“كتابةٌ على جدار”…

إنفجارٌ نحتاجُ إليه!

labaki
الشاعر عبده لبكي

جيسيكا أسد

“كتابةٌ على جدار”.. فما الكتابةُ؟

وعلى أيّ جدار؟

cover photo
جيسيكا أسد…. وغلاف ديوان “كتابة على جدار”

ولتحديد رؤيا الشّاعر عبده لبكي والهدفِ وراءَ نشرِه هذا الدّيوان، ننطلق بتحليل العنوان، من ثمّ بتحديد أهمّ القضايا الّتي تطرّق إليها؛ والّتي دفعته إلى الكتابة؛ فكتابةٌ، كلمة نكرة، على الرّغم ممّا قد تحمِله من معانٍ. والكتابةُ فعلٌ إنسانيٌّ يعبِّر فيه المرءُ عن مكنوناتِه من أفكارٍ، ومشاعرَ، وأحاسيسَ، وتجارِبَ شخصيّةٍ، وفلسفاتٍ وتساؤلات. ولكنّها تبقى نكِرةً، على نكِرةٍ “كتابةٌ على جدار“. والجِدارُ نوعان، جِدارٌ جامِدٌ صلبٌ ومُتحجِّرٌ لاحياةَ فيه؛ ولكنّه صامِدٌ، وصمودُه يُحتِّمُ صمودَ الكتابة. وجِدارٌ مُجرّدٌ غيرُ مادّيٍّ وهو جِدارُ الصّوت. ويَظهرُ هذا الجِدار عند ازديادِ سرعةِ الطّائرة لتصبِحَ أكثرَ من سرعةِ صوتِها؛ فيشكِّل هذا المستوى الّذي تجتازه الطّائرة ما يُعرَف بال”sonic booms” أو اختراقِ جِدارِ أو حاجزِ الصّوت.

من هنا، تظهرُ دلالةُ العنوان؛ فالكتابةُ على الجِدارِ قد تَثبت ولكنّها تبقى بلا قيمةٍ من دون الصّوت. فما يبحث عنه شاعرُنا هو صوتٌ يعبِّرُ عن الكتابةِ وآذانٌ تسمعُ وقلوبٌ تثور. فالعنوان يشيرُ إلى “كتابةٍ” تجتاح الشّاعرَ وتتخبّط في داخله، فيحاول التّعبير عنها؛ وبذلك يكون المُراد من هذه الكتابةِ أن تتخطّى جدارَ الصّوتِ وتتعدّاه لتصِلَ إلى أعماقِ النّفوسِ، فمهما عَظُمَ شأنُ الكتابةِ وعَلَت قيمَتُها، تبقى مجرّدَ خطوطٍ مُبعثرةٍ إن لم تخترِق ضوضاءَ الدّنيا وأصواتَها لتكونَ مُسهِمةً في ابتداع الحياة، الّتي نفتقِرُ إليها في مجتمعاتِنا.

jessy assad-1
جيسيكا أسد

ويحمِلُ شاعِرُنا في “كِتابتِه” قضايا كونيّةً عديدةً في الإنسان والوجود. فيرى الموتَ مُنتشِرًا في الكونِ لذا يفترِض ضرورةَ التّحرّكِ للحِفاظِ على الإنسان من الحربِ والدّمارِ المهَيْمِنَين من جهة، والارتقاء بروحِه إلى الخالِق من جهة أخرى. فعبثيّة الوجود تطلّبت من الشّاعر أن يكونَ الصّوتَ الّذي يحملُ قضيّة الموت المُهيمن بناحيةٍ أخرى؛ فيحاول بثَ الحياةِ من قلبِ الموت واصِفًا إيّاه بصورَتَيْه السّلبيّةِ والإيجابيّة.

ويبرزُ الموتُ السّلبيُّ منتشِرًا بسبب الحربِ والدّمارِ وتسلّطِ الحكّام الطّمّاعين. فيصِفُ فسادَ الأرضِ “لا شيءَ صالِحٌ هنا حتّى الأغنية” (ص16)، كما يُظهِرُ الوطنَ المُتألِّمَ من خلال قصيدةِ “وطني المُعذَّب” (ص29)، ويصِفُ الأرضَ بالمُقفِرة (ص37)، ويجسِّدُ الحربَ المُباحةَ (ص42) و”الطّويلة الطّويلة” (ص43)، والّتي تنهمِرُ غزيرةً (ص38). من ثمّ يُظهر فسادَ الحكّامِ من خلال قصيدةِ “الملك يهرب” (ص45)، و”اللّصوص” (ص81)، و”الملِك المُتنكِّر” (ص84). كما يتناولُ الدّمارَ الّذي تبتدعُه الحروبُ (ص48)، فضلًا عن الهزيمةِ الّتي تُخلِّفُها في نفوسِ الشّعوب (ص46)، وصولًا إلى شرابِ المدينةِ كأسَها الأخيرَ (ص49)؛ وكأنّ في هذه الكأسِ إشارةً إلى عظمةِ آلامِ هذا الوطن، والّتي تُشبِه آلامَ المسيحِ الّذي قالَ مُصلّيًا في بستانِ الزّيتونِ “أبعِد عنّي هذه الكأس”. وينتهي “عبده لَبَكي” إلى إظهارِ انتشارِ الموت في كلّ أرجاء المدينة، “هذا الموتُ المتناثرُ على السّطوح” (50).

كما يظهر ارتباطُ الموتِ بالصّوت جلِيًّا، بحيث إنّ الشّاعرَ قد ملأ قصائِدَه بمعجمٍ مختصٍّ بالأسلحة، “آلات نتعلّم لغتها (ص51)، السّلاح السّلاح، بندقيّة صدِئة (ص52)، قنبلة (ص68)…”؛ وقد رأى من هذه الآلات انبثاقًا لأصواتٍ تتفجّرُ في داخِله، فيتمزّق متألِّمًا على وطنٍ لا سبيلَ لخلاصِه. وقد أرادَ بذلك كلِّه تسليطَ الضّوءِ على الفسادِ والموتِ المُسيطرَين في الأرض، وكأنّ به يُشيرُ إلى عبثيّةِ الحياة الدّنيا الّتي تنتهي بالموتِ والفناء (ص104) “ثمّ في لمحةِ البصرِ يصبحُ محمولًا في صندوق”؛ فينتقِلُ باحِثًا عن سبيلٍ للخلاص، لا يجده إلّا بالموتِ وتحرّرِ الرّوحِ من الجسدِ الفاني إلى السّلام الأبدي.

jess-Ass

وتحتلُّ الأبديّةُ حيّزًا كبيرًا من اهتمامِ الشّاعرِ، فيرى فيها موتًا إيجابيًّا فيه خلاصٌ وانعتاقٌ وحرّية. فهو يطمحُ إلى الارتقاءِ والخلاصِ بالموتِ ومن خلالِه؛ ويرى كَ”طاغور”، أنّ قيودَ الشّهوةِ والخطيئةِ ومحبّةَ العالمِ تكبّلُه وتمنعُه من نيلِ مُبتغاه، “الجنّة”. ويَظهر ذلك جليًّا في قصيدة “جلوس” (ص14)، حين يقولُ “الضّباب يحيط بي…”، ومن ثمّ يقول “أغمض عينيّ ورغم الفاكهة الصّغيرة الّتي تثقل جلوسي هنا…”. كما يتجلّى من خلال قصيدة “هذا القفر” (ص25)، بقولِه: “الآبار في جيبي تثقلني…”. وقد وصفَ الشّاعرُ روعةَ هذا الموتِ “الأبديّة” ب”الرّقادِ النّقي” (ص4)، و”الإرث” (ص9)، حيث “صفاء الأجساد” (ص24). ذلك، وشبَّهَ رحلةَ الرّوحِ بالإبحارِ ك”جبران خليل جبران” في كتابه “النّبيّ” فقال: “وفي لحظةٍ تُضافُ إلى خُطُواتِه الورديّةِ، تُبحِرُ به قواربُ الصّيّادين نحو جزرٍ بعيدة.” (ص10)، كما وصفَها بالعبور (ص33). ووصف الجنّة (ص36) فقال: “حيث الحدائقُ البيضاءُ لا تزال منذ ألفِ سنةٍ تنتظرُه لقبلةٍ طويلة.” أضِف إلى ذلك أنّه تكلّمَ على التّحرّرِ من الجسدِ لملاقاةِ الخالقِ، بأبهى الصّور (ص86) “تخرج خاليةً من أوراقها الزّهرةُ السّعيدة جدًّا لتحبَّ سيّدها بشيءٍ من الموت”.

ويرى الشّاعرُ في الموتِ خلاصًا وحياةً، ويربط الحياةَ بالكلمة والصّوت، فيقول (ص5): “يريدني أن أهمِسَ في أذنِ تفّاحةٍ كي تنضَج”؛ فيجعلُ حتّى من الهمسِ، وهو أضعفُ الأصواتِ، طاقةً مُحيِيَة. ولِلكلمةِ عند “عبده لَبَكي” قُدرَةٌ على الخلقِ كما ظهرَ (ص108)؛ “كانت الكلماتُ ساخِنةً جدًّا… رماها بعيدًا على أرضٍ قاحِلةٍ بعد قليلٍ نَمَت ورودٌ كثيرةٌ واستطالَت حتّى بلَغَت شَفَةَ السّماء”. وبذلك نرى الشّاعِرَ يحمِلُ قضيّةَ الإنسانِ بطبيعتَيْه المادّيّة والرّوحيّة، فتنبضُ قصائِدُه بها، وتشتعِلُ ثورَةً على الموتِ والعقمِ المُهيمِنَيْن، فيرى نفسَه وحيدًا، “وأنا الحيُّ الوحيدُ في هذا العالم” (ص21)، يجاهِدُ في سبيل الحياة؛ “لن تتمكّنَ الحربُ أبدًا منّي” (ص11)، كما يرى في سَعْيِه أملًا في التّغيير (ص60) “مُراهِقٌ يضعُ جمرةً على العالم يحاول أرضًا جديدةً… فسوف يبني ذات يومٍ قصرًا في الغيوم”. فالكتابةُ تبقى وتثبت ولكنَّ الشّاعِرَ يبحثُ أيضًا عن صوتٍ يصِل ويؤثِّر، ف”الصّراخُ كلّه لا يوقِظُ الّذين آذانُهم من شمع” (ص66)؛ انطِلاقًا من هذا يحتاج الشّاعرُ إلى كتابةٍ تُسابِقُ سرعتُها سُرعةَ الصّوتِ وتخترِقُهُ؛ فكتَبَ.. لعلَّ قصائدَه تُحدِثُ انفجارًا تهتزّ له الآذانُ وتثورُ به القلوب!

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s