دراسة شعرية الأصوات في ديوان

“لكيما جسدٌ قديمٌ لنا يتحرّر” لـ عبده لبكي

claudine
كلودين عزيز

 كلودين عزيز

ديوان جديد للشاعر، يخبر فيه عن مأساة الانسان المعاصر، ومتاهات الحروب، محاولاً ان ينعش وجدان القلوب المتحجرة، مطلقاً صرخة في وجه أحفاد قايين، وما يلعبون من أدوار في القتل والتهجير والفساد، واضعاً نصب عينيه إيقاظ الضمائر النائمة وإنقاذ الانسان الذي اصبح مشروع وفاة.

العنوان يدعونا الى التساؤل حول الجسد القديم الذي يريد له الشاعر التحرر ومما التحرر؟ هل هو مقيّد ام يقيد نفسه؟ وما هو السبيل الى تحرّر جسد قديم قد اهترأ لما حمل من قيود؟

يرد في الديوان تباين في الأصوات. وقد لعب هذا التنوع بين الجهر والهمس دوراً كبيراً في ذلك التباين الصوتي.كما سنظهر لاحقاً أثناء الدراسة وفي هذادلالة على ان الشعرية تخفي في ثناياها انعتاقا لنفسية الشاعر التي تتفاوت وحسب الأصوات بين الهدوء والاضطراب وبين اللحن السريع والبطيء.

علمياً يعطي جاكبسون الاهمية لكل صوتٍ في الشعر اذ لا يعتبر ان الامر اعتباطي كون البيت الشعري صورة صوتية تكرارية.

ومن خلال فرز الأصوات في ربع الديوان بين مجهورة ومهموسة سنصل إلى اظهار انعتاق نفسية الشاعر المذكور سابقاً.

ok2

الاصوات المجهورة:

وهو الصوت الذي يهتز معه الوتران الصوتيان حين تنقبض فتحة المزمار فيقترب الوتران الصوتيان من بعضهما. وبالتالي اذا اندفع الهواء خلال الوترين في هذا الدفع، يهتزان اهتزازاً منتظماً فيحدثان صوتاً موسيقياً تختلف شدته او علوه حسب سعة الاهتزازة الواحدة وعلماء اللغة يسمّون هذه العملية بجهر الصوت.

واذا ما بحثنا في الديوان عن المجهورات نجدها متواترة على الشكل التالي: بَ18+بِ21+بُ7+بْ14+ با4 + بو2 + بي 2+ بي1 = 69/جَ4 +جْ5+ جِ5+ جُ2+ جو1+ جا2 = 19/دَ14 +دُ11 + دِ6+ دْ7+ دا17+ دو4+ دي5= 64/ ذَ7+ ذِ2+ذْ1+ ذي9+ذا6= 25/ رَ30+رُ12 +رِ8+ رْ12+ رو7+ را10+ ري4+ رى1 = 14/زَ2+ زا2 + زِ1+ زْ1+ زُ2+ زو1= 9/ ضَ7+ ضِ3+ ضُ2+ ضي1= 13/ ظَ4 + ظُ3+ ظِ1+ ظا1= 9/ عَ33+ عُ10+ عِ2+ غ12+ عو4+ عا9+ عي2+ عى1= 72/ غَ5+ غْ3+ غُ2+ غِ1+ غا1+ غي1= 13/ لَ46+ لْ66 +لِ29+ لُ9+ لا36+ لو2+ لى7+ لي1= 196/ مْ18+ مَ45 + مِ18+ مُ36+ ما17+ مي4+ مِ4+ مَ2+ مى1= 145/ نْ25+ نَ62+ نُ7+ نا15+ نو4+ نِ6+ ني2= 121 ونضيف اليها حرفي اللين وْ17 +وَ50+ وا12+ وِ2+ وُ1+ وي2+ وى1= 85 يَ36+ يْ30+ يا13+ يُ5+ يو1+ يِ3= 88المجموع: 1013 مجهور

استناداً الى ما سبق نجد ان الحصة الاكبر تعود لصوت اللام حيث تكرر 196 مرة وهو من علامات التعريف اضافة الى كونه منحرفاً لان اللسان ينحرف عند النطق به وهذا يتطابق تماماً مع انحراف شعراء الحداثة عن القيود التي التزم بها الاقدمون وحرف اللام يدل على الاسى والحزن والتحدي.

يصور موقف الشاعر وارتباطه ببعض الكلمات خير دليل على ذلك (عويلٌ، ملعون، ليل، الموت، الخيانة، الاشتعال، الشرارة،…)

يليه حرف الميم(145 مرة) وهو صوت مجهور متوسط الشدة والرخاوة. ومن دلالاته الحدّة والقطع والاضطراب كما يدل على الخنوع والضعف (مقفل، دم، القديمة، نصمت، مخيف، يقتحم)…

وحرف النون احتل المرتبة الثالثة وهو حرف يحمل دلالة المعاناةو والحزن والبكاء والألم وللدلالة عبارات لستخرجها من النص (ركام، موت، مؤاساتنا، محفل، منفى، جاثم، ملثم، بواقيس) …

الياء تلي النون، تكرر الحرف(88 مرة) وهو صوت مجهور منفتح وروده يدل على الانفعال وعدم البوح بالمشاعر لفقدان الثقة وقد يدل على الضياع والخسارة كما في العبارات التالية (مستديرة، غيوم، يداس، يفك، يلتهب، خيال، يتوارى، المخيف، تؤذي)…

ويحتل حرف الراء المرتبة الخامسة وهو صوت جهوري مكرر وهذا التكرار ولد ايقاعاً تردد بين درجتين الانخفاض والارتفاع. وهذا ما ادى الى انسجام الدلالة فالشاعر يرتفع بالتحرر وينخفض بالظلم والاستبداد (الشر، يتوارة، الغرائز، نعرف، الرعب، رغيفاً، يدير، ظهره، الراحلون، يغريه، زائراً، محاصر)…

العين ورد كحرف(72 مرة) وهو صوت يعطي حسب موقعه ايقاعاً مميزاً اضافة الى كونه صوتاً احتكاكياً تتراوح دلالته بين العبودية والذل والانتفاضة والتحرر (يهرع، العروس، ملعون، شجاعة، نعيماً، عروس، دموع، مليكه، عهدة، يعدّون، ساطعة)…

ويحتل حرف الباء المرتبة السابعة (69 مرة) وهو صوت جهوري احتكالي ويتلاءم مع الحالة النفسية للشاعر الذي يصرخ من أعماقه ويأمل في تغيير الواقع (اليابسة، بعكس، يبصر، تعبدهم، نبدأ، ذبائحنا، تنبىء)…

وتتواالى الحروف وفق الترتيب التالي:د(64 مرة)، ذ(25مرة)، ج(19 مرة)، غ (13)، ض(12) وتتساوى الظاء والذين بـ 9 مرات.

الأصوات المهموسة:

وهو الصوت الذي لا يهتز معه الوتران ولا يسمع له رنين حين النطق به. والمراد بهمس الصوت، سكون الوترين الصوتيين معه، رغم ان الهواء في أثناء اندفاعه من الحلق يحدث الذبذبات التي يحملها الهواء الخارجي الى حاسة السمع فيدركها المرء.

وترد المهموسات متواترة على الشكل التالي:

ثَ61+ ثِ38+ ثُ27+ ثْ7+ تي7+ تو2+ تا1= 143/ ثُ6+ ثَ3+ ثي1+ ثْ1+ثِ1= 12/حَ18+ حْ16+ حِ5+ حُ4+ حي40+ حا3= 50/خَ8+ خُ2+ خْ2+ خ4+ خا5= خي2+ خو1= 14/ سَ12+ سا12+ سْ12+ سُ3+ سِ13+ سو1= 52/ شَ13+ شْ4+ شُ1+ شا1+ شا3+ شي2+ شِ2= 12/صَ7+ صِ5+ صا5+ صْ3+ صُ1= 21/ طَ4+ طِ2+ طي2+ طْ2= 10/فَ24+ في16+ فا5+ فُ7+ فْ6+ فِ5+ فى1= 64/ قَ11+ قِ3+ قْ7+ قا4+ قُ3+ قي3+ قو1+ قى1= 33/ هَ12+ ها22+ هْ9+ هِ14+ هُ25+ هو1= 83/ كَ23+ كِ8+ كْ8+ كا6+ كُ5 + كو1 = 51 المجموع: 531

من الاصوات المهموسة التي تكررت في الديوان محتلة المرتبة الاولى حرف التاء (143 مرة) وهو صوت يجهد النفس كونه انفجاري نضطر معه لإخراج الهواء وكأنه محبوساً. والتاء صوت يعبر عن الحزن والبكاء ويوحي بالتعب والمعاناة. واذا ربطنا التاء ببعض الكلمات الواردة في الديوان، وجدنا دلالة واضحة (ابادةٍ، عداوتها، تسيل، شراهتها، تجحظ، المخلعة)…

والحرف الذي يحتل المرتبة الثانية الهاء (82 مرة) وهو صوت رخو مهموس عند النطق به يصل المزمار منبسطاً دون ان يتحرك الوتران الصوتيان ولكن اندفاع الهواء يحدث نوعاً من الحفيف يسمع في أقصى الحلق. والهاء تدل على الاهتزاز والاضطراب والشقاء والألم والحزن، كما يوحي تكرارها بشيء من الضيق والتعب الذي يبدو على الشاعر ويعزز هذه الدلالة تكرار صوت الحاء (50 مرة) الذي يشاركها كونه من الاصوات الحلقية والمهموسة. ومن العبارات التي تحوي هاذين الحرفين (رحمة، سيحتقركم، يزحف، تاهت، نهزم، المهدور، الخداع)…

claudine-cover

حرف الفاء احتل المرتبة الثالثة (64 مرة) والفاء صوت رخو، احتكاكي يحمل دلالة القوة والجبروت والقمع وتدل على ذلك الكلمات التي ارتبطت بها الفاء مثل (فوق، فضاء، الافق، فارس، يزحف)…

ويليه حرف السين (52 مرة) ويمتاز هذا الصوت بصفير عال يوحي بنفس قلقة، ويدل على الحرقة والانحدار والعلو وينسجم هذا مع رؤية لبكي لما يحيط به من ظلم واستبداد (سحيق، سئمت، الوسخة، سقوط، تستعطي، البائسين، سقوفهم، السكوت، الكسول، يستلقي، السوس، السمكة، التماسيح)…

ويرد حرف الكاف ي المرتبة الخامسة (51 مرة) وهو صوت شديد انفجاري وحنكي، يدل على الرقة والانسياب والضعف والخضوع، وقد يدل على الجهاد وهذه بعض الالفاظ التي تضمنت هذا الصوت (لكيما، كفن، الاشواك، يسفك، مملكته، الكلمة، تكرار، الكاذبون، المهلكة، تشاركنا، ليكن)…

وتتالت الاصوات المهموسة وفق الترتيب التالي القاف (33 مرة) الخاء (24 مرة) الصاد (21 مرة) الثاء (12 مرة) والطاء (10 مرات).

وهكذا نصل الى غلبة الاصوات المجهورة (1013) على المهموسة (531) وانما ذلك يدل على حالة انفعال نفسية لدى الشاعرفجاء ديوانه ترجمة لهذه الحياة القاسية. لاسيما وان كل شاعر شاعرٌ مع وقف التنفيذ ما لم يعمّد تجربته الشعريّة بقول الحق وعلو الصوت الذين يجعلان الكلمة مرادفة لأقوى سلاح.

عبده لبكي، احد شعراء اليوم الذين شكلوا حالة من الاختلاف، فصار معه النص الشعري مقارباً للواقع، معبّراً عنه بذاتية يملأها الأنين ورفض الظلم والاستبداد والتحكم بمصائر الشعوب، فهو لم يصمت وجاء ديوانه “لكيما جسد لنا قديم يتحرر”، صرخة في وجه الصمت والعتمة. وقد جمع فيه بين ضمائر الغائب والمخاطب والمتكلم، ومع غلبة الاصوات المجهورة، ليجعلنا شركاء في جسد واحد آن له يتحرّر من حفدة قايين. فهو لم يفقد الامل بالانسان اذ يقول (سنرسم لنا ارضاً جديدة وسنرفع كؤوس دم طاهر).

انه ذاك الشاعر، ابن مجتمعه، راقب الواقع فآلمه وأراد من خلال الشعر التعبير عن مأساة الشعوب ومعاناتها، محاولاً ايقاظ الضمائر النائمة واعادة الامل الى النفوس الضالة والخاضعة. معبراً من خلال ذاتية بادية، عن الانين والألم عما يعصف به من غضب. وتتلاقى دلالات الاصوات في ديوانه مع الحقل المعجمي الدال على الغضب، والمعاناة والظلم (بذرة ندعوها حياة/ الاعناق التي تستعار للغضب/ يعرّون الضحية/ يتمهل حقير/ يطمرون ظلالهم…) وعلى الاضطراب ونجده يقول (اي راحة مع الهزيمة ؟ /الرياء ملثم ونلجأ اليه)…

وعن الغضب من الخنوع والضعف نجده يصور ذلك بمشهد يعبّر عن الانسياق الاعمى للشعوب ودفعها اثمنانا باهظة لذلك (كلما دقّ الاسياد والكاذبون نواقيسهم يدعون من ينتظر… الى الرحيل). مشيراً هنا الى فراغ المدن من أهلها بالتهجير وما يتأتى عن ذلك من دمار وطمس للحضارات. وانتفاضاً على الواقع نجده يقول (الذين اعناقهم تستعار للغضب، والذين يجتازهم سيف يعظّم باستمرار، امامهم جميعاً انحني).

وهنا تنعكس ذاتية الشاعر الذي ينحني امام من يذبحون باسم الدين مشيراً بذلك الى ما يحصل مؤخراً في الشرق من اضطهاد وقتل وذبح وتهجير. وها هو الشاعر لا يعرف الاستسلام فيدعو الى الايمان للخلاص (فاذا لم يكن من سيسجد بايمان فعبثاً نرتجي وعبثاً نستنير) وفي هذا امل بالخلاص برز سابقاً من خلال تكرار حرف الباء الدال على ذلك.

كما عبّر عن الذل اللاحق بالعالم من خلال قوله (لكن هذا هو العالم، أحمق يغمض جفنيه على جمر امام ابادة هي الاشد خداعاً وحقداً/ العالم الذي اصبح مفصلة وحديدا لا تشبعه القرابين المهلكة).

بيد ان الشاعر بديوانه لم يفقد الأمل وقد سبق وأظهر ذلك كثرة استعماله لحرف العين الدال على الانتقاضة والتحرر من القيود ونشير هنا الى ان القيود قد تكون الصمت عما يحصل وفي هذا يقول (اتظنون ان المبتهل لن يرفع يديه حتى تنتهي الازمنة، الازمنة التي تتوهمون امتلاكها ولكن ستسحقكم كما تسحق العناكب/ لن تفارقنا شمس مغيرة/ ما عندكم من مياه البحار لا يغسل يدا ملوثة).

ويبقى الامل سلاح المؤمن وها هو في ختام ديوانه يؤكد ذلك بقوله (سنرفع فوق جميع الحرائقكؤوس دم طاهر/ لن يعود بعد اليوم ثمرة يستحيل ان تنهض/ وسنبني هناك شمساً/وتنضج الخمرة في حياة طويلة يوقظها الله كل صباح).

“لكيما جسد لنا قديم يتحرّر”ديوان يحمل صرخة من رحم المعاناة، وألماً من روح الإنسان، بقلم من عايش الواقع ورفض الاستسلام كون سلاحه الايمان بالله و الإنسان.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s