عبده لبكي

“لكيما جسدٌ قديمٌ لنا يتحرر”

بين الرمز اللاهوتي ومراثي إرميا

abdo
عبده لبكي

يارا سلوم

“لكيما جسدٌ قديمٌ لنا يتحرر”( عبده لبكي، دار الإبداع) عنوانٌ مملوءٌ ثنائيةً بين : جسد قديم ويتحرر. ومبدأ الجسد القديم يحيلنا إلى مفهوم مار بولس في رسالته إلى رومة، ومضمونها متغلغلٌ فيه؛ إذ إنّ الإنسانَ القديم أسير الخطيئة والشهوات ينأى عن الله وخيراته وثماره؛ فيقول :” الذين يسلكون الجسد لا يمكنهم أن يرضوا الله”. وكلُّ قديمٍ في الوجودِ يفترضُجديدًا أصفى منه، لذا تناولَ مار بولس الإنسانالجديد الذي جعل الله محورَ حياتِه؛ خالعًا الجسد المقيّد باللحمِ(sarx)منبع الخطيئة،مؤسسًا علاقةً جديدةً مع الله؛قائلًا:” ومع ذلك بقي لها الرجاء أنها هي ذاتها ستتحرر من عبودية الفساد لتشارك أبناءَ الله في حرّيتهم ومجدهم”.

11401493_10153366762473407_9193219744363171971_n
يارا سلوم

وفي هذا الجوّ اللاهوتي، أطلق عبده لبكي صرخته، ليثورَ على الخطيئةِ جرح الشعب المشرقيّ وعلّة شقائه التي أثارت التشرذم، وتجلّت في موضوعاتٍ:الخيانة،والحرب، والفوضى، والتهجير، وانعدام الرحمة. خاتمًا إياه بإدراك كنهِ التحرر من اللحمِ؛ وبخلع القميصِ الجسديِّالقديموارتداء الجسد الروحانيِّالجديد، فلا سبيل للخلاص والانعتاق من بطش الخطيئة إلا بالتوبة والرجوعإلى الله.

ولغةُ النصّ الشعرية تنقلنا عبرَ التاريخ بين حاضرٍ وقديمٍ، فتنشرُ ومضاتٍ حيّةً مشتعلةً على امتداد الزمن وعلى أفواهأنبياء، خطّوا الحاضر ورسموا المستقبل رؤية وتحرّرًا. وبين رؤيةِ عبده لبكي الذي يرثي المشرقيين الرازحين تحت نير الخطيئةفي هذا الديوان، ومراثي إرميا في العهد العتيق،ارتباطٌ وثيقٌ.

فما الذي يجمع بين لغةٍ مرَّ عليها التاريخ وأخرى ما تزال تنبض حياةً، غيرُ إنسانيتِها التي تحمل همومَ العالم والمصير والتحرر؟!

الرمز اللاهوتي

من المعروفِ أنَّ الرمزَاختزالٌ للمعنى، واقتناصٌ للواقعِ المعاش، وكاشفٌ لأبعادٍ مبطنةٍ مخفيّةٍ. ولقدامى بن جعفر تعريفُ الرمز :” هو ما أخفيَ من الكلام”. هو العنصرُ الجامعُ بين الدال والمدلول، ويتميّز بالديناميّةِحيثُ تكتمل أبعاده ضمنَإطارٍ تركيبيٍّ محدّدٍ، وهذا ما يدعمُ قول كرويزر :” إنّ موقعَ الرمز قد يكونُ بين الشكل والكائن، والعبارة والفكرة”. وليونغ رأيٌ حولَ الرمز بحيثُ إنه يعدُّها أركيتيبات(archétypes)  مبثوثةً في اللاوعي الجمعي للإنسانيّة، يضمُّ كمًّا هائلًا من الصورالمخزنة فيه.

وما أبلغَ وأعمقَ من سبرأغوار معاناة الإنسان بما تضفيها من رموزٍ ودلالاتٍ وإيحاءاتٍ، تصلُ إلى عمقِ أعماقِ الكلمةِ. ولعلَّ الرمزَيخفي وراءَه قصيدةً مشحونةً بأبعادٍ ومعانٍ تتخطى الزمان والمكان نحو اللامحدود المطلق. وذلك ما يتقاطعُ بين ديوانِ الشاعر عبده لبكي ومراثي النبي إرميا؛ فالرمزُ وحّدَ بين معاناةِالشعبين المشرقيّ والأورشليميّ؛ بحيث إنّ الخطيئةَ احتلّتهم وأوقعتهم في ويلاتِ الحروبِ والغدرِ والتهجيرِ؛ فوردَ في مراثي إرميا :” سقط التاجُعن رأسِنا ويلٌ لنا لأننا خطئنا”، وعند لبكي :” العالمُ خطأٌ قديمٌ”.

www-St-Takla-org___Prophet-01
إرميا

الرمز الجسديّ القديم

استهلَّ الكاتبان نصّيهما بالحربِ التي أسقطت الشعبين في أيادي الأعداء؛ فرمزُ الأرجوان عند لبكي يشير إلى عظمةِ الأعداءِ الذين احتلّوا الأرضَ وأذلوا شعبَها :” ولكن دائمًا فوق الأهوال والركام/ كبرياءٌ/ للذين بأرجوانٍ يتباهون”. ونرى عند إرميا في السياق عينه :” صار خصومها أسيادًا وأعداؤها في ثراء”. إضافةً إلى لفظة فسيفساء التي تشير إلى شظايا الحرب :” محملةً بفسيفساء الحرب”.

والفوضى هي مولدٌ أساسيٌّ من مولداتِ الحربِالتي عمّت الأرض المحتلة؛ إذ ظهرت في المراثي :” وبقائي في البيت أشبهُ بالموت”، ورمزالحشرة أتى مشحونًا بجوِّالموت وانعدام الحياة وهشاشتِها في كلّ بيتٍ :” بينما في البيوت المهدّمة/ تختنق الحشرات وأسماؤها”. ناهيك برمز البرتقالة، وهذا اللون هو مزيج الأحمر الشهوانيّ والأصفر الدال على الغيرة،ويصيرُ رمزًا للنار؛ فيحمل ضمنيًّا معنى”المطهر”، رمزُ العذابِ المسيحيّ حيث تذوب النفوس الخاطئة المنتقلة فيه:” متمنيًّا أن أحوّل القمر/ إلى برتقالةٍ للموتى”.للفوضى والضياعِ دورٌ مهمٌّ لاختفاء الآلهة في الشرق، وغياب السلطة المرشدة عن البشر؛ فورد في المراثي :” على المملكة ورؤسائها أنزل الرب لعنته”، وهذه اللعنة باديةٌ في ديوان لبكي برمز الضفدعة، التي تبيّن تحوّل الشعب عن الطهارة والخصب ويصبح عقيمًا غير نافعٍ لأيّ شيء :” ثم تتراجع الآلهة/ فيلبس العالم جلد ضفدعة”. وما همُّ الإنسان سوى اللهو والتنعم بملذات الحياة والغوص على الفوضى حتى أصبح كالصرار هذا الرمز الذي استخدمه “أنطوان دي سانت إكسوبيري” وضمّنه عبده لبكي ديوانه :” إذ لا يعود أحدٌ أكثر سعادةً/ من صرّارٍ/ يغنّي للحصاد”.أضف إلى أنّ اللعنة هابطةٌ من السماء، عرش الإله، إلى الأرض نسبةً إلى الفعل “أنزل” وقد أشار لبكي إلى هذه الحركيّة العموديّة باستخدام لفظة الغيوم ذات الحركة المنزلة من السماء إلى الأرض  ( vérticalité descendante)”: تكرار غيومٍ سوداء/ فإنّ أكثرها كلابٌ تحتضر”، واللون الأسود دلّ على غضب السماء، كما وأنّ الكلاب تظهر حالة البشر المتحوّلين بفعل اللعنة.

   maxresdefault

نلحظ أنّ السبي من أورشليم إلى بابل هو لبّ هذه المراثي “: سُبيت يهوذا من البؤس وشدة العبوديّة”، وذلك ما عبّر عنه لبكي في تهجير المشرقيين من أرضهم في زمننا الحاليّ، إذ إنّ رمز الحقيبة يدلّ على الترحيل المحتّم عن الأرض الأم:” وهم يطوون أمجادهم في حقائب”.”وهناك مع الليل…/ كنت أسمعهم يسرّعون خطواتهم/ غزيرةً/ بلحنٍ أو بغير لحنٍ”، فمنهم من ترحّلوا حفاةً نظرًا لصدمة الأمر بالتهجير وانسلخوا عن كنزهم.

وفي هذا الفضاء المشرقيّ المأسويّ، نرى الجوع يفتك بالبشر :” كلّ شعبها ينوحون وهم يطلبون طعامًا”، وورد عند لبكي”والذين يعودون دائمًا بلا طحين”، إضافةً إلى انسحاب الجوععلى الأطفال المشرقيين :” الأولاد الذين خبزهم لا يحدثهم”، وورد في إرميا :” والأطفال يطلبون خبزًا”.

ومن الطبيعيّ أن تنعدم الرحمة في قلوب المحتلين ليضطهدوا الحجر والبشر، “العالم الذي أصبح مقصلةً”، وتكشف المقصلة الحدة في التعامل، فسخطتشعوب المضطهدين عليهم، ويقول إرميا :” هدم بغير شفقةٍ”.زد أنّه ورد في إرميا :” ملكنا الذي اختاره الرب أوقوعه في حبائلهم”؛ بحيث إنّ هذه المكيدة وعدم الشفقة قد ارتَدَتْ عند لبكي رمز الضفائر الخادعة والمغرية في وهم خلاصها :” وكنّا في انتظار صدفةً/ لا تستعذب الذل/ ولكن تفرش ضفائرها: سريرًا”، وذلك يتماهى والحبال.

بعد هول الخطيئة التي نكّلت بالشعب المشرقيّ بسبب انغماسه بملذات الجسد، والابتعاد عن وجه الله :”فنصمت كي نستمرّ بلحمنا”، ورمز اللحم عند لبكي هو لاهوتيٌّ صرف، يثقل كاهل المشرقيّ نتيجة ضياعه وانحرافه عن عالم الله ولهوه بالملذات؛ فأصبحت أرض المشرق عنده بعد هجوم المغتصب، زؤانًا يرمز إلى عقمها وبوارها:” نثر الحاقد زؤانه”. فسيطر الموت عليهم:” الذين أعناقهم تستعار للغضب”، ولفظة عنق أحالتنا إلى الإعدام وهذا ما نجده عند إرميا :” شدّ ذنوبي نيرًا، وبيده حبكها. فثقلت على عنقي”.

على هذا، نلحظ تكرارًا لرمز الليل الذي يشير إلى هول المصاعب واشتداد المحن :” هناك مع الليل وبتأملٍ عميقٍ”،وقد بَرَزَ عند إرميا :” تبكي بكاءً في الليل”. ناهيكبالديدان رمز الموت والعدم المطلقالذي سيلحق بالمضطهد جراء عدم شفقته على المشرقيّ، فهو من أبكاهم وسيدفع ثمن فعلته،فيقول لبكي :” أتظنون أن الديدان/ ستنسى طعم العيون التي/ ورثتموها لكي فقط/ تشاهدوا اليتامى يبكون”. وورد عند إرميا :” كلّت عيوننا عبثًا من انتظار العون”.

الرمز الجسديّ الجديد

إنّما هذه المآسي التي أرضخت المشرقيين، وجعلتهم تحت وطأة الخطيئة وعبوديّها، لم تغلق آفاق الأمل أمام رؤى الشاعر الذي يؤمن بانعتاق المشرقيّ من الجسد، بؤرة الخطيئة، الذي قاده إلى السقوط في أفخاخ الحروب، والتهجير والفوضى من دون معيلٍ أو مخلّصٍ. وسبقه إرميا في مراثيه الذي لام الله على غضبه المؤدّي إلى دمار المدينة، إلا أنه في نهاية المطاف استسلم لمشيئته، ويختصر إيمانه بهذا القول :” خيرٌ أن ينتظر الإنسان خلاصَ الرب بارتياح”.

والجدير بالذكر أنّ لبكي رفع صوت التشكيك بقدرة المسيح على خلاص شعبه؛ فالسِّمات ترمز إلى جروحات المسيح التي بنزفها طهّر العالم وخلّصه من خطيئته القديمة :” وأين السمات المحيية/ لأيٍّ شيءٍ لا يهرب/ بعد موته!” وهذا شبيهٌ بما ورد عند إرميا :” زال عنفواني ورجائي في الرب”.

وعلى الرغم من الحروب التي قتلت الآلاف، إلا أنّ الشاعر آثر البقاء والمحاربة من أجل نيل الحياة خارج سيطرة الأعداء الهمجيين، ويتجلّى ذلك في رمز شجرة السرو التي تشير إلى الحياة:” وكان عليهم أن يبقوا/ ويهزّوا شجرة السرو العظيمة”. وبحيث إنّ “زهرة الفجر الصامتة” أي البلاد المشرقيّة المتمخّضة تعمّ بالفوضى، لكنّه يؤمن بخليّةٍ أولى أي ببذرةٍ جديدةٍ تجدّد وجهَ الشرق وتُزيح عنه الزؤانَ الذي لا يولّد إلا الشرور؛ قائلًا :” وهو نقيٌّ كخليّةٍ أولى”.

yara

  بعد أن تخللت صفحات الديوان لُمَعًا من الأمل، تراه بعد هذا الخوض الطويل وتحديدًا في الصفحة ٧٠ يمدّ أفق الأمل طالبًا من الجميع التخلي عن الشهوات ليعود الاتزان إلى مجرى الحياة. فالتوبة الناصعة ببياضها هي المفتاح الوحيد الذي يؤدي إلى الخلاص :” إن التوبة لها ثياب الرضيع”. وينضح التطهر في عروق الشعب بعد أن ذاقوا مرّ العبوديّة والتسيير الجسديّ، قائلًا :” فيزداد رقّةً/ أمام الغناء الشجيّ”، ولعلّ هذا الغناء المتطهر يتماهى وأورفيوس إله الموسيقى الذي بقثارته طهّر نفسه من الميول الدنيويّة. انطلاقًا من هنا يعيش الشعب في راحةٍ مطلقةٍ لا يمسّهم قلقٌ :” من أجل حالمٍ يكتشف كفّه/ التي بلا خطوط/ وهو لم يطلب بديلًا.” فيشير الكفّ إلى مستقبلٍ آمنٍ، مندون طموحات ومشاريع أي الخطوط؛ فالمتخلص من الجسد والمتكئ على الله لا يخشى شيئًا. وأخيرًا، مع التخلص من الشرور، يؤسس الشاعر لجيلٍ رؤيويٍّ يرى من خلال بصيرته وليس بصره الماديّ الزائف :” وهكذا برهافةٍ تتناغم المشاهد إكرامًا/ لملودٍ/ ذكرًا كان أم أنثى”، فيتبدّى لنا التضمين الأسطوري المستتر وراء الرمز؛ قاصدًا تايرسياس العرّاف الأعمى البصير الرؤيويّ.

أخيرًا، إنّ ديوان “لكيما جسدٌ قديمٌ لنا يتحرّر”يحاكي الأسفار الرؤيويّية، وهو أيقونةٌ خلاصيّةٌ خطّها الشاعر في ديوانه؛ يمكننا القول، إنّ الرمز هو أداة الخلاص الذي أراد من خلالها لبكي أن يَعْبُرَ بالمشرقيين من قفص الخطيئة القديمة المتجسّدة بعباءة الجسد، إلى عوالم روحانيّةٍ تتفجّر ينابيعَ حياةٍ وتنبض إيمانًابعطاءات الله اللامحدودة.

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s