعلّ ديمقراطيتنا المعطّلة تعاود النشاط والحريّة السائبة تستعيد التوازن، والسياسة العامة تسترجع معايير المسؤوليّة، والأهداف الشخصيّة والشخصانيّة تمتزج بحبّ الوطن وأهله.

 

استقلالنا نراه ناجزًا يوم يرفرف علم لبنان الذي تتوسّطه أزرة خضراء نقيّة غير ملوّنة بلون ولون فوق كل شبر من تراب لبنان الوطني، وفق ما تحدّده المعايير القانونيّة الدوليّة، التي تنظم السيادة الوطنيّة في أرض وجوٍّ وبحرٍ، وتُخضعها لسلطة دولة قادرة على تطبيق قوانينها المرعيّة ونُظمها المعتمدة ضمن حدود سيادتها، من دون خجل أو وجل.

هذا هو استقلالنا المنشود يخرج من شهادة الأموات والأحياء، ينفض غبار الفساد والتبعيّة والخروج عن النصوص الدستورية ويعبر الى رحاب العدالة الاجتماعية والانمائية، وقبلها العدالة السياسية حيث استقلال لبنان لا يعني ان نخرق القانون الدولي أو نتحايل على الشرعيّة الدوليّة او نخرج عن الاجماع العربي؛ بل يعني ان لبنان دولة ذات سيادة، وعلى العرب والعالم حماية هذا النموذج الفريد لأنه بتكوينه الأصلي الأصيل يناقض التكفير بكلّ وجوهه، والإرهاب بكل ألوانه، وسياسة شطب الآخر وقطع الرؤوس وتغييب الأصوات وطمس الأفكار وضرب الحداثة.

استقلال لبنان يعني عودته جسرًا للحداثة في شرق وغرب.

 

أفقر الرؤساء وأغناهم

لفتني كما لفت الناس والقادة عبر العالم في اكثر من دولة، رئيس الاكوادور الذي دُعي بأفقر رئيس في العالم وهو يحتفظ بسيارته القديمة العهد وبعاداته التي رافقته قبل الرئاسة وخلالها. وذكّرني بزمن الكبار ومنهم الرئيس المرحوم فؤاد شهاب الذي بقي مؤمنًا ان السلطة هي فقط للخدمة العامة. وليس بأي شكل من الأشكال لجني الأرباح وتقوية النفوذ وتكديس الأموال. تلك الأموال شبه الحلال التي تأتي مّما يسمى Conflict of interest. أي تضارب المصالح، عبر استثمار النفوذ العام لتحقيق ثرواتٍ خاصة للشخص “الرسمي” أو لعائلته وأنسبائه ولفيفه.

 

والرئيس الإكوادوري الفقير هو نموذج حيّ عن معنى الخدمة العامة والخادم العام Serviteur public  في بلدٍ  من بلدان ما يسمى بالعالم الثالث، حيث خرج من السلطة مدججًا بإنجازات ستخدم شعبه طوال سنوات وعقود، بينما نرى بعض أهل السلطة عندنا والسلطات يدخلون ولا يخرجون، وإن خرجوا فمعهم مآثر ومقتنيات ولا حسيب أو رقيب.

 

أما أبواب الوظائف العامة والخاصة فموصدة بوجه أصحاب الكفاءات العالية، إلاّ لمن عرف منهم كيف يطأطئ الرأس امام بعض معلمي الأرض، لعلّه كما يقال في لغتنا المحكيّة “يستر” نفسه وعائلته منتظرًا يوم الفرج في لبنان الجديد.

والأدهى هو الطوباويات السياسية التي يدلي بها بعض من استثمر السلطة حتى الثمالة، وحجزوا المناصب العليا دون استحقاق غير التلكؤ والتسكع والصمت عن الباطل ولا يكفي، فالرسالة مستمرة.

ويذكرنا المؤلف الدكتور صفير بمن نادوا بالوحدة الوطنية من بينهم وجه غاب عن كنيسة لبنان، هو المطران فرنسيس البيسري المثلث الرحمات، رجل الله ومعلّم الفلسفة الذي ترجم ما ترجم من كتب ودراسات، والذي قال يومًا عن الوحدة الوطنية إنها قدر لا بدّ ان يتحقق دون إرادات الغير والخارج بل بإرادات الداخل، وظلّ ترتسم على وجهه ابتسامة دائمة رغم الأزمات والمصائب والحروب وما بعدها.

وجوب تحديث النظام  لحل الخلافات السياسية

تتوالى المسائل الخلافيّة في السياسة وحتى في الدستور والقوانين وفي كيفية تطبيقها. وفي هذا الشأن أشار المؤلف الى ان النظام عندنا بات بحاجة الى تحديث أكيد، ولكن في الفترة المناسبة بعد انتخاب رئيس وعودة عجلة المؤسسات.

هذا التحديث يعني ضرورة إعادة قراءة النصوص والنظر في مدى ملاءمتها لواقع الحال عندنا، آخذين من التجارب ما يمكن الاستفادة منه لتطوير البيئة الدستورية والقانونية والسياسية والاقتصادية بما يخدم تثبيت وجود لبنان في العالم المعاصر، حيث تخوض التقنيات معارك ضد التقليديات وعلى أكثر من صعيد، وحيث تطيح أنظمة الشركات العابرة للحدود المتعدّدة الجنسيات قوانين بلدان وأعراف شعوب. وبقاء القوانين على حالها يعني تراجعاً أكيدًا ينعكس وسينعكس على مستقبلنا الآتي في شتى المجالات والأطر.

من هذا التحذير المقلق يذكّر الكاتب المؤلف صفير بما أُطلق بالأمس عن كتاب يتضمن وثائق البطريرك أنطون عريضة الوطنيّة، وقد طالعنا فيها الرسائل والوثائق والخطب التي نادت بالاستقلال كمساحة تلاقٍ بين اهل لبنان في وطن تعدديّ حرّ يتميّز بروح السماح والاعتدال ومنطق الحريّة المسؤولة. وإذا استقرأنا المواقف نرى أنها تصلح بمفاهيمها ليومنا هذا، بعدما ساءت أوضاع العدالة وتراجعت أدوار المؤسسات وتبدلت مفاهيم التوازن الوطني. علّ هذه المواقف الجريئة تكون عبراً وامثولات للمسؤولين عن مقدرات هذا الوطن.

أمّا الحياد فإنه يصلح اليوم قبل الغد ولم يزل لحالنا الوطني القابع بين عدوّ غاصب وأشقاء يتمرّسون بالخصام فيما بينهم.

كتاب سلّط الضؤ على مجمل الأزمات والخلافات التي تعصف بالوطن، محاولاً المؤلف الدكتور صفير ايجاد الحلول الناجعة لها، لكن رغم الحلول المقترحة يبقى تطبيق النوايا رهن بالتغييرات الداخلية والاقليمية، فعلى اهل السياسة وليس اهل القرار، واقول اهل السياسة لأن القرار النهائي ليس بيد اللبنانيين، ان يتخذوا من التسويات الاقليمية الموعودة مجالاً وأفقاً ومرتكزاً حيوياً للانطلاق مجدداً وللتفكير بتسوية اوضاع الوطن والمواطنين، وفي واقع النظام السياسي والدستوري وضرورة تحديثه بعدما ارهقته السنوات واصبح بحاجة ملحة الى التطوير، اضافة الى نبذ الشواذات المستمرة والعلنية دون رادع والتبعيات القاتلة والمصالح الضيقة الشخصية القابعة خلف المصالح العامة.

—————

*كتاب من الحجم الوسط يقع في 160 صفحة- تأليف الدكتور انطوان زخيا صفير – الطبعة الأولى.

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s