إرنيستو تشي غيفارا

khattab-ok

غِيفَارَا فى الذِّكْرَى الثامنة والثمانين لميلاده

أصبح رمزاً للتمرّد ونصيراً للطّبقات الكادحة

 مدريد – د محمّد. م خَطاّبي

حلّت فى الرابع عشر من شهر حزيران/يونيو الفائت (2016) الذكرى الثامنة والثمانون لميلاد إرنيستو تشي غيفارا، الذي كان قد رأى النور فى مثل هذا التاريخ من عام 1928  بروساريو بالأرجنتين. هذا الرجل الأسطورة الذي غدا رمزاً  للكفاح، والتمرّد، والإنتفاض فى وجه الظلم، والتظلّم  فى  مختلف أنحاء المعمور، كان مقتنعاً بضرورة نقل الكفاح المسلّح إلى مختلف مناطق، وأصقاع، وبقاع العالم الثالث، وهكذا  أسّس جماعات، و خلق  حركات عصيان، ومواجهة،وزرع  بؤرَ حرب العصابات  فى مختلف بلدان أمريكا اللاّتينية وإفرقيا، وبتعاون مع الجيش البوليفي، ووكالة الإسستخبارات الأمريكية  تمّ نصب كمين له  فى بوليفيا،  حيث قتل فى التاسع من شهر أكتوبر 1967.

غيفارا

ألحقت بشخصية تشي غيفارا  صفتان تقومان على طرفيْ نقيض،وخلقت لدى الرأي العام العالمي إتجاهين إثنين  فمن جهة  أصبح  غيفارا  لدى الكثيرين  رمزاً للثورة والتمرّد فى مختلف أرجاء المعمور ضد الظلم، والتفاوت الطبقي، والإجتماعي فأصبح إسمه يقرن بالطبقات الكادحة، والفئات المقهورة و الجماعات العسيفة، فى حين  يعتبره آخرون مجرم حروب،  تقع على عاتقة تهمة إقترافه للعديد من عمليات التقتيل الجماعي فى مختلف البلدان وعلى وجه الخصوص فى أمريكا الجنوبية، وبعض بلدان إفرقيا.

9b085790f53a4b90204a4a27f20d8142

ملاحظاته الفلسفية

لتشي غيفارا كتاب يحمل عنوان “ملاحظات فلسفية”. وهي عبارة عن مخطوطات، وملاحظات، ومذكرات،ومراسلات، وخواطر، وآراء وتعاليق، وحواشٍ فلسفية، وتأمّلات نظرية قامت بجمعها، وتصنيفها الباحثة الجامعيّة الكوبية ” ماريا ديل الكارمن أرييت”  وكان قد كتب مقدّمتها المؤرّخ الكوبي  فيرناندو مارتينيس إيريديا، يعالج غيفارا فى هذه  الملاحظات، والخواطر العديد من القضايا، والمواضيع الهامّة  التي كانت تستأثر بإهتمامه،  وتشغل باله فى تلك المرحلة  المبكّرة من عمره، وفي طليعتها الفلسفة الماركسية حيث كان يقوم  فى كلّ مناسبة، أو كلّما  سنحت له ذلك الظروف بقراءة، وتحليل، وتمحيص، وإنتقاد أعمال المفكرين الكلاسكيين من الماركسييّن واللينينيين، كما كان يُعنى كذلك  ببعض مؤلفات الكتّاب والمفكرين الذين كان  تشي غيفارا يعتبرهم  إشتراكييّن هراطقة،  أومارقين، أو رجعيّين .

110131136

لقد أصبحت صورته الشهيرة التي كان قد إلتقطها له المصوّر” ألبرتُو كوردا ”  واحدةً من الصّور الأكثر شهرةً  فى العالم على الإطلاق، كما أنّها  تعتبر واحدة من الصّور الأكثر إستنساخاً، وإنتشاراً في العالم في مختلف أشكالها الأصلية ومتغيّراتها،  حيث إستعملت فى  العديد من التجمّعات، والتظاههرات،والمسيرات، والإحتجاجات السياسية، والنقابية، والعمّالية، والإجتماعية، وسواها، كما أنها إستغلّت من جهة أخرى  فى  عالم الإشهار،  والدعايات،  والإعلانات،  وغدت تبعاً لذلك  واحدة من أشهر أيقونات رموز الحركات المتمرّدة،والثائرة، والمضادة فى العالم.

بيْن غِيفَارَا وَهِيغَل..

كان تشي غيفارا قد وجّه  عام 1965 رسالة شهيرة  إلى الزّعيم الكوبي التاريخي ” أرماندو إنريكي هارت ” الذي كان يترقّب وصول تشي غيفارا فى “تنزانيا ” بعد فشل الثورة فى الكونغو.  وبعد أن دخل  الثائر الأرجنتيني خلسةً إلى بوليفيا كتب فى ذلك الإبّان  يقول :” لقد حشرتُ أنفي- بعد هذه الفترة الطويلة من الإجازات- فى عالم  الفلسفة،الشئ الذي كنت أنوى القيام  به منذ مدّة  بعيدة،  وكان العائق الأوّل الذي يواجهني  فى هذا الصدد هو أنه فى كوبا لم يُنشرشئ  يُذكر، أو ذو أهمية  حول هذا الموضوع،بإستثناء بعض المراجع السّوفياتية التي لا تشجّع، ولا تمنح، أو تفسح  مجالاً للتفكير والتأمّل، ذلك أنّ “الحزبّ  الشيوعي كان  قد ناب عنك فى ذلك،  وأنت ما عليك سوى التسيير والإنصياع  “. ويضيف غيفارا بلغة مبطّنة بغير قليل من السخرية  والتهكّم والإزدراء  قائلًا :” كمذهب يبدو فى الظاهر وكأنّه مناهض ومضادّ  للماريكسية، وأكثر من ذلك فإنهم فى كثير من الأحيان يسبّبون لك الأذىَ، والمتاعبَ، والأضرارَ،والمضايقات  .أما العرقلة الثانية التي واجهتني- يقول غيفارا- ” فهي ليست اقل أهميّةً من سابقتها، إنها عدم معرفتي للّغة الفلسفية، لقد تصارعتُ بكلّ ما أوتيت من قوّة وضراوة مع المُعلّم “هيغل” ولكنّه  لم يمهلني طويلاً،  إذ فى الجولة الأولى أوقعني وطرحني الأرض مرّتين “.

cheguevaraX

المحارب الثوري الارجنتيني- الكوبي كان شديد الإنتقاد فى ذلك الأوان  كذلك لخطط ومشاريع تلقين  الفلسفة  فى النظام التعليمي للإتحاد  السوفياتي آنذاك،كان قد إقترح على” أرماندو إنريكي هارت ” الذي كان قد تمّ تعيينه سكرتيراً عاما لمنظمة الحزب الشيوعي الكوبي أن  يعمل على إعداد برنامج  جديد  لدراسة الفلسفة فى كوبا، يقول له فى هذا الصدد  :” لقد أعددْتُ برنامجاً  دراسياً  خاصّاً بى يمكن دراسته،  وتحليله، وتحسينه لوضع لبنة أولى لبناء مدرسة حقيقية  للتفكير”، ويعلّق غيفارا على ذلك قائلًا :” لقد قدّمنا الكثير، وينبغي علينا الآن كذلك إطلاق العنان لتفكيرنا “.

مَاذَا كَانَ يَقْرَأ…؟

كان تشي غيفارا شديدَ العناية بالتحصيل،والتعلّم، والإطّلاع، ويولي إهتماماً خاصاً للقراءة، والمطالعة، وكان قد نشر مقالات،ودراسات،وتعاليق حول مختلف الكتب والمؤلّفات التي قرأها وإلتهمها قبل رحيله،  مثل تعاليقه على الكتب  التي كان قد قرأها فى  إفرقيا، وبراغ، وبوليفيا ما بين 1965 و1967 حيث أغتيل فى قرية “لا إغيرا” فى بوليفيا.وكان غيفارا قد أطلق على هذه المطالعات ب: “قراءات الشباب”التي يعالج فيها  مطالعاته الأولى المبكرة  من عمره القصير.

ويشير الباحث” مَاوْريسْيو بيسينت” :”أنّ الذي يثير الإنتباه  فى هذا الخصوص هو مدى إهتمامات غيفارا الواسعة والمتشعّبة،  والعدد الهائل من الكتّاب، والمؤلفين الذين قرأ  لهم فى هاتين السنتين والنصف من عمره . فإلى جانب البندقية –عندما كان فى الكونغو- كان يحمل أجندة صغيرة يسجّل فيها جميعَ الكتب التي قرأها، والتعاليق التي دوّنها بشأنها، فما بين شهري أبريل ونوفمبر من عام 1965  دوّن فيها الأعمال الكاملة ل:”لينين”، وتاريخ العصور الوسطى ل:”كُوسمسنسكي”،ثم المجلد الرابع من الأعمال المختارة ل:”ماو تسي تونغ”، والأعمال الكاملة للشّاعر الكوبي الكبير خوسّيه مارتي، وأوْرُورا رُوخا، وبيّو باروخا، وكتابي”الإلياذة” والأوديسة لهوميروس”، ومسرحية “ليلة القتلة” للكاتب الدرامي الكوبي “خوسّيه تريانا”. وما بين شهري أغسطس وسبتمبر من عام 1966 حيث كان غيفارا قد عاد إلى كوبا  يتدرّب ويهيّئ نفسه فى سريّة تامة للمغامرة البوليفية التي لقي فيها مصرعَه سجّل فى أجندته أسماءَ العديد من الكتّاب والمؤلفين منهم :بابيني، وغويتيسولو، وشكسبير،وماركس،وأنغلز وسواهم..

Che_Guevara_statue,_Santa_Clara,_Cuba
تمثال تشي في سانتا كلارا-كوبا

 يبدو غيفارا فى هذه المذكّرات أو الخواطر أو الملاحظات التي خلّفها لنا وكأنّه قد أشهر الحربَ ضد التحجّر، والجمود إننا نجده  بعد قراءته لكتاب “نهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية” لأنغلز يقول على سبيل المثال :” لقد قدّم العلماءُ عطاءات ثمينةً فى الحقل،  وفى مجال الإقتصاد، إلاّ أنّ القاعدة المثالية التي ينطلق منها هؤلاء العلماء تُفضي بهم إلى سبل الحيرة والضلال، ينبغي معالجة المشاكل التي تَتْرَى وتطرح بروح متفتّحة بناء على مبدأ اللاّأدرية العلمية “.

القلم و السِّلاَحُ

يقول الباحث “نيستور كُوهَان” :” كان غيفارا فى خواطره وكتاباته  يؤمن بالإنسان الجديد، كما أنه لا يرفض كلّ ما هو رأسمالي، إننا أمام رجل يمارس الماركسية، وهو يصارع من أجل تحرير وفكّ الإشتراكية من قيودها  المذهبية الجامدة، كما أنه واجه بقوّة الميولات، والإتجاهات البيروقراطية التي تعمل على تجميد الثورة وتكبيلها،أو تقييدها، أوتقليصها فى بلد واحد وحبسها بين الدهاليز والممرّات الوزارية”.

تقرّبنا كتابات غيفارا من حياته الخاصة،ومن بعض مظاهرها الحميميّة، ومن أعماله الأولى، وإهتماماته المبكّرة .وتشير الباحثة الكوبية “ماريا ديل الكارمن أرييت”:”قراءات ثم كتابات إرنيستو تشي فيفارا جاءت لتملأ فراغاً حول  كلّ ما كناّ نعرفه عن الفكر الفلسفي لغيفارا،وصلته أو علاقته بالماركسية”، وتضيف الباحثة أنّ هذه النصوص تعرّفنا على مختلف مراحل حياة إيرنيستو غيفارا بدءاً بمرحلة المراهقة عنده، وشرَخ شبابه الأوّل، ثم دراساته للأعمال النظرية التي طفق الخوضَ فيها بعد وصوله إلى بوليفيا”. لقد كان إيرنيستو تشي غيفارا يحمل فى يدٍ البندقيةَ، وفى اليدِ الأخرى القلمَ،وكانت إهتماماته الثورية تتوازى عنده مع تطلّعاته،وطموحاته، وإنشغالاته الفكرية .

MF-ENBARM-1034-ernesto-che-guevara-sixth-scale-action-figure-001-800x800

وبمناسبة الذكري السادسة والثمانين لميلاد غيفارا، إحتفلت بعض بلدان أمريكا اللاتينية بهذا الحدَث مثل فنزويلا، وكوبا، وبوليفيا،وبلدان أخرى حيث نظّمت عدّة  تظاهرات ولقاءات وأنشطة ثقافيىة وفكرية سلط خلالها الباحثون والمهتمّون بالمبادئ،والقيم الثورية التي  آمن بها غيفارا وناضل من أجلها.

إيرنيستو تشي غيفارا كان قد ولد فى 14 من شهر يونيه (حزيران) 1928  بروساريو بالأرجنتين– وتوفي ببوليفيا فى 9 أكتوبر(تشرين أوّل) 1967 ). وهو معروف فى العالم أجمع باسمه المختصر”تشي”، أتمّ دراسة الطبّ عام 1953 ثمّ سخّر حياته وأوقفها على الثورة الكوبية وذلك منذ أن إنخرط  فى المكسيك ضمن البعثة الثورية المسمّاة” يَاتيِ غْرَانْما”التي حرّكت وحفزت عام 1956 الكفاح النهائي من أجل التحريرالوطني للجزيرة الكاريبيّة كوبا. وفى 8 من أكتوبر 1967 جُرح غيفارا خلال المعركة  فى بوليفيا إلى جانب رفيقين له، وبعد أن ألقي عليه القبض، عُذّب ثمّ  أُعْدِم فى التاسع من شهر أكتوبر من نفس السنة . وفي عام 1997تمّ العثور على رفاته الذي تمّ نقله إلى كوبا، حيث دُفن بكلّ المراسيم الشرفية الرّسمية فى ضريح “سانتا كلارا” بهذه الجزيرة الكاريبية الغريبة الأطوار .

Ernesto-Che-Guevara-foto-Martin-Guevara

——————————————————————

*كاتب،وباحث ومترجم، وقاصّ من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا.

 

 

Advertisements

One thought on “إرنيستو تشي غيفارا”

  1. كالعادة العلامة المعلّم الدكتور Mohamed Khattabi، لا يبخل علينا بمعارفه، بل نراه يقدّم لنا كل ما تحويه موسوعته الفكرية من معلومات، ينقل لنا الزبد المصفّى، ويترك لنا حرية التذوق، ولا يسعنا سوى أن نشيد بطيب ما يقدمه ودسمه. شكرا لك د. محمد على هذا الموجز الشامل، الذي جمع في طيّاته عصارة قراءات ومطالعات عديدة، فقدمها لنا بأيسر السبل. أدامك الله أستاذنا الكريم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s