من جمعة إلى جمعة

خلف العازل الأزرق

0c204a8c-74f6-4f8f-b01b-6c302f46e653

حسان الخوري

المشهد خلف الستارة الزرقاء في أقلام الإقتراع كان سورياليًا بإمتياز، فالمكان الصغير المعزول يفترض أن يكون بقدسية كرسي الإعتراف. أن يُشعر الداخل إليه منذ اللحظة التي تطأ قدماه فيه أنها ساعة الحقيقة والحسم، وأنه سيد نفسه ويمسك قراره بيده، ومحصن ضد كل الضغوط والمؤثرات الخارجية، وأن أمامه فرصة سانحة لا ينبغي هدرها، ومُقدم على خطوة من أهم الخطوات في حياته. فالإقتراع السري نظريًا من أهم الضمانات أن الإنتخابات ديموقراطية ونزيهة.

leb.jpg

سوريالية المشهد أن الأمور لم تكن تجري على هذا المنوال، بل عكس ذلك تمامًا. الناخب كان يصل منهكًا  ومكبلًا بالقيود. دخوله الغرفة كان شكليًا وصوريًا وفارغًا من أي مدلول.  فالقرارات الفاصلة إتخذت في وقت سابق، خلف أبواب موصدة أخرى، وبذلك تحول تصويته إلى مسألة تنفيذية وليس تقريرية، وتحولت الستارة الزرقاء العازلة إلى شاهدة زور، عوضًا من أن تكون كما يفترض ساعة تعزف دقّاتها الصامتة نشيد التحرر.

فقد إقترنت الإنتخابات البلدية وأفرزت العديد من الدلالات النافرة، وفي مقدمها:

– أن الناخب «البلدي» هو غير الناخب «النيابي». في الإنتخابات النيابية يصوّت اللبناني للخطوط العريضة فيما يصوّت في الإنتخابات البلدية للتفاصيل الدقيقة، خصوصاً في البلدات الصغيرة التي تشكل غالبية البلدات اللبنانية.

في الخطوط العريضة أعني المبادىء والشعارات والطروحات الوطنية الشاملة ، وفي التفاصيل الدقيقة أعني العلاقات الشخصية والحساسيات. وقد وقعت القيادات الحزبية في مأزق الإختيار، وظهر ذلك بكل وضوح في التحالفات المتنوعة حينًا والمتناقضة أحيانًا  حيث كانت تتوافق الأحزاب في بعض المناطق وتناصب بعضها أشد العداء في مناطق أخرى، وأحيانًا مناطق مجاورة، ما أوقع مناصريها في الحيرة والضياع، وأدّى إلى تفتيت أصواتهم، فبعض البلدات، خصوصاً في محافظة جبل لبنان صوتت الأكثرية فيها إلى جانب لائحة حزبية معينة  في الإنتخابات النيابية إلّا أنها لم تستطع إيصال ناشط من هذا الحزب أو حتى مناصر أو مقرب منه  إلى رئاسة البلدية. وعلى هذه  الأحزاب واجب توضيح مواقفها الملتوية والمتلونة لمؤيديها أولًا، وللرأي العام عمومًا إذا كان لها تفسير آخر غير الميكيافيلية السياسية.

election_citoyen

الخدمات الإستنفاعية

  • كانت الخدمات «الإستنفاعية» لاعبًا رئيسيًا في الإنتخابات، بل اللاعب الأقوى، وأستخدم تعبير الخدمات الإستنفاعية للتمييز بينها وبين الخدمات «النافعة». الأخيرة تُقدم للخير وللصالح العامين دون أية إلزامات وشروط، فيما أن الأولى خلافًا

لذلك، فإن من يُقدمها أشبه  بالذي يضع أمواله في حساب مصرفي ويتقاضى فوائد عنه ويحتفط برأسماله كاملًا، وبالتالي هي توظيف نفعي، المستفيد الإكبر منها في الواقع  ليس من تُقدم له وإنما من يُقدّمها. هذا النوع من الخدمات مذل لمن تُقدم لهم إذ تستغل عجزهم وحاجتهم، فتسلبهم أثمن ما عندهم، أي قناعاتهم وحرية قرارهم وإستقلاليتهم، بل كرامتهم وتلزمهم  بدفع الفوائد الباهظة مرارًا وتكرارًا و تحولهم بالتالي  إلى تعيين، وما يشبه ناخبين من  ذوي الإحتياجات الخاصة، فالخدمات الإستنفاعية هي  شكل من أشكال الرشوة وشراء الضمائر، بل أسوأ هذه الأشكال، لكن لا تطاولها بكل أسف القوانين النافذة.

1436612897

هذه الظاهرة غير معروفة في المجتمعات المتقدمة حيث تضمن التشريعات والقوانين النافذة عدم حصول شواذات مماثلة عبر توفير فرص العمل، وتوفير إعانات والتقديمات الإجتماعية والاقتصادية للعاطلين من العمل وضمان الشيخوخة وسواها من الإجراءات التي تصون كرامة الإنسان،  وبذلك  تحرر الناخب من الإرتهان والتبعية.

  • «الحريات الإنتخابية» كانت متوفرة، لكن الإنتخابات لم تكن حرة، فالحرية الإنتخابية لا تضمن وحدها الإنتخابات الحرة. ما يضمن الإنتخابات الحرة دون إنتقاص هو توفر الحرية الإقتصادية وتحرر الناخب من سلطة المال. وقد كان المتمول أقوى من الناخب.

من هنا على الجمعيات غير الحكومية الناشطة في سبيل عدالة الإنتخابات ونزاهتها التنبه إلى هذه النواحي والتركيز على معالجتها معالجة جذرية بدءاً بإخضاع  سلطة المال لسلطة القانون  لتحقيق أهدافها بوصول ناخب حر إلى صندوق الإقتراع، عوضًا من التلهي بالقشور البيروقراطية.

0_796015372

  • كان جليًا للعيان أن التحالفات الإنتخابية لم تقم على أساس المبادىء والبرامج المشتركة والرؤية الموحدة، وإنما تمت هندستها عن سابق تصور وتصميم على ضؤ المنافع المتبادلة دون أي إعتبار آخر.
  • تبين أن إطلاق وصف إنتخابات عائلية أو إنتخابات عائلات كان توصيفًا خاطئًا، فمعظم العائلات كانت منقسمة على ذاتها، وهذا أمر جيد وإيجابي إذ أن العائلية شكل من أشكال القبلية المتطورة، ويكفي لبنان إنقسامه الطائفي، و مؤخرًا إنقسامه الجهوي داخل البيت الواحد.

لكن اللافت أن بعض العائلات التي كانت تعتبر ذاتها أنها أكثر رقيًا من سواها هي التي تصرفت تصرفًا قبليًا بإمتياز إذ إلتزمت كالنعاج الوديعة  بالقرار الذي إتخذه التافذ فيها دون أية مناقشة.

  • يمنح قانون البلديات رؤساء المجالس البلدية صلاحيات وسلطات واسعة ويخولهم إتخاذ العديد من القرارات المهمة دون الرجوع بالضرورة إلى بقية الأعضاء، وهذا ما أدّى إلى إصابة البعض منهم، خصوصاً الحديثي النعمة بجنون العظمة، بدليل صورهم الضخمة التي علقت وغطت وحجبت بإيعاز أو بموافقة ضمنية منهم، جدران المنازل، وعبارات الإطناب المبالغ فيها التي تضمنتها اليافطات المرفوعة تأييدًا لهم ،و كانت مثارًا للسخرية و التنكيت.

تذكّر أنك إنسان

  • من المهم جدًا أن يكون المجلس البلدي متجانسًا.يبتعد عن المماحكات والجدالات العقيمة، ويتصرف كفريق عمل واحد كي يتمكن من تحقيق الإنجازات، لكن من المهم أيضًا أن لا يتحول إلى رجل واحد يختصر بشخصه كل الأشخاص الأخرين، أو إلى ما يشبه مجلس إدارة شركة يملك رئيس البلدية كامل أسهمها بحيث يصبح الاعضاء أشبه بموظفين وليس كممثلين لشرائح مجتمعهم، تنحصر مهمتهم برفع أيديهم. وبذلك تجري عملية سلب مضاعفة: سلب إرادة الناخب أولًا ثم سلب رأي العضو المنتخب المستكين ثانيًا. إن المعارضة البناءة داخل المجلس ضرورية لتصحيح المسار البلدي ومنعه من الإنحراف، ومن تحول إجتماعاته إلى طقس من طقوس عبادة الشخصية، وربما من المفيد تذكير رؤساء المجالس البلدية وأعضائها بأنه لدى عودة الفاتحين الرومان إلى روما بعد تحقيقهم الإنتصارات العسكرية  في الخارج كانت تجري لهم إحتفالات رسمية وشعبية ضخمة، ويدور الفاتح في عربة تقودها ثلاثة احصنة (ترويكا) أمام الجماهير الصاخبة وهي تهلل بإسمه و تشيد بإنتصاراته، و قد و قف إلى جانبه رجل يحمل إكليل الغار فوق رأسه و يقول له بين فينة وأخرى، و خاصة عندما بشتد الهياج و الصراخ: تذكّر أنك إنسان. فقد كان يخشى أن يجرفه إبتهاج الناس و حماستها إلى الإعتقاد في إطار التفكير الميتولوجي السائد في ذلك العصر  إنه من طينة غير طينة البشر وأصبح إلها في الأرض.

thumb_1300_11422170754

إنتفاضة صامتة

  • أحدثت الإنتخابات شرخًا بل هوة بين قيادات بعض الأحزاب وقواعدها، وحدث في بعض المناطق ما يشبه إنتفاضة صامتة حيث لازمت نسب عديدة من الكادرات منازلها رغم نداءات قياداتها بتكثيف الإقتراع وثبت بطلان المقولة التي إعتمدتها «دعم التوافق و الوقوف على الحياد في حال التنافس»، ويخشى جدًا حاليًا أن يتكرر المشهد في الإنتخابات النيابية وتدفع الاحزاب ثمنًا باهظًا لهذا التوجه الخاطىء.
  • كما هزّت الإننخابات البلدية الإصطفافات و الإستقطابات التي كانت سمة أساسية في عدد من الطوائف ، ففي الضاحية الجنوبية بالذات، عقر دار حزب الله ،أبصرت النور لوائح مستقلة تنافس اللوائح التي توافق عليها الثنائي حزب الله  وأمل، وهي لا تناصبهما  العداء بالمطلق، وتؤيد المقاومة بصورة عامة ، لكنها ترى في الوقت نفسه أن المجتمع الشيعي أكثر تنوعًا، و ترفض الإحتكار الثنائي ، و تعطيل دورها ،و مشاركتها في التمثيل السياسي   و العمل الإنمائي.

في الواقع للطائقة الشيعية تاريخ حافل و مجيد و تأسيسي في العديد من الحركات القومية و الوطنية والتقدمية واليسارية والطليعية والتغييرية لا يمكن إختصاره بحزب فرد أو إستقطاب أو إصطفاف.

بروز اللوائح المستقلة على المسرح الشيعي أوحى أن الثنائي أمل- حزب الله ليس مجرد تحالف إنتخابي، و أن العلاقات بينهما أكثر عمقًا، بل  أقرب لأن يكونا وجهين لعملة واحدة، وأن الرئيس بري بما عرف عنه من كياسة وحنكة هو الذراع الديبلوماسية للمقاومة، واليد المخملية التي ترتدي القفاز، لا اليد الحديدية التي تضغط على الزناد.

مشاعر مشابهة كانت قد إنتابت العديد من المسيحيين المستقلين، خصوصاً الشبان منهم، لدى توقيع ورقة التفاهم بين التيار الوطني الحر والقوات،حين تصوروا عن خطأ أو صواب أن لامستقبل لهم في هذا البلد إلا إذا إنضموا إلى أحد الفريقين، و لم يبق لهم سوى الهجرة لتأمين العيش الكريم لهم.

PBCRPGRPTQ

عيِّنات إنتخابية بشرية

وأختم بإنطباع أخير هو أن بعض الإنتصارات تحمل طعم المرارة وبعض الهزائم لها مذاق النصر، وبالقول للمرشحين الشرفاء الذين صمدوا أمام الإغراءات وثبتوا في مواقفهم ،و لم يحالفهم الحظ لكل الإعتبارات أعلاه : من الأفضل ألف مرة أن أن تكونوا خاسرين أقوياء من أن تكونوا رابحين ضعفاء، و أذكّرهم بقول المثلث الرحمات المطران بولس عقل بالرئيس اميل إده يوم وفاته ( إطال الله بأعماركم و أعمار منافسيكم): نعوش البعض عروشهم و عروش البعض نعوشهم . عيِّنات إنتخابية بشرية

العيِّنة الأولى: الناخب «الوفي».

هو يعمل بكل جد ونشاط لدى أحد المرشحين. قرر أن  يصوِّت لرب عمله ولكامل أعضاء اللائحة التي تضمه.

أعجبت بوفائه في زمن قل فيه الوفاء وأصبح عملة صعبة نادرة غير متدوالة في الأسواق والمجتمعات وبين الأفراد.

كاريكاتير 14-04-2013
الانتخابات النيابية في لبنان

إستمعت إلى حوار دار بينه وبين صديق له بشأن قراره. قال الصديق: لقد وفّر لك رب عملك فرصة لتكسب لقمة عيشك وتنفق على زوجتك وتعليم أولادك. أليس كذلك؟

– نعم.

لكن في المقابل ألم تساهم بعملك الدؤوب في إزدهار أعماله وتكديس ثروته؟

– صحيح

لقد أسداك خدمة وبادلته بخدمة.

– أجل.

– الأمر يجب أن يتوقف هنا ولا يتعداه. أنتما متعادلان. بادرك بالتحية فرددت عليه بأطيب منها.

ثم سأله الصديق: ألا تعتقد بأنه إذا أدرك أنك لم تعد مفيدًا وعبئًا عليه سوف يتم الإستغناء عنك دون أن يرف له جفن؟ وأنت في المقابل، إذا تلقيت عرض عمل بشروط أفضل أليس من الحكمة والمنطق أن تقبل به؟

هزّ رأسه موافقًا.

وختم الصديق المحادثة قائلًا: إذهب إذن وأقترع وأنت حر الإرادة مرفوع الجبين. رغم ذلك  صوّت كما طلب منه رب عمله مطأطأً رأسه الذي كان يهزه موافقًا . هذا ليس وفاء، بل غباء وجبن، وآفة الآفات. أمثاله يسيئون إلى قدسية الإنتخابات ويشوهون دلالاتها ويزيفون نتائجها إذ لا تعكس الوجدان الجماهيري والمزاج الشعبي، فهم شاهدو زور على أنفسهم  أولًا، وعلى الآخرين عامة يدفعون   الوطن إلى مزيد من الإنحدار والتخلف، عوضًا من إستنهاضه.

إن علاقة العمل يجب أن تبقى في إطارها الوظيفي، ولا تتحول إلى أداة ضغط وإكراه وإرتهان تشل إرادة الموظف الناخب وتسلبه قناعاته الشخصية وقراره الحر.

هذه الظاهرة شائعة بكل أسف في المجتمع اللبناني على إختلاف شرائحه ومشاربه، وتعتبر واحدة من أكبر آفاته.

العّينة الثانية: المرشح «الإذاري».

سألت أحد المرشحين: ما حظوظك بالنجاح؟

أجاب: سأفوز إذا صدق الذين وعدوا بأنهم سوف يصوتون لي.

قلت له: لا يمكنك أن تخوض معركة على أساس إفتراضي. عليك أن تدرك وتتيقن مسبقًا من صدقية هذه الوعود؟

قال الإذاري: كيف لي ذلك؟ ما من أحد يعرف ما تضمره النفوس حقًا.

قلت: بلا. السياسي الناجح يعرف ذلك جيدًا، وهذا ما يميزه عن سواه. ليس من الضروري أن تكون عالم نفس لتعلم إذا كان الشخص يتمتع بالمصداقية أم لا. وإذا كانت مصلحته الآنية تتطابق معك أم مع منافسيك. هذه أمور تسهل معرفتها خصوصاً في البلدات الصغيرة حيث الكل يعرف الكل جيدًا. في الحواضر الكبرى تتولى هذه المهمة مراكز الأبحاث والدراسات، وإستطلاعات الرأي العام. القرارت الصائبة إنما تتخذ إستنادًا على الوقائع وليس على الإفتراضات والتمنيات. ومن هنا أنح باللائمة على نفسك إذا فشلت عوضًا من إتهام الآخرين بالغدر والخيانة.

التكاذب قائم بكل أسف في علاقة المرشح مع الناخب في لبنان. الناخب لا يَصدُق مع المرشح والمرشح لا يصارح الناخب بالحقائق.

العيّنة الثالثة: الناخب الدونكيشوت

يدعي البطولات الوهمية، وينسب لنفسه مواقف العزة والعنفوان، ويتباهى أنه يقول كلمة الحق ولا يخشى لومة لائم مهما علا شأنه ثم تراه في بعض المجالس وديعًا كالحمل. صامتًا كأبي الهول لا يجرؤ على أن ينبث بحرف واحد، وكل إهتمامه منصب على تنفيذ أوامر سيده. متنمر هناك. وديع هنا. وبصورة أدق ما زال متنمرًأ، لكنه نمر من ورق، أو نمر في قفص قطعت أظافره وأقتلعت أنيابه. إنه دونكيشوت الإنتخابات.

أمثاله يحولون الإنتحابات التي يفترض أن تكون محطة مفصلية في المسار الديموقراطي للأمم والشعوب إلى طواحين هواء.

po

العيّنة الرابعة: المرشح الأمبراطوري.

تدخل إلى مكتبه الإنتخابي، وكأنك تلج إلى ديوان امبراطوري. كـل شيء في المكان: الصور المعلقة على الجدران التي تجمعه مع كبار الشخصيات. الميداليات والأوسمة التب حصل عليها وقد رتبت بشكل لافت. مجسمات المشاريع التي نفذها… الخ. يقول لك بالنيابة عنه: أنا أفضل منك. الناس تحتشد في قاعات الإنتظار التي خلت من المقاعد. يلذ له رؤيتها واقفة، فلا يجوز لأحد الجلوس في حضرة صاحب العظمة. يتهافت بل يتنافس ويتدافع  الحاضرون للدخول إلى مكتبه الخاص الموصد والمحكم الإقفال للمثول أمامه ومصافحته وإلقاء التحية عليه وإعلان ولائهم. من يدخل يعتبر نفسه أنه كسب الجائزة، ومن لم يحالفه الحظ لا ينتابه اليأس والإحباط، بل يعاود المحاولة في وقت آخر. لكل زمان رجال، وهؤلاء رجال كل زمان على طريقتهم.

الناخب في حال مماثلة لا يصوت  للمرشح وإنما للقناع، وللصورة التي رسمها المرشح لنفسه بيده وزرعها في  الأذهان، وذلك قمة التسويق الناجح، بل عملية خداع كاملة.

العيّنة الخامسة: الناخب الغجري

content.cartoonbox.slate.com

يقال ان الغجري عندما تغادر زوجته منزلهما والاصح خيمتهما وتعود في المساء لا يسألها أين كنت؟ بل ماذا جلبت؟ هناك ناخبون كالازواج الغجر لا يهمهم من هو المرشح وما برنامجه او خطته الانمائية كل ما يهمه ليصوت له هو الحصول على خدمة منه. كالغجري الذي ينتظر زوجته كل مساء ينتظر هذا الناخب كل انتخابات للحصول على مبتغاه غير آبه بأي شيء آخر. يعتبر الانتخابات فرصته السانحة لتحقيق ما عجز عن تحقيقه بقدراته الذاتية. لا يملك اي حس وطني او ولاء. ينتقل من موقع الى موقع بلا حرج.

الناخبون الغجر كثيرون في لبنان، لكن بخلاف بقية الغجر في العالم هم غير مجنسين، ويحملون الجنسية اللبنانية أبًا عن جد ولديهم بطاقات إنتخابية على عينك يا تاجر.

العيِّنة السادسة: أفضل المرشحين

أفضل المرشحين ثلاثة:

– من يملك فكرًا مبدعًا ورؤيا واضحة وبرنامجًا للتطوير والإنماء والعمران يتناسب مع الأوضاع البشرية والإجتماعية والإقتصادية في بلدته ولديه الإرادة الصادقة والنزيهة لتنفيذه.

من يتفرغ كليًا للعمل البلدي  كي لا يحصل تضارب بين عمله الخاص والعام. هذه الإزدواجية باب من أبواب الفساد. في الولايات المتحدة  مثلًا لا يمكن الجمع بين الإثنين بل يرغم أعضاء المجالس المنتخبة على تجميد كل الأسهم التي يملكونها في الشركات.

– من يهدف إلى خدمة أبناء بلدته بالدرجة الأولى، ولا يعتبر أن عمله البلدي هو قيمة شخصية مضافة، وشكل من أشكال الوجاهة والشهرة يسخرهما للإستفادة منهما في أعماله الخاصة.

علمًا أن أفضل المرشحين لا يعني بالضرورة أنه الأوفر حظًا بالنجاح من الآخرين.

العِّينة السابعة: أفضل الناخبين

8284

الناخب الحر الإرادة المستقل الملتزم يصوت بعقله وبقلبه. يقاوم الضغوط مهما كانت قاسية عليه ولا تجذبه الإغراءات مهما كانت متعاظمة.

أمثاله هم جذوة الأمل للتخلص من النخب الفاسدة المتسلطة وإعادة بناء الوطن على أسس متكافئة سليمة.

العيِّنة الأخيرة: أسوأ المرشحين

أمّا أسوأ المرشحين على الإطلاق فهم الذين ينتسبون إلى إحدى الفئات التالية:

– محترفو التآمر والكيدية والمخادعون، وغالبًا ما تكون حساباتهم مغلوطة لا يمكن الركون إليهم واليها معًا.

– المتلاعبون بالسلع الحيوية وبأسعارها.

– المرابون الذين يعطونك حلاوة اللسان ويروغون منك كالثعالب.

– المفلسون الذين فشلوا في القطاع الخاص وينظرون إلى  القطاع العام كصحن شهي أو قالب حلوى ويرغبون بالإستفادة من مناصبهم الرسمية ليتحولوا من مفلسين إلى مرتشين.

– المأجورون الذين يملكون أجندة خفية ولديهم إرتباطات غير محلية.

– الميسورون المختالون الذين يهندسون جبال الجليد بحيث لا ترى سوى قمتها ويخفون عن أنظارك الأجزاء الأخرى الخطرة، كمن يروي لك نصف القصة فقط فيما النصف الثاني يناقض النصف الأول كليًا.

– مربو الحمام وليس من الضروري أن تكون مهنتهم، بل هي صفة لسلوكيتهم  (المعروفون بالعامية بكشاشي الحمام وكنا نسمع في صغرنا أن شهادتهم غير مقبولة في المحاكم بسبب مهنتهم).

– مدّعو العلم والمعرفة وهما منهم براء.

LEBANON-POLITICS-VOTE

من المؤسف أن لوائح ضمت أمثالهم قد حالفها الحظ في بعض المدن والبلدات.

هذا هو لبنان الحقيقي بالمنظور الإنتخابي البلدي، وكم يختلف عن لبنان الشعب العنيد الذي غنت له فيروز ولبنان « قطعة من السما وكم أرزة عاجقين الكون وكانوا هون قبل ما كان في كون «كما تصوره الشاعر الراحل يونس الإبن طيب الله مثواه.

hvkhoury@gmail.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s