من جمعة الى جمعة…

100 عام بعد توقيعه:

سايكس-بيكو

حبره لم يجف بعد

A

حسان الخوري

191

قبيل إنهيار السلطنة العثمانية  جراء هزيمتها في الحرب العالمية الأولى بعدما إستمر حكمها 6 قرون أمسك ضابط وديبلوماسي بريطاني لامع، لكنه معروف أيضًا بأنه متقلب المزاج،  بمسطرة وهو يقدم ملخصًا لرئيس الحكومة البريطانية  هيربرت اسكويز في 10  داونبغ  ستريت وقد وضعت بينهما خارطة وقال: أود أن أرسم خطًا من حرف “ا” في عكا إلى حرف “ك” في نهاية كركوك.

s-p
سايكس وبيكو

على هذه الصورة ولد الشرق الأوسط الجديد الذي رسمت حدوده بطريقة إعتباطية دون أي إعتبار للإتنيات والهويات المحلية والميول السياسية للسكان.

أسئلة عديدة تطرح بمناسبة مرور 100 عام على الإتفاق  السري الذي وقعته بريطانيا ممثلة بالضابط  والديبلوماسي اللامع والمتقلب المزاج الكولونيل مارك سايكس مع فرنسا ممثلة بالمحامي الذي إحترف العمل الديبلوماسي فرنسوا جورج -بيكو على إقتسام مناطق النفوذ مع روسيا في آسيا الصغرى التي كانت تسيطر عليها  السلطنة المهزومة.

a-1

في مقدمة هذه الأسئلة:

  • هل ما زال الإتفاق ينبض بالحياة، وما يشهده العالم العربي اليوم من إضطرابات هو من ذيوله وترسباته، وبالتالي هل يمكن تحميله وزر هذه المعاناة؟

لا بد من الإشارة إلى أن سايكس لم تتسن له الإحاطة بمفاعيل الإتفاق إذ توفي بعد 3 أعوام على توقيعه جراء إصابته بالحمى  وهو في التاسعة والثلاثين من عمره. بيكو  خلافًا لذلك عمّر طويلًا وتوفي في العام 1950 وكانت حياته بصورة عامة غامضة كغموض المهمات الديبلوماسية التي قام بها وظلت بعيدة عن الأنظار وطي الكتمان.

  • الإتفاق، خصوصا ما عقبه من إعلان بلفور، شكّل نكثًا للوعود التي كان قد قطعها الحلفاء للقيادات العربية، لكن ألم تكن له من ناحية مقابلة بعض الجوانب الإيجابية؟

يجدر ذكره أولًا أن سايكس-بيكو لم يطبق بحذافيره كاملّا،  فالحدود التي رسمها تختلف كثيرًا عن الحدود الحالية، فالأتراك  بقيادة مصطفى كمال أتاتورك  مثلًا إستطاعوا  الحفاظ  على تركيا كما هي اليوم  بعد طرد القوات الأجنبية منها، وقد فشل العرب حيث نجح الأتراك.

زواج بالإكراه

kurd
مسعود مصطفى البارازاني

ولا بد من الإشارة ثانيًا إلى أنه فيما لم يعد ينظر في الغرب إلى الإتفاق  كما يلاحظ جوستيان صالحاني  من مؤسسة أميركان أنتربرايز إلا كمجرد حاشية هامشية في حوليات التاريخ تختلف النظرة كليًا في الشرق الأوسط  حيث ما  زال حيًا في الأذهان والوجدان الجماعي، وكأنه وقع بالأمس ولم يجف حبره بعد، وأنه علة  كالعلل التي عانى ويعاني منها حتى اليوم، بحيث يبدو كأن سايكس وبيكو ما زالا يتحكمان بالأحداث في الشرق الأوسط من قبرهما. في هذا الصدد ينقل المحرر في مجلة «نيوركور» روبين رايت الذي قام مؤخرًا بجولة في كردستان عن محافظ أربيل نوزلد هادي مولود قوله: «لقد سقط مئات الآلاف من القتلى  جراء سايكس-بيكو والمكلات التي أوجدها . لقد غيّر مجرى التاريخ والطبيعة». كما ينقل تصريح نائب رئيس الحكومة العراقية السابق برهام صالح في منتدى السليمانيه الذي أعلن فيه  إنهيار  النظام الذي كان قائمًا منذ 100 عام. من ناحيته يقول زكري موسى مستشار الرئيس الكردي مسعود برزاني: سايكس بيكو كانت غلطة. أشبه بزواج بالإكراه محكوم عليه  مسبقًا بالفشل وغير أخلاقي قرر مصير الشعوب دون إستشارتها.

Hassane El-khoury
حسّان الخوري

يمكن فهم إمتعاض الأكراد وغضبهم، فقد كانوا أكبر الخاسرين من الإتفاق الذي لم يعترف بهم كشعب، وحرمهم بالتالي من وطن لهم، لكن داعش الذي يناصبهم العداء ويخوض ضدهم معارك قاسية له الموقف نفسه من الإتفاق. فلدى  سيطرته على مناطق في سوريا وفي العراق وإسقاط الحواجز الحدودية بينهما في العام 2014 ركّز «الخليفة»  أبو بكر البغدادي على الإتفاق رغم المدلولات المهمة العديدة  الاخرى  لهذه العملية في تصريحه الذي أعلن فيه: لن يتوقف هذا التقدم المبارك حتى ندق أخر مسمار في نعش مؤامرة  سايكس-بيكو.

من المآخذ الرئيسية التي يسجلها العرب على الإتفاق أنه حصل خلف أبواب موصدة، وتم بموجيه شرذمة أرضهم، وكل ذلك دون أن تتم إستشارتهم، بل خلافًا لما وعدوا به من موقعيه.

السيطرة على التاريخ

sp-new

الثغرة الأساسية في الإتفاق في رأي بول مايسون من مؤسسة  غلوبال للإبحاث هي الإعتقاد الذي كان سائدًأ لدى النخب الإستعمارية أن بقدرتها السيطرة على  التاريخ عبر رسم الخطوط.

الثغرة الثانية هي إغفال أهمية العامل الديني.

الثغرة الثالثة هي عدم توقع نشوء المشاعر المعادية للإمبريالية مع التحصيل العلمي للفقراء وتدفقهم إلى المدن والمصانع ما جعلهم يمسكون مصيرهم بأيديهم فيما يقف الجنود المستعمرون موقف المتفرج.

الثغرة الرابعة هي نجاح الثورة العمالية في روسيا وإنتقالها إلى سائر أنحاء العالم مما شكل صدمة قوية لا للإستعمار  فقط بل للرأسمالية ذاتها.

الثغرة الأخيرة هي تجاهل حق تقرير المصير الذي نادى به الرئيس الاميركي وودرو ويلسون مع دخول الولايات المتحدة الحرب ما جعل لندن وباريس يخفيان خارطة سايكس بيكو عن واشنطن.

للباحث مايك روبين رأي مخالف، فهو يرى أن العديد من الدول التي نشأت في حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى إكتسبت هوية جعلتها تختلف عن جاراتها، ويعقب على ذلك بالقول: يصعب محو أو عكس مسار 100 عام من التاريخ المشترك. بتعبير آخر الحدود المصطنعة قد تخلق دولًا غير مصطنعة

ويضيف روبين: لا توجد طريقة لخلق دول متجانسة. إن مجرد المحاولة يعني اللجوء إلى التطهير العنصري والطائفي.

وينتهي إلى القول: إن العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل سايكس- بيكو يعني العودة الى نظام الملة العثماني القائم على أساس ديني ما يدعم طروحات داعش.

وجهان لعملة واحدة

Balfour_portrait_and_declaration
بلفور ووعده

الحديث عن سايكس- بيكو يقود بصورة تلقائية إلى الحديث عن وعد  بلفور والصهيونية، فهما مترابطان ومتلازمان  زمنيًا وعضويًا، وقد لوحظ في الآونة الاخيرة أن مؤيدي سياسة الحكومة الإسرائيلية في الإعلام الغربي لا يميّزون  بين العداء للسامية والعداء للصهيونية وكأن الامرين وجهان لعملة واحدة.

ربما مرد هذا الخلط  أن فكرة العداء للسامية إنبثقت في الغرب ولا تزال مترسبة في الذهن الجماعي للمجتمعات الأوروبية، وبالتالي ترى هذه المجتمعات، وضمنها بعض النخب السياسية والفكرية وقادة الرأي أن أية معارضة لإسرائيل أو للصهيونية هي شكل من أشكال العداء للسامية، وقد إنزلق حزب العمال البريطاني إلى هذا المأزق عندما صدرت عن بعض زعمائه وممثلين له في مجلس العموم تصريحات تندد ببعض ممارسات الحكومة الإسرائيلية غير المشروعة والمخالفة للقوانين والأعراف الدولية، ما حمله إلى تعليق عضوية العديد من القياديين والقواعد، وقد إستغل حزب المحافظين الوضع للنيل من المرشح العمالي المسلم لتولي عمدة مدينة لندن.

لكن ما خفي عن كثير من المراقبين الغربيين أنفسهم أن العداء للصهيونية – لا للسامية- ليس ظاهرة حديثة في حزب العمال، فالمرشحة العمالية السابقة لمجلس العموم فيكي كيربي وصفت هتلر بأنه «إله الصهيونية»، والعضو العمالي السابق في المجلس جيري دامنين ذو الميول التروتسكية إعتبر أن البورجوازية اليهودية الصهيونية تقود حربًا رأسمالية ضد الطبقة العاملة.

في هذا الإطار يندرج الشريط الوثائقي الذي بثته مؤخرًا شبكة بي بي سي وشبهت فيه هجرة بعض اليهود الفرنسيين الحالية إلى إسرائيل بـ»خروج» الإسرائيليين من مصر بعد تحريرهم من العبودية.

في الوقائع  يشكل اليهود في فرنسا بعددهم البالغ 475 ألفًا أكبر جالية يهودية في أوروبا. في العام 2014 هاجر منهم 8 آلاف شخص، ما يمثل تقريبًا أربعة أضعاف الذين غادروا في العام 2009 والبالغ 1900 شخص. الشريط الوثائقي أعاد أسباب الهجرة إلى تنامي مشاعر العداء للسامية وتعدد الهجومات الإرهابية. لكن في الوقائع أيضًا أن العديد من هؤلاء قد توجهوا إلى بريطانيا، ويشكل الطلبة اليهود الفرنسيون اليوم نصف إجمالي عدد الطلاب في المدارس اليهودية البريطانية.

ويستخلص التقرير أن مشاعر العداء للسامية لم تعد منحصرة بفرنسا، بل غدت كراهية اليهود  ظاهرة معاصرة صاعدة في أوروبا والعالم.

من ناحيتها تشير مجلة «نيوستيتمان» اللندنية أن الفكرة بأن اليهودية العالمية تحكم العالم تسيطر على نظرة معظم النخب الإيرانية الحاكمة إلى العالم، وأذهان مقاتلي داعش، والزعماء القوميين في سلوفاكيا وهنغاريا، ومنظمة فلسطينية كبرى (إشارة إلى الجهاد الإسلامي أو حماس)، وبعض أعضاء حزب سياسي بريطاني  رئيسي (إشارة إلى حزب العمال)، وجامعاتنا.

صناعة غربية

j

إن التدقيق في جذور العداء للسامية يقودنا إلى أنه صناعة غربية، ففي جميع أنحاء أوروبا كانت هناك نظرة موحدة عن اليهود بأنهم قتلة المسيح، كما أتهموا بخطف الأطفال المسيحيين وقتلهم لإستخدام دمائهم لإغراض دينية، خصوصا في إعداد الخبز الذي يؤكل في عيد الفصح. وقد أجبروا على الإقامة في الغيتوات ولم يسمح لهم بالعمل إلّا  في مهن محددة كإقراض الأموال ما رسّخ في الأذهان الصورة عنهم كمرابين جشعين.

بعد منتصف القرن التاسع عشر تبدلت النظرة إليهم مع حصول تحولات جذرية في  النظام الحاكم في اوروبا،  لكن ظلت صورتهم مشينة، فقد حمّلوا مسؤولية ووزر العلل التي حصلت في المجتمع جراء هذه التحولات، فهم مؤسسو المتاجر الكبرى التي قضت على المتاجر الصغيرة، وهم روّاد الثورة الصناعية التي أعطت إمتيازات للقلة على حساب الاكثرية، وهم وراء النظام المالي العالمي الذي يتحكم بإقتصاديات الدول. هذه هي الأوضاع التي توكأ عليها هرتزل لإطلاق الفكر الصهيوني بإيجاد وطن بديل جامع ليهود العالم. إن نتانياهو الليكودي والتلميذ الأمين للمدرسة الهرتزلية يتابع حاليًا الخط نفسه، فمن الخطأ الإعتقاد أن الحكومة الإسرائيلية غاضبة على ما يتعرض له يهود العالم من أخطار، أو تهتم لمعاناتهم. خلافًا لذلك تراهم خزانًا بشريًا مهمًا  هي بأمس الحاجة إليه في حربها الديموغرافية غير المتكافئة مع الجانب الفلسطيني.

05110435712860102036262003314263

hvkhoury1@gmail.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s