كتابة على جدار… عبدو لبكي

عبور الهوّة بين استقلال

الإرادة ومطالب الوجود

abdo
عبده لبكي

 جيهان بجاني

لقد نمت الفلسفة الوجوديّة من التأزم العميق الذي عاشه الإنسان بكل وجدانه في عالم مهموم، عالم لامخرج له مما هو فيه، عالم منغلق، فولدت من الثورة على هذا الانغلاق، ومن توكيد قدرة الإنسان على مقاومة العدم وإعطائه معنى وتجاوزه. حينما يشعر الإنسان بالاغتراب وما يصاحبه من يأس وقلق، يشعر في قرارة نفسه بالحاجة الى الوجود الحقّ، ويراقب حركة الزمان المتناغم مع هذا الوجود، فيتساءل عن معنى هذا الوجود، ومدى قيمته، وعن فاعليّة هذه الحركة والغاية منها، وعمّا بعد هذا الحضور الآنيّ في هذا العالم.

ولا تزال الإجابات، حتى اليوم مدار جدال ذاتي وفكري، يخالج الحياة العاطفيّة للإنسان، كما يسمّيها الوجوديّون، أي الحالات الوجدانيّة كالقلق والملل واليأس والخوف…، وعلى مدى ارتباط الإنسان بالعالم والوجود، فهل يتمتّع هذا الموجود البشريّ بهامش من الحريّة في ظلّ هذا النظام الكوني المنتظم؟

jihane bejjani
جيهان بجاني

يحاول الشاعر عبدو لبكي، في ديوانه “كتابة على جدار”، أن يرسم بريشة القلب والفكر،ذاتيّة الخطوط، شموليّة الرؤية عن المصير وحركة الزمان الممتدّة من الولادة حتّى الموت، ليتخطّاها الى ما بعد الموت، بقالب شعريّ جمالي، وبلغة تعكس عمق أعماق الحروف، وكتابة تبوح على جدار تاركة آثارها للزمان، يمحو بعضها ويترك أخر ذكرياتوأصداء ومدى في جدار الحياة الثابتة؛ أناس يأتون ويرحلون في خط الزمان المترنّح بين الوضوح والغموض، بين الوجود وماهيّة هذا الوجود؛ على حدّ قول جبران ” نحن نقيس الزمان بمقتضى حركة الشموسالتي لا تحصى، وهم يقيسون الزمان بآلات صغيرة يحملونها في جيوبهم”.

حملت قصائد هذا الديوان الموزّعة على سبعة فصول، هواجس النفس البشريّة في فهم سرّ الوجود وما يعتوره من تناقضات يقف الإنسان أمامها مذهولًا عاجزًا، يتخبّط في بحورها علّه ينجو بنفسه؛ فمنهم من يكون مروره كالغبار، ومنهم من يرسم جداريّة خلوده. قصائد قصيرة الطول، كلّ منها على صفحة مستقلّة، أسطرها قليلة التفعيلات تعكس مدى القلق الوجودي الذي تعانيه الذات البشريّة.

يستهلّ الديوان بقصيدة “الأبديّة” : “لم تكن (سنة من العمر)يومًا/ رفيقة بي، / إلّا أنّها تصحبني/ بهدوء/ الى رقادها النقي/ فاتحة ظلالا/ على الأبديّة” فعن أيّ سنة أو زمان يتحدّث؟ يتبيّن، بعد عمليّة إحصائية، أنّ هناك نفيًا مؤكّدًا للماضي مع ظرف الزمان(يومًا) ثمّ ربطها بالمستقبل(الأبديّة) وظرف الزمان (أبدًا) وما بينهما كحدّ فاصل (اللحظة)؛ ففكرة المستقبل والحاضر والماضي بأكملها تخضع لانطباع الإنسان اليوميّ عن انسياب الزمان الذي يحمل بعدًا كلّيًّا أساسيّا غير الحركة، وينفصل عن مضمونه الفيزيائي؛ وقد ميّز هنري برجسون بين الزمن العلمي وما يسمّيه”الديمومة الحقّة أو الزمن المعاش وهو زمن شعوري نفسيّ من حيث طبيعته، وسلوكي من حيث ترتيبه” ، لذا لم يعد الزمان دوريًّا، بل صار تطوّرًا، ونحن جميعًا أبناء هذا الزمان الذي يلتهم أبناءه. فالسريان المتّسق للزمان، يضرب  دون رحمة أعماق المدنيّة “شحرور لم يعد يستطيع الغناء” أو ” تعب الضعفاء الذي لا يصنع أبدًا لؤلؤة”، فيشعر الإنسان شعورًا حادًّا بالانقضاء الذي لا رجعة فيه، يولّد لديه خوفًا وقلقًا، يحثّ على لتأمّل بصمت الثورة، لتغيير مسار ذاك الخط المستقيم الذي يتدفّق بسرعة متساوقة عبر الكون في اتجاه واحد، وعلى الاحتجاج على القبول الأعمى للقوانين الأخلاقية التي تُفرض من خارج الذات البشريّة: “حين أقول الكلمة/ التي لم تعنِ يومًا /غير الغضب… لكي يعود الى صمتي / إيقاعُ الطبول”، “نزلتُ البكاء الذي يدخل جوف الأسماك وطويلا / في وجه الزمن الكبير نظرت /  فلم أرَ / ولم أفتح يدي/ لأنّ الزمن وضع فيها جمجمته” فيفصل الشاعر في ماهيّة الزمان المرتبط بالوجود، ليخلق صراعًا وجوديّا للموجود البشري في اختياره  بين الزمن الفيزيائي والزمن الأصيل أو بمعنى آخر بين الوجود الأصيل والوجود الزائف غير الأصيل “بقلب أبديّ استريح هنا..وعقاربي كثيرة..”

يلفتنا في الخطاب الشعري، غلبة الضمير المتكلّم وابتعاده عن الغائب إلّا في أماكن محدّدة الأهداف، وهذا دليل على أنّه لا يحسب لنفسه مكانًا فريدًا ومنظورًا في العالم، بل كائن فريد، ومتميّز عن وجود أيّ إنسان آخر “أنا الحيّ الوحيد في هذا العالم”، كما هي دازين عند هيدغر (الوجود المتعيّن= الوجود هنا أو هناك، والحضور المباشر(التقليدي)، والوجود البشري أي الكينونة،وهي عناصر تأكيد لوجوده الفردي والفريد؛ فكلّ ما يتعلّق به هو ملكه وخاصّته.

jihane

إنّما هذا الوجود البشري لا يتمّ بمعزل عن العلو، بحسب يسبرز، فالذات الفرديّة التي تظلّ دائمًا فرديّة، والتي لايمكن استبدالها أبدًا، تلفّها الحريّة من حيث هي هبة العلو التي تعرف واهبها” لن تتمكّن الحرب أبدًا منّي.. فالأعشاب البطيئة لا تشيخ” فهو ينتظر أمام مرآة الذات، والعمر يحترق “منذ لحظات/ تغيّرت الأحرف/ أسرع القطار مشتعلًا/ بالفرح …لا تزال منذ ألف سنة/ تنتظره لقبلة طويلة”. فالصعوبة الملازمة للوجود البشري والتي يواجهها الفرد الموجود، هي صعوبة يستحيل التعبير عنها تعبيرًا حقيقيًا بلغة الفكر المجرّد، أو أن تقدّم إليها اللغة تفسيرًا. فهذه الأزمة ناشئة من كون هذا الفرد مركّبًا من الزماني والأبدي وقائمًا في قلب الوجود ” لا شيء سيتغيّر وإنّي سأبقى هنا في الضوء الضعيف المتسلّل وعليّ أن أمشي ولا أتوقّف”.

لا بدّ من الإشارة الى أنّ هذه النفحة الوجودية لم تجرّه الى العدم واليأس، بل رسمت للشاعر زمانه في خطّ مستقيم نحو العلو والمطلق “ربّما في اتّساع اللحظة/ فعل ابيض… يقرّر غايته، ظلّا /أو قراءة على حاشية الموت”، متسلّحًا بكلّيّته جسدًا وروحًا؛ فجسده غير مستقلّ عنه ولو كان أكثر من جسده “عين تعيش في أعماقي مشتعلةً/ قلبي نقيّ/ بقلب أبدي أستريح/ أغمض عينيّ/ لم أفتح يدي…”، فأعضاء جسمه تتناغم وتتعالى نحو الأثير، لتتحرّر من العالم مع ما يحمله من أسى وغربة وموت، ليسير قدمًا صوب نهاية محدّدة ينتصر بها على الخوف والضعف والخضوع “في يدي صراخ من النار المبتسمة / وتعزف الأناشيد للجسد الذي يصمت”، “لم يعد غير الرقص/ أمام جسد بلا حدود/  وأحلام طفولة قديمة”.

يدعو الشاعر في قصائده المفعمة بالثنائيات الضدّيّة،الى استقلال الإرادة، والحريّة في تغيير مسار الزمان ؛فكما يقول هيدغر” الموجود البشري هو الوجود في العالم، وذلك يعني لونّا من العلو على العالم بفضل ظهور الإنسان خارجًا منه أو منبثقًا عنه، وإن كان مهدّدا باستمرار بأن ينزلق الى مرتبة الموجود داخل العالم، ويفقد بذلك وجوده المتميّز، ويستوعبه مستوى من الوجود أدنى من المستوى البشريّ” ؛ وهذه مفارقة أساسيّة أظهرها عبدو لبكي في تمرّده على الانكسار والإحباط، والخوف من المجهول الذي يغتصب الوقت، وعدم القدرة على الاختيار بالرغم من سجنه في ” علبة” أو صندوق”، إلّا أنه وضع الوجود البشري في تحدٍّ مقابل وجود الأشياء الجامدة الذي ينتهي بالموت، في انتظار متقن مراقب ومترقّب ” إنتظار برتقالي” ، “وأنا أنتظر/ والارض التي نتخيّلها ستغيب يومًا”، فهو يرفض أن يكون مع اليائسين، والمستسلمين للأقدار “إنّ الليل الطويل يناسب البشر الذين أنظر إليهم”، بينما يرى نفسه يبتعد “مع الذين يموتون في الظلمة المتفائلة وهم يبتسمون”، يعطي معنى لوجوده الإنساني في الخروج عن الذات وتجاوزها نحو الآخر ” سيبقى الشتاء ملجأي وكذلك الحبّ .. وإن منحوتًا هناك في الصخور حيث للنسور تنفتح السماء” .

salameh-cover
غلاف “كتابة على جدار”

وهكذا تتشكّل رؤية الشاعر الوجودية في هذا الديوان،  وتأتي القصيدة الختاميّة حاملة عنوان الديوان لتوضح رؤية الشاعر الوجوديّة، وتدعو الى فعل تأمّل في حركة الزمان  “توقّفَ أمام كتابة على جدار”؛ ففي هذه القصيدة غاب الزمن الحاضر “في لمحة بصر” ليحلّ مكانه الماضي الغائب؛ففي هذه اللحظة الوجوديّة للعبور، تحوّلت الأنا الموجود الحاضر الى الهو الغائب . فالإنسان يمرّ في هذا العالم ويرحل “شريدًا نسي شجرته”، لا شيء معه إلّا الذكريات المحفورة في القلب “عناقًا حميمًا/ في ليلة عيد”. فحالة اللاوعي التي مرّ بها خلال كتابة ديوانه، دفعته اللحظة الى التوقّف للمثول أمام ذاته الإنسانية وانسيابها الى عمق أعماقه ليعبر نحو الآخر “الهو” الإنسان الكائن الملتحف بالزمان المطلق، فيتخلّى عن “كلمة تبقيه حيث هو” فيترك كلّ شيء حتّى حذاءه الذي يميّزه عن الكائنات الأخرى ويعبر الضفّة الأخرى، حافرًا خطوطه على هذا الجدار كغيره الذين مرّوا من قبل، حيث اللقاء الأبدي مع الذين سبقوه. فيتجلّى معنى وجوده في أن يواجه عمليّة اختيار”أن تكون أو لا تكون”، وأن يظفر بالوجود البشري بكل ما له من معنى أو أن يدعه يفلت منه؛ فعبور الهوّة بين حرّيّة الفرد واستقلال إرادته، ومطالب الله أو الوجود فهي مسألة غير سهلة على الإطلاق؛ عناصرها المعاناة والرحمة والأنا الموجود و”يكفي أن تغمض عينيك/ على شواطى الجزر”.

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s