غابرييل غارسّيا مركيز

عالم من الخلق والعطاء والإبداع بعد “مئة سنة من العزلة”

Gabriel García Márquez
غابرييل غارسّيا مركيز

غَابْريِيل غَارسِيَا مَارْكِيز في ذكرى رحيله الثانية

أطيافُ وَاقعيّتِه السِّحريّة ما فتئت تُبْهِرنَا إلى اليوم

مدريد – د. محمّد م. خطّابي

mourners-garcia-marquez-
شموع ودموع في ذكرى رحيله

الكاتب والروائي الكولومبي الشّهير غابرييل غارسّيا مركيز منذ أن رحل عن عالمنا بتاريخ 17 نيسان/أبريل عام 2014 لم تتوقّف الأوساط الثقافية، ودور النشر في إسبانيا، وفي بلده كولومبيا، وفى مختلف بلدان أميركا اللاّتينية، وبلدان العالم عن تنظيم اللقاءات، والتظاهرات، والملتقيات، والمناظرات حول أدبه، وإبداعاته، وكتبه، ورواياته المغلّفة بأطياف الواقعية السّحرية، وإعادة طبع بعضها، كما لم يتوقف الحديث عن خطاباته التي جُمعت قبيل رحيله في كتاب مُستقلّ تحت عنوان “لم آت لكي ألقي خطاباً” وما إنفكّت العديد من الكتب، والمقالات، والدّراسات تُنشر حول هذا الرّوائي المثير دائماً للجدل قيد حياته، سواء في معايشاته الخاصّة، أو في رواياته، أوتصريحاته، أو مع أصدقائه، وخلاّنه، أو مع كبريائه، وخُيلائه، وعِناده، وتمرّده.

وحريٌّ بنا في هذه الذكرى الثانية لرحيله، والحالة هذه، أن نلقي إطلالة متأنّية على إحدى أشهر وأكبر رواياته التي حقّقت من الشّهرة، والذيوع، والإنتشار ما لم تحقّقه أيُّ روايةٍ أخرى من رواياته، أو من روايات زملائه، وخلاّنه، وأصدقائه الآخرين سواء في موطنه كولومبيا، أو في أيّ بلدٍ آخر من بلدان أميركا اللاّتينية الأخرى. ونعني بها روايته “مئة سنة من العزلة” .

Gabriel
“مئة سنة من العزلة”

ماذا إذن نحن واجدون في رواية “مئة سنة من العزلة”، وما هي أهمّيتها، وقيمتها بالنسبة إلى باقي أعمال مركيز الإبداعية الأخرى..؟ وماذا تخبّئ بين صفحاتها، أو تخفي بين دفّتيها..؟ وماهو سرّ أو سحر نجاحها، وشهرتها، وذيوعها وإنتشارها، ونقلها إلى مختلف لغات الأرض..؟ حيث ترجمت حتى اليوم إلى 37 لغة بما فيها لغتنا العربية الجميلة.!

بهذه الرّواية توَّجَ الكاتب رحلتَه الطويلة في عالم الخلق، والعطاء، والإبداع بفوزه بجائزة نوبل في الآداب عام 1982. كتبها في “المكسيك” ونشرها في بوينس آيرس، ولم يكن يتجاوز عمره آنذاك التاسعة والعشرين. وكان أوّلَ نقدٍ كُتب حول هذه الرّواية بقلم الناقد المكسيكي إيمانويل كاربايُو عام 1967، عندما قرأها وهي بَعْدُ مطبوعة على الآلة الرّاقنة (Typewriter)، ولم تكن قد صدرت بعد، لقد ذهب هذا الناقد في ذلك الوقت إلى القول إنّه وجد نفسَه أمام “واحدةٍ من أعظم الرّوايات في القرن العشرين”، وقد أصاب.

وُلد غابرييل غارسيا مركيز عام 1927 في “أراكاتاكا”، وهي إحدى القرى الكولومبية الكاريبية الصغيرة المغمورة، وظلّ وفيّاً لقريته الأسطورية، ولذكرياته التي عاشها فيها. وعندما طفق يكتب قصصه، ورواياته قفزت شهرة هذه القرية إلى مختلف أنحاء المعمور، ونطقها الملايين من القرّاء بفضل إبنها البار غابرييل غارسيا مركيز. ونظراً للحرارة المرتفعة المعروفةفي هذه القرية، فإنّنا نجد هذا العنصر ينعكس على معظم قصص مركيز، وهو يرمز إلى هذه القرية في “مئة سنة من العزلة ” باسم “ماكوندو”.

مدرسة الواقعية السّحرية

المدرسة التي تنتمي إليها هذه الرواية المطوّلة، هي مدرسة الواقعية السّحرية التي ميّزت الأدب الأميركي اللّاتيني خلال الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، ويتعرّض ماركيز فيها للمهاجرين العرب (مسيحيّين ومسلمين) الذين كان معظمهم من لبنان، وسوريا، وفلسطين إلخ، والذين وصلوا إلى قرية “أراكاتاكا” (ماكوندو في الرّواية)، كما تتعرّض لمِهَن التجارة التي كانوا يزاولونها، كبّاعة متجوّلين، وبائعي الحِليّ، والمُجوهرات ذات الأثمان البخسة، ويستعمل الكاتب في تسميتهم مصطلح الأتراك “Los Turcos”، وهو مصطلح غير دقيق، لأنهم سُمُّوا كذلك فقط لأنّهم عند هجرتهم كانوا يحملون جوازات سفر مُسلّمة لهم من طرف الدّولة العليّة العثمانية التركية، وتظهر لنا في الرّواية بعض العادات، والتقاليد العربية، وقد أصبح “شارع الأتراك” في الرّواية فضاءً سيعرف تطوّرات، وتحوّلات سيكون لها تأثير على معظم سكان “ماكوندو”، التي يقول عنها الكاتب أنّها: “سرعان ما تحوّلت من ضيعة صغيرة إلى قرية نشيطة ذات دكاكين، وورشات للصّناعات التقليدية، كما أصبحت طريقاً تجارياً دائماً من حيث وصول العرب الأوائل”، الذين تعاطوا التجارة والمقايضة، وأحدثوا في القرية تنظيماً إجتماعياً أساسياً، وحياة ثقافية، والذين حملوا معهم “ألف ليلة وليلة” وخيالها المجنّح (يخبرنا مركيز أنه قرأ هذا الكتاب وهو في السّابعة من عمره)! وصول المهاجرين العرب إلي القرية، وإنتشار مفهوم التجارة فيها قد يكون إيماءة أدبية، وتلميحاً، أو رمزاً لوصول الإسبان إلى ما سُمّي في ما بعد بالعالم الجديد، أو إسبانيا الجديدة، أو القارة الأميركية.

Gabriel García Márquez-5
مجموعة من مؤلفاته

كلمات عربية الأصل

خلال الخمس سنوات التي قضيتُها في كولومبيا، وبعد قراءات متوالية ومتأنيّة لهذه الرّواية، قُمتُ بإجراء رصد دقيق لجمبيع الكلمات التي تنحدر من أصل عربي أو أمازيغي الموجودة فيها، فكانت مفاجأتي كبيرة، إذ أنني أحصيتُ كلمات عديدة جدّاً ألفيتها مبثوثة في هذه الرّواية، أذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر: القطن، المسجد، السّوسن، الضّيعة، الجلباب، المخزن، العقرب، الكحول، الكافور، القطران، الزّيت، المسك، السّوط، الياسمين، الزّهر، الخزامى، البِرْكة، السّاقية، اللقّاط، الزعفران، الكيل، الثرثرة، الشّراب، القاضي، القائد، البابوش (عربية- فارسية)، الزّناتي، وهذه الكلمة الأخيرة إستقرّت في الإسبانية بمعنى الفارس المغوار نسبةً إلى القبيلة الأمازيغية بالمغرب “زناتة”،  وسواها من الكلمات، وعندما ألقيتُ محاضرةً حول” مئة سنة من العزلة” لمركيز باللغة الإسبانية منذ بضع سنوات خلال أمسية أدبية في “نادي نوغال” المرموق في بوغوتا، فوجئ العديد من المثقفين والكتّاب الكولومبيّين بذلك، إذ يصعب في كثير من الحالات ردّ بعض الكلمات العربيّة أو ذات الجذور العربية المبثوثة في اللغة الإسبانية منذ قرون إلى أصلها أو أثلها العربي.

بدايات وإشراقات

يشير الناقد إمانويل كارباي إلى أنّ الروائييّن الذين يعتبرون إخوة كبار لماركيز، وهم: “كاربنتيير” و”كورتاثار” و”مارشال” و”رولفو”، أمكنهم كذلك خلق فنّ روائي جيّد على مستوى القارة. وأنّ “أوّل قصّة كتبها مركيز لم يكن عمره يتجاوز 19 ربيعاً ونشرها بعد ثماني سنوات وهي “تساقط الأوراق”، صدرت في بوغوتا عام 1955، ثم تلتها رواية “الكولونيل ليس لديه مَنْ يكاتبه”، وهي رواية قصيرة أو قصّة مطوّلة أنهى كتابتها في باريس عام 1957، ثم “السّاعة النحسة” التي حصل بها الكاتب على أوّل جائزة أدبية عام 1961، وفي عام 1967ظهرت له “مئة سنة من العزلة”، التي تعدّ من أجود الرّوايات التي شهدتها اللغة الإسبانية في القرن الفائت. ويضيف الكاتب: أنّ مركيز بهذه الأعمال الروائية المبكّرة أقام إلى جانب روائيين آخرين أسسَ وقواعدَ الرواية الجديدة في هذه القارة، وقد نال بذلك إعجابَ النقّاد والقرّاء وأبهرهم، إلى جانب كتّاب آخرين مثل الراحل كارلوس فوينتيس وماريو برغاس يوسا، الذين إنطلقوا جميعهم من التزامهم باللغة، ثمّ عمدوا إلى التحليل العميق لواقع الإنسان الأميركي اللاّتيني، وعالجوا بذكاء أساطير، وإرهاصات العالم الجديد، والتي عكست أعمالُهم حياةَ وتاريخَ قارّة بأكملها .

ويقال عن جدارة في هذا الصدد أنّ مركيز قد قدّم لـ “الرواية اللاّتينوأمريكية” ما قدّمه وليم فولكنر للرّواية الأمريكية، وأنّ قصصه القصيرة هي بمثابة فصول منفردة لم تجد مكاناً لها في رواياته، أو ربما كتبت لتنير حياة بعض الشخصيات، أو لتفسّر بعض أحداث رواياته، وهي قصص مكتوبة بطريقة تقليدية تجعل بينها وبين الماضي حدّاً بواسطة الصّمت الذي يغدو في أعمال مركيز صوتاً مدويّاً صاخباً مثلما رأينافي “مئة سنة من العزلة” التي هي سرد متواتر لتاريخ شعب. وأشير في هذا الصّدد إلى أنني أدرجتُ بعض أقاصيص ماركيز في كتابي: “أنطولوجيا القصّة القصيرة في أميركا اللاتينية/عدالة الهنود وقصص أخرى” الصّادر عام 2001 عن المجلس الأعلى للثقافة (المشروع القومي للترجمة) في مصر.

obit-gabriel-garcia-marquez
مع كارلوس فوينتيس

كِتَاب أميركا اللاّتينية

بعد قراءة “مئة سنة من العزلة” فإنّ أوّل ما يثير الإنتباه فيها هو عدم تسلسل أحداثها التاريخية، إلاّ أنّ ذلك بدلاً من أن يغدو عاملاً يقلل من شأن الرّواية، يجعلها تتوفّر على خصائص أهّلتهأ لتحتل مكاناً مرموقاً بين الأعمال الروائية التي نشرت بعدها، فعلى خلاف الرّوائيين الآخرين، نجد ماركيز في هذه الرّواية يحقق مبتغاه في البحث عن الأصالة بواسطة سبل قد تبدو للوهلة الأولى في الظاهر رجعية، وهذه السّبل بدلاً من أن تتّجه نحو المستقبل، فإنها تسير في إتجاه معاكس للتاريخ وللأدب بهدف إكتشاف الماضي، الذي أسهمت العزلة في تنقيته، وتجليته، وتصفيته، وأصبح يكاد يكون مجهولاً، ولكنه في الوقت نفسه هو جديد بالنسبة للقارئ مثل جريدة اليوم التي بين يديه، فهناك يعثر على ما كان ينقب عنه منذ أن صدرت قصّة مركيز “تساقط الأوراق”، حيث يلتقي القارئ مع أناس يعيشون في الخيال، ويعني هذا عنده ضرباً من البناء إنطلاقاً من الهدم، والحبّ، والقهر، والقسوة، والمعاناة. رجال وعوالم يقفون على الرّصيف المقابل للمعتقدات الإجتماعية، والأعراف المتوارثة، والأفكار السياسية والمعتقدات الدينية. والمحسوبية، والمنفعية، وأخيراً المخدّرات.. ! هذا ما نجده في روايتيْ “الكولونيل ليس لديه من يكاتبه”، و”السّاعة النحسة”، فقد كان من المستحيل الجمع بين التاريخ والشخصيات.

غارسيا مركيز أمكنه أن يجد في “ماكوندو”، وهو الإسم الذي يرمز إلى الإسم الحقيقي لقريته “أراكاتاكا”. رجالاً، وطرائقَ عيشهم، والصّلات التي تربطهم بعوالم سابقة لوجودهم. في الوقت الذي تتحوّل فيه بعض هذه الشخصيات إلى أناس أنانييّن، وأصدقاء وصوليين لا تعنيهم سوى المصالح المادية الآنية، فقرية ماكوندو هي “الفردوس الأرضي” والفرصة الوحيدة المتاحة والممنوحة للإنسان في هذا الشقّ من العالم ليحقق أمانيه. في هذا الفردوس لا يمكن لأعداء الرّجال إستغلال الفرص لإفساد السعادة التي يوجدون فيها، و”مؤسّسة ماكوندو” التي توازي أو تعني فكرة أميركا، أمكن للأوربييّن، منذ “إكتشافهم” لها، تعزيز مواقفهم فيها، حيث استقدموا معهم عنصر الاستمتاع بالحياة، وكذا زرع بذور الشرّ والكراهية والتدمير، التي ستترك القرية في ما بعد متحجّرة أو مصنوعة من حجر. ومثلما ذهب الرّوائي المكسيكي كارلوس فوينتيس عندما قرأ “مئة سنة من العزلة”، حيث وصف هذه الرواية بأنها “كِتاب أميركا اللاّتينية”. يرى إمانويل كاربايو كذلك أنّ هذه الرّواية بالفعل هي بمثابة “كتاب مقدّس” في وصاياه أو عهوده القديمة والجديدة، الذي يحكي فيها تمشّياً مع قواعد الفنّ تاريخ شعب مختار، في قرية ماكوندو منذ البداية إلى حلول الكارثة، أيّ منذ أن وطئ هذه الأرض الغرباءُ الوافدون، وجعلوا من هذه الضّيعة قرية أسطورية حتى اللحظة التي يهيمن النمل على الأرض، ويلتهم آخرَ وليد من آخر الرّجال من هذه الذريّة أوالسّلالة فيها .

حدود الموت والحياة

هذه الرواية تبدو للقارئ إنطلاقاً من منظور آخر، وكأنّها رواية مغامرات، حيث تمتزج فيها البطولة بالأسطورة. كما تبدو بالنسبة للقارئ غير النّابه، وكأنّها قصص ألف ليلة وليلة في صيغتها الأميركية التي تلخص تاريخ أميركا اللّاتينية منذ إستقلالها إلى الوقت الحاضر. هذه اللعبة التي تتطلب بعض التراجع والتقهقر غير المُعلن عنهما في النصّ تشير إلى هذه القارّة في بعض عهودها الغابرة، وهكذا نجد تكهّنات تشحذ خيال القارئ حول العصر الوسيط، وعصر النهضة، وعصر الأضواء ويشطح، أو يجنح مركيز بخياله، ويقدّم لنا “مكياديس” فى الرواية عالماً كيميائياً من العصر الوسيط. ولقد إعترف مركيز أنّه قد إستوحى هذه الشخصية من صاحب التوقعات الفرنسي الشهير ميشال دي نوسترداموس، وهو أيضاً رجل النهضة المدافع عن حقوق الإنسان في القرن الثامن عشر، ربّما لذلك فهو يموت مرّتين، ويحتمل أن يولد من جديد ليخبرنا كيف ستجد “ماكوندو” منفذاً أو مخرجاً (أيّ أميركا اللاتينية) من الموت الذي يحكم به عليها ظاهرياً مركيز في ختام الرّواية.

وهذه الخلاصة تتصادف بشكل يثير الإنتباه مع البداية، فالرواية تبتدئ بتقديم ماكوندو كأرض بور، تدعو الرّجال في المنطقة لإستيطانها، وتنتهي كذلك كما بدأت بدعوة جديدة للمهاجرين الجدد الذين سوف ينحدرون من الجبال مثل المرّات السابقة لاستيطان القرية وإعمارها، ومنحها قوانين أكثر عدالة وأقلّ فساداً. “مكياديس” من جانب آخر يمكن أن يموت ويولد لأنه يقطن أوّلاً وأخيراً في القارّة الأميركية، حتى وإن كان يجري في شرايينه الدم الأجنبي، إنه لا يفرّق أو يميّز الحدود الفاصلة بين الحياة والموت في هذه المنطقة، (أيّ في أميركا ) التي لا يموت كل شيء فيها موتاً تامّاً أو كاملاً أو نهائياً، كما أنّه لا يولد أيّ أحد فيها بالتمام أو في شكله النهائي!

تطرح “مئة سنة من العزلة” تساؤلاً حثيثاً وهو: إلى أيّ حدّ ينبغي للرّواية وباقي الأغراض الأدبية الأخرى أن تعكس الظروف الواقعية، وفي هذه الحالة للبلدان السّائرة في طريق النموّ؟ أو إلى أيّ حدّ يجوز لنا إذا وضعنا في إعتبارنا أنّ الرواية هي في يد الرّجال المحنّكين مثل الأوربيّين والأميركيّين أن تقدّم للقرّاء صورة بنيوية وجمالية حسب ما يحدث في المختبرات الأدبية الأكثر تقدّماً في البلدان التي تستمتع بالإمتيازات التي يوفّرها لها العصر الحاضر..؟ إجابة مركيز تبدو مقنعة إذ يقول: “إن التطوّر والنموّ الإقتصاديان لا ينبغي لهما أن يصبّا بالضرورة في رواية تتجاهل الواقع والإطار التاريخيين للقارّة”.

عندما يغدو الخيال حقيقة

لا ينكر ماركيز الإكتشافات القائمة في التقليد الأدبي الأميركي اللاّتيني، وهكذا يمكن أن يقدّم بإرتياح للقرّاء عملاّ أميركياّ بحتاً لا يمكن أن يغبط تلك الأعمال التي تكتب في أماكن أخرى من العالم. إنّ مئة سنة من العزلة تعتبر بحق من أدقّ وأعمق الروايات، إلاّ أنّه إلى أيِّ حدٍّ يمكن إستعمال هذا الوصف من دون أن ينأى عن الحقيقة.؟! فالبنية، والتاريخ، والشخصيات، والأسلوب، والأجواء التي تدور فيها الرّواية، كلّ ذلك يفي بالغرض بدقّة متناهية، والرّواية إستعراض في أرقى مظاهره للحياة، والألم، والمعاناة، والموت، والأمل، حيث يغدو الخيال، والعبث، وكلّ ما يمكن أن يتخيّله المرء أمامه فيهاحقيقة ماثلة .

الناقد المكسيكي إيمانويل كاربايو يرى أنّ ماركيز بعد هذه الرّواية كان ينام مطمئنّ الخاطر، حتى وإن كان هناك إحتمال مُؤدّاه أنّ هذا العمل الأدبي لابدّ أنه قد أقصى عنه الكرىَ، ممثلاً في الأرق الذي كانت تعاني منه “ماكوندو”، ويعترف كاربايو لنا أنّه بعدما أعاد قراءة نقده الأوّل لهذه الرّواية، الذي نشره عام 1967، تنبّه إلى أنّ التنبّؤات، أو قراءة الغيب في الأدب يمكن أن ينأى عن الصّواب”. ففي هذا العرض توقّع الناقد أنّ ماركيز مثل رولفو، ومونتيرّوسو وسواهما من الذين بعد كتابتهم لعمل جيّد وممتاز قد يلوذون بالصّمت، ولكنّ شيئاً من هذا لم يحدث مع مركيز، فقد إستمرّ في الكتابة والإبداع، فمنذ سنة 1967 إلى رحيله نشر كتباً كثيرة جديدة . إلاّ أنّ الناقد مع ذلك ليس متيقنّاً من أنّ ماركيز قد كتب بالفعل أعمالاً جيّدة كما هو الشأن بالنسبة إلى “مئة سنة من العزلة”، وأقلّ منها مرتبة “الكولونيل ليس لديه من يكاتبه”، وهو يرى في أعماله بعد سنة 1967 نوعاً من الحنين نحو عالم ضائع لا يمكن إسترجاعه. إنّه جاء بعد “مئة سنة”، ليس كمكتشف أقطار، أو سابر مناطق ومَواطن أدبية جديدة في عصرنا، بل ككاتب وصاحب أسلوب قويّ ومميّز ذو مقدرة هائلة، ونكهة لذيذة في مطبخ الأدب، ممّا يفضي بالقارئ المبتدئ إلى الوقوع في الخطأ وعدم التمييز بين “اللقطة” وبين المعاودة والإستمرارية. إذ هناك فقط روايتان بعد “مئة سنة من العزلة”، وهما “يوميّات موت مُعلن” و”الحبّ في زمن الكوليرا” يمكن وصفهما بأنّهما عملان رائعان، إلاّ أنهما ليستا روايتين ممتازتين، وهذان العملان في سيرة أيّ روائي آخر أقلّ موهبة من مركيز يستحقّان الإهتمام والإعجاب، أمّا عند مركيز بالذات فهما عملان يمكن قراءتهما بمتعة، ولكن ليس بالمتعة نفسها، التي يجدها القارئ عند قراءته لأعمال أخرى للكاتب وفى طليعتها “مئة سنة من العزلة”.

يبدو لنا غارسيا ماركيز وكأنّه كان يكتب قبالة مرآة، ويوحي لنا بأنّه كان يتوقف بعد كلّ برهة لينظر إليها ويتأمّل نفسَه مليّاً ليهنّئها كلما كتب جملة أو فقرة أو إستعارة أو مجازاً، لا يعاتبه ولا يحاسبه أحد على ذلك، إنّه قد ترك وراءه التواضع ومشى مرحاً، وَصَبَباً في خيلاء وشموخ، نظراً لما حقّقه، وأدركه من نجاح وإنتشار وشهرة واسعة.

Mario Vargas Llosa y Gabriel García Márquez
مع ماريو برغاس يوسا

فوِينتِيسْ وغابُو وآخرون

يخبرنا الكاتب المكسيكي الرّاحل كارلوس فوينتيس إنّه تعرّف على غابرييل غارسيا مركيز لأوّل مرّة عن طريق الكاتب الكولومبي الراحل “الفارو موتيس” الذي أهداه في الخمسينيات من القرن الماضي إحدى رواياته الأخيرة منبّها إيّاه بولادة كاتب كبير. ويشير فوينتيس أنه في ذلك الوقت كان يشرف على مجلة “المكسيك الأدبية” التي نشر فيها نصوصاً مطوّلة عبّر فيها عن إعجابه بأعمال مركيز الأولى التي وقعت بين يديه. وعاد عام 1963 من جولة في أوروبّا وكان مركيز في المكسيك، ومنذ اللحظة الأولى كان إعجاب فوينتيس بمركيز كبيراً “لخفّة روحه ومعارفه الواسعة”، ثمّ توالت لقاءاتهما، وإكتشاف مصالح متبادلة بينهما. وهكذا دامت صداقتهما سنين طويلة ممّا شكّل سيرة ذاتية مشتركة. ويشير فوينتيس في هذا القبيل إلى أنّ فصولاً كثيرة ممّا كتبه مركيز وفوينتيس يمكن خلطها وتبادلها وإستعمال بعضها الآخر تحت عناوين متباينة مثل “ضائعون في سوروسكو” و”ربيع براغ” و”شهادات سيّدات عصور مضت” و”ألف آحاد في سان أنخيل” و”إرتباك صوتين” و”شخصيّات ونصوص” و”العقيد غابيلان” الذي تاه عنه في “موت أرتيمُيو كروث” ثم عاد فوجده من جديد في “مئة سنة من العزلة”، وفي فصل آخر موثوق بخيوط ملوّنة وهو “الجنرال في متاهته”. ويشير فوينتيس إلى أنّه في عام 1965عندما وصلته نسخة من الصّفحات الأولى من “مئة سنة من العزلة” وهو في باريس جلس من دون تفكير وكتب: “لقد قرأت كِتَابَ أميركا اللاتينية” !.

وإسترجع فوينتيس ذكريات عاشها إلى جانب الكاتب المبدع الذي يفضّل أن يسمّيه “غابو” فقط والذي قال له ذات مرّة “إنّنا نكتب الرّواية الأميركية اللاّتينية نفسها، الفصل الكولومبي كتبته أنت، والفصل المكسيكي كتبته أنا، وتولّى خوليو كورتاثار كتابة الفصل المتعلق بالأرجنتين، وكتب الفصل التشيلي خوسّيه دونوسو، وأمّا الفصل الكوبي فكتبه أليخُو كاربنتيير”.

ويشير فوينتيس إلى أنّ ماركيز رافقه على إمتداد حياته إعجاب، وحبّ، أصدقائه وخلاّنه وهم جميعاً وعلى رأسهم هو نفسه إحتفلوا بنجاحاته، وصفّقوا له بصدق وحرارة، وعلّق مركيز على هذه التصفيقات ذات مرّة مداعباً : “ليتها كانت أصواتاً في صناديق الاقتراع “..!

Gabriel García Márquez-w.jpg

* د. محمّد م. خطّابي، كاتب، وباحث، ومترجم، وقاصّ من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية – الأميركية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s