فلسفة الإعجاز اللغوي في العلوم

Hassan Ajami.jpg
د. حسن عجمي

د. حسن عجمي

يسعى العلم إلى صياغة نظريات ناجحة في التعبير عن حقائق و قوانين الكون و تفسير ظواهر الطبيعة موضوعياً على ضوء اختبار الواقع كما يهدف إلى إنتاج نظريات مفيدة في بناء تكنولوجيات متطوّرة. لكن العلم إعجاز لغوي أيضاً.

albert-einstein-22
أينشتاين

يتمثل الإعجاز في التعبير الأجمل عن معلومات كثيرة من خلال استخدام العدد الأقل من الكلمات و الجُمَل بحيث لا يتمكن الآخر من فعل ذلك. و الأمثلة على أن العلم إعجاز لغوي عديدة و مختلفة منها : أولا ً , قول أينشتاين إن الله لا يلعب بالنرد. فهذا القول قول علمي لكنه في آن إعجاز لغوي لأنه يتضمن معان ٍ عدة من خلال عبارة واحدة و قصيرة و جميلة. و عبارة أينشتاين تحتوي على معان ٍ عديدة و متنوعة منها أن الكون محكوم بقوانين حتمية ما يتضمن من منظور أينشتاين كذب ميكانيكا الكم التي تقول بلا حتمية قوانين الطبيعة. و بما أن الكون محكوم بقوانين حتمية من المستحيل خرقها أو وجود استثناءات لها , إذن الله لا يلعب بالنرد أي أنه لا يحكم الكون من خلال ما هو مُحتمَل بل يحكمه من خلال ما هو حتمي. فعبارة أينشتاين تعني أن الأسباب و قوانين الطبيعة تحتم نتائجها بدلا ً من أن تجعلها مجرد محتملة. و بذلك من غير الممكن أن يحدث اختراق للقوانين الطبيعية أو ما هو نقيضها (1). عبارة أينشتاين ” إن الله لا يلعب بالنرد ” تتضمن المعلومات السابقة كافة , و لذا تلك العبارة العلمية هي إعجاز لغوي. من هنا , العلم إعجاز لغوي حيث يعجز الآخرون تماما ً كما عجز الآخرون قبل أينشتاين عن صياغة عبارة ” إن الله لا يلعب بالنرد “.

ثانيا ً ,  صاغ أينشتاين مصطلحاً علمياً جديداً ألا و هو مصطلح ” الزمكان ” الذي يشير إلى أن الزمان و المكان يشكّلان كائناً وجودياً واحداً لا يتجزأ. و من خلال هذا المصطلح حلّل أينشتاين الجاذبية و المادة حين اعتبر أن الجاذبية ليست سوى انحناء الزمكان و أن المادة هي اضطراب الزمكان(2).على هذا الأساس مفهوم “الزمكان ” يتضمن فكرة أن الزمان و المكان يكوّنان بُعداً وجودياً واحداً و من خلاله نتمكن من فهم و تحليل الجاذبية و المادة. هكذا مفهوم ” الزمكان ” هو إعجاز لغوي لأنه يتضمن معلومات قيّمة رغم أنه يتكوّن من مجرد كلمة واحدة. لكنه مصطلح علمي. و بذلك العلم إعجاز لغوي. ثالثاً , أنتجت نظرية ميكانيكا الكم العلمية مصطلح ” السوبر مكان ” الذي يدل على أن الجُسيم نفسه كالإلكترون يعبر من كل الأمكنة و الممرات الممكنة في آن لكونه جُسيماً و موجة في الوقت ذاته. و بذلك ” السوبر مكان” كمفهوم علمي يشير إلى أن الجُسيم جُسيم و موجة في آن و أنه يعبر من كل الممرات الممكنة رغم تعارضها و اختلافها فيتخذ مساراً مستقيماً و مساراً ملتوياً و آخر شبه ملتو ٍ إلخ في الوقت نفسه , و بذلك تتحقق الممكنات كافة من منظور ميكانيكا الكم (3). هكذا مصطلح ” السوبر مكان ” إعجاز لغوي لكونه يحتوي على المعاني العديدة السابقة رغم أنه كلمة واحدة. لكنه مصطلح علمي. لذا العلم إعجاز لغوي.

Ajami-alan guth
آلن غوث

رابعاً , يؤكد الفيزيائي آلن غوث على أن الوجود أي الكون موجود لأنه عدم ؛ فإذا جمعنا طاقات الكون سنجد أنها تساوي صفراً بسبب أن الطاقة الإيجابية للكون تساوي طاقته السلبية. و بفضل عدمية الوجود بالمعنى السابق نشأ الكون من العدم المتكوِّن من طاقات متعارضة. العدم نفسه يتشكّل من طاقات متعارضة ما يؤدي إلى اختزال بعضها البعض. لكن بسبب أن العدم يتعرض للتقلب الكمي من منظور نظرية ميكانيكا الكم فمن المحتمل أن لا يحدث اختزال لطاقة معينة في العدم و منها من المحتمل نشوء الكون. و كل الاحتمالات متحققة بالنسبة إلى نظرية ميكانيكا الكم. لذا نشأ الكون من العدم (4). الآن , عبارة الفيزيائي غوث ألا و هي ” الكون موجود لأنه عدم ” هي في الحقيقة إعجاز لغوي لأنها تتضمن المعلومات القيّمة و العديدة السابقة رغم كونها مجرد عبارة قصيرة واحدة. لكن هذه العبارة عبارة علمية. من هنا العلم إعجاز لغوي.

ajami- Leonard Susskind
ليونار ساسكايند

كل هذا يشير إلى أن فلسفة الإعجاز اللغوي جزء لا يتجزأ من العلم و عملية صياغته تماماً كما أن الإعجاز اللغوي كامن في نبض الكون و الوجود. بما أن العلم إعجاز لغوي , و علماً بأن العلم يُعبِّر عن الكون , إذن الكون إعجاز لغوي أيضاً. فالكون لغة ترسِل معلومات عديدة و مختلفة من خلال إرسال موجات ضوئية و صوتية التي بفضلها يستنتج العلماء مما تتكوّن النجوم و الكواكب و كيف تتحرك في الفضاء. و هنا يكمن الإعجاز اللغوي للكون. فالكون إعجاز لغوي لأنه ينجح باستمرار في إرسال رسائل معلوماتية حول مما يتكوّن و كيفية تكوّنه. و يفعل ذلك من خلال الموجات المتنوعة كالموجات الضوئية و الصوتية التي يصدرها و التي من الممكن دراستها و اعتمادها لإستنتاج مما يتكوّن الكون. و الكون بذلك يستخدم لغة من الممكن تحليلها و فهمها ما يؤكد على أن الكون إعجاز لغوي. فالكون قادر بنجاح على أن يعبِّر عن حقائقه و قوانينه الطبيعية و بذلك يُمكِّن العقل من الحصول على معرفة الوجود. الكون يخاطبنا باستمرار من خلال رسائله المتنوعة , و لذا من الممكن للبشرية أن تدرك الكون و تعلمه. فالمعرفة ممكنة لأن الكون إعجاز لغوي. رسائل الكون كرسائله الضوئية و الصوتية تتضمن معلومات هائلة ما يؤكد على الإعجاز اللغوي للكون.

ajami- Art Friedman
آرت فرايدمان

جرت العادة أن نميّز بين الكون و اللغة. لكن هذا خطأ تاريخي أصاب العقل البشري لآلاف من السنين. فلو كان الكون ليس لغة حاملة لمعلومات حينها لن يُرسِل معلومات. و بذلك هو كون بلا معلومات أي هو كون ميت. و هذه صفة الثقب الأسود الذي من المفترض أن لا يُرسِل أية معلومات. لكن طبعاً الكون ليس ثقباً أسود. من هنا  الكون لغة , و لا يوجد كون بلا امتلاكه للغة من خلالها يُعبِّر عما هو و مما يتكوّن. و للكون لغته الخاصة المتمثلة في رسائله الحاوية على المعلومات التي على ضوئها يوجد و يتشكّل. لا وجود لموجود بلا لغة. لذا كان من الضروري وجود العقل ليقرأ لغة الكون.

Ajami-universe-before-big-bang

المراجع

(1)

  1. Einstein & M. Born: The Born-Einstein Letters. 2004. Palgrave Macmillan.

(2)

Albert Einstein: Relativity-The Special and General Theory. 2014. CreateSpace Independent Publishing Platform

(3)

Leonard Susskind & Art Friedman: Quantum Mechanics. 2015. Basic Books.

(4)

Alan Guth: The Inflationary Universe. 1998. Basic Books.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s