الدكتورة غادة السمروط

“الفناء والبقاء في أعمال

باسمة بطولي الفنية والشعرية”

Ghada_Samrout
د. غادة السمروط

د. جان عبدالله توما

فيما نعبر عن كلمتي الدكتور النائب مروان فارس والدكتور إميل يعقوب في التمهيد والتقديم للكتاب، وفيهما الزخم والتقدير والإنحياز الجلي إلى ما قدمته الكاتبة، الدكتورة غادة السمروط، خدمة للمكتبة العربية وللغة العربية، تقع على مؤلفة تحاول أن ترسم لك خارطة الإبحار في شعر باسمة بطولي وفنّها.

توضح الكاتبة، بداية، أنَّ قراءة شاعر أو أديب هو إعادة كتابة بالروح، وبالتالي هو تلبّس للشاعر أو للأديب، واستعادة النصّ من الكاتب إلى القارىء في رسم جديد بالكلمات للمضامين، حتى لتحسب أنّ الشاعر أو الكاتب نفسه يعتقد أن الكلام هو على آخر وليس عليه. الكلام عن باسمة بطولي ، في النهاية، هو كلام عن المؤلفة نفسها، في جنوحها نحو المشاعر الصوفية والشعرية في أعمال بطولي. هذا الجنوح العاقل لما جاء في الكتب الأربعة: عربات الصّدى، مع الحب حتّى الموت، حين ترتدي النار عُريها، مكلّله بالشوق، يشي بثقافة المؤلفة” الفكرية والأدبية الواسعة وبخاصة في موضوع الصوفية التي استعانت بحدسها الأنثوي كأديبة باحثة لتغوص في مكنونات شعر امرأة شاعرة” (من كلمة مروان فارس ص 12).

Ghada-Bassima Batouli
الشاعرة الفنانة باسمة بطولي

“سرّ الوجود”

غادة السمروط تذهب في بحثها مباشرة إلى تظهير “سرّ الوجود” عند الصوفيّ والشاعر. كما في اللعبة الأزلية التي يبدأها الطفل بتفكيك لعبته، والبحث عن سبب حركتها، وفي سؤال العجوز في ختام حياته: إلى أين الآن؟. تبدأ المؤلفة، من فوق، بخلاف التمهيدات والتقديمات، تذهب مباشرة إلى معالجة “أعلى مراتب الصوفيّة، في موضوع الفناء والبقاء”(ص19). لذلك أنت تأتي مضمون الكتاب، أيضًا من فوق، لا يمكنك أن تلقي نظرة عليه، بل عليك أن تمارس قبلاً وضوء المطالعة، وطقوس الجلوس إلى خير جليس في الأنام، لتلج “عالمًا جديدًا لم تره عيناك من قبل ولم يحُكْه خيالك”(ص18).

بعيدًا عن منهجية البحث العلميَ في الكتاب، التي التزمتها الكاتبة، تقميشًا وتوثيقًا، بحيث تعترف أن الموضوع الذي تناولته قد أشار إليه كثيرون في كتاباتهم، و”قد زاد عددهم على المئة والأربعين، بين ناقد وأديب وشاعر”(ص 21)، ولكنها توضح أنّ مناقشاتهم تناولت ، حصرًا، المقالات المنشورة في صحف ومجالات أدبيّة، فيما هي تتطرّق إلى الصوفية في أعمال باسمة بطولي وهو ما ” لم يتطرّق إليه أحد من الباحثين بشكل موسّع علميّ وموضوعيّ”(ص22)، دون أن تدّعي في العلم معرفة، وفي معالجة الموضوع كمالاً، إذ تعترف تواضعًا علميًّا بقولها: “نحن لا ندّعي أننا سوف نقول كلّ شيء في هذه الدّراسة”(ص28).

معالجة متكاملة

في أقسام الكتاب الثلاثة، وفي الحوار مع الشاعرة بطولي، تحاول غادة السمروط أن تلمّ بمناحي الموضوع كافة، كأنّها تكتب قبل أن ينتهي العالم غدًا. لذلك تأتي معالجتها متكاملة الخُطى، ففي القسم الأول تتحدّث عن السعيّ الصوفي وبين التجربتين الشّعريّة والفنّية والتجربة الصوفيّة، لتتساءل باسلوب “الجاهل العارف”: “باسمة بطولي من تكونين؟” (ص71). لقد وقعت المؤلفة في الالتباس، إذا صارت، بعد معالجة النصوص، نصّا إضافيًّا اغترابيا عن الكاتبة. تلبَّسَتِ الحالة الشعرية للكاتبة بالأصل، فتحوّرت النظرة العميقة، وصرنا في نصّ إزائي مبرّرة ذلك بقولها:” تلاقي الانسان بالآخر، يعني تلاقيه بذاته، لأنه هو أيضًا آخر بالنسبة للآخر، تقارب متبادل، ليصل الاثنان إلى درجة عليا من الوحدة والسعادة الروحيّة. وحدة وسعادة روحيّة أليستا المحطتين الأكثر أهمية في التجربة الصوفيّة؟”(ص73).

ترسم المؤلفة، في القسم الثاني، مواطن الصوفيّة، ولكن بنظرة أنثوية ، من خلال كتاب الرسم:” أصداء بصرية”. فتقوم معالجتها على مفهوم الصدى وارتباطه بالبصر. كيف يستقيم هنا مدى الصدى غير المنظور بالبصر المنظور؟ لعبة التناقض اللفظي وفي المضمون هنا، تنعكس على واقع اللوحات التي تعالجها المؤلفة للوقوف على مرامي الصوفية فيها، وصولاً إلى المرأة والعالم النوراني. هذا الحضور الأنثوي يطلع علينا كما “أمومة المياه” في لوحاتها في عودة إلى البدء، إلى نبع الحياة الأول” ويأخذنا كلّ ذلك إلى تماهي المرأة مع الكون في مخيلة الرسّامة، فلا حياة دون ماء(…) وبهذا تصبح المرأة مرآة الكون” (ص 113).

لعلّ كونيّة انتماء العالم للماء، تأتي في لا وعي الفنان شاعرًا كان أم رسامًا. إنَّها “ماوية الطبيعة”، وأنثوية الانعكاس في”مرآة الماء” ونرجسيته. فالماء جذر الحياة وقطرة الطبيعة، وهو، في حضن الطبيعة والأم، رحم التكوين، ورحم الخصوبة والأمومة.

ghada-Jean Touma
د. جان عبدالله توما

مفهوم الفناء والبقاء

وتعالج المؤلفة في القسم الثالث والأخير مفهوم الفناء والبقاء متنقّلة بين صورة الحبيب المعشوق، وصورة العاشقة، واسلوب الذّكر والتكرار، والقبض والبسط. باختصار: تقوم كل مقوّمات هاتين النقطتين: الفناء والبقاء في”الموت في الحبيب، اي نكران ذاته امامه، بأن يكون المحبّ في حالة صفاء ونقاء، يتحوّل فيها إلى روح تتّصل بروح المعشوق”(ص 138)، وتستحضر المؤلفة ابن الفارض وابن عربي والحلاّج وغيرهم ممن ” يشعر بامتلاء وفيض نورانيّ”(ص 139) “حين ترتدي النار عريها”. هنا تلاحظ المؤلفة في عنوان كتاب بطولي:” تعايش العري مع الرداء، في عنصر الاحتراق، النار، فالنار العارية المعرّية، تحتضن الجوهر الصافي، والعري(التخلّي عن الملذات المادّية)، هو أحد مظاهر التقشّف”.(ص184). هذا التعارض في الصورة المكتوبة أو المرسومة تختصرها الشاعرة بطولي بقولها:” في شراع الغروب طيف الصباح”(ص185). ترى بطولي، كأهل التصوّف، بدايات الأشياء في نهاياتها، بعكس الماديين الذي يرون نهايات الأشياء في بداياتها.

تعبُر بك المؤلفة بتؤدة وتوادٍّ، إلى رحاب الحبّ الروحي المطلق، دون أن تتوقف في محطة الحب الماديّ، فهي تتجاوزه لتحلّق في عالم من الصّفاء النورانيّ”(ص196). هذا كتاب مكتوب باللون ومرسوم بالكلمة.

—————————————————————————————————————————

*”الفناء والبقاء في أعمال باسمة بطولي الفنية والشعرية”. المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، لبنان، الطبعة الاولى، ٢٠١٦، ٢٢١ صفحة من القطع الوسط.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s