فطر مبارك أو فطر سعيد

…وفي كل من الصِّفتين

خير وخُلاصاتُ جميلٍ

Eid-mubarak-2013-Muslim-015-HD-Wallpaper

العميد البروفسور جان داود

أسأل البركة، وأسأل السّعادة لأصدقائي وزملائي وطلابي ورفاقي (في لبنان وخارجه). أسأل السعادة لأهل العيد. ولكلّ مؤمن بالحياة من أهله.

تسرقني اللحظة لتأمّل: ما السّعادة في زمن فاقد للعقل ومغسول الأدمغة وعبد للمادّة وأسيادها؟ تحضر اللحظات من “جبل الأربعين” وينابيع الضنية  ودير عشاش ورهبان الكرمل وكتبٍ ندسّها تحت المخدّة إبان المدرسة لقراءات ممنوعة ورغبة في المعرفة: كيف تنظر الاشتراكية إلى الإنسان، وكيف ينظر إليه الدين، وكيف ينظر إليه العلم، وكيف ينظر إليه التيار العلماني والمادّي والقومي (بأشكال القومية)، وما أهمّية الدولة وتقديم الدولة على الطوائف؟ أجوبة سعينا إليها في الصفوف التكميلية، مع كبار في إنسانهم من رهبان لا يميّزون بين فقيروغني وبين مذهب ومذهب وبين طائفة وطائفة. رهبان يتداولون السلطة بديمقراطية، ويحترمون نذورهم من الفقر إلى الطاعة إلى العفاف، ولا يبقى واحدهم في موقعه لأكثر من ثلاث سنوات، ويتآلفون مع بيئتهم ويصومون للفطر لأنّ في الصيام عبادة واللّه واحد. تحضر اللحظات من زمن رائع، تساوي فيه شهادة البريفيه  ما تساويه إجازة جامعيّة اليوم على مستوى اللّغات بشكل رئيس، ويساوي فيه بناء العقل والمواطن عمل المعاهد العليا المتخصّصة في الفلسفة والمنطق. تحضر اللحظات من زمن كانت السعادة فيه حقّاً أمراً خاصّاً لمن ينجح في البكالوريا اللبنانية (نسب النجاح تتراوح بين الأربعة في المئة والثلاثين في المئة). كانت سعادتنا في المعرفة، والبحث عن المعرفة. ولكنّها ليست السعادة التي نبحث في تحديدها . إنّما هي  مؤشّر لزمن يعتز به الوطن والمواطن الذي عاش تلك المرحلة. وهو زمن اكتنز منه الوطن ما يسمح له حتى اليوم بالاستمرار بتميّز في محيطه. تحضر مفاهيم تربط السعادة بالعنفوان والكرامة، هؤلاء أهلي. تحضر مفاهيم تربط السعادة بالعمل وأرى أهلاً للسعادة (وهُم سعداء حقّا) أهل قريتي ومنطقتي ووطني ورفاقي وزملائي : يبحثون عن السعادة في الإرادة والعمل والشجاعة والصّدق والعنفوان والكرم والعدالة والالتزام بالقيم والزهد بالمظاهر الخداعة. وأزعم : أنت سعيد وجدير بالسعادة عندما تقف مرفوع الرأس وماضيك يعبر أمامك في لحظة، فلا تجد ما يدينك في أداء أو انتزاع ثروة أو لقب بدون حق، أو استغلال إنسان – أي إنسان، أو صمّ الأذن عن استغاثة أو سكوت عن ظلم، لا تجد ما يدينك في استغلال سلطة ولا في خداع البشر والظهور بمظهر المنقذ لبعضٍ انبهر بشرِّك، وانقضضت عليه في ضعفه، وداعبت غباءه لتزيده غباء وتبعيّة.

نعم، إنّ  السعادة في فضائل النفس (أفلاطون). وفي ” صحة البدن وسلامة الحواس والعقل والسمعة الطيبة والنجاح في العمل (أرسطو)، وفي الرضا والاطمئنان(علم النّفس)، وفي تحقيق التوازن المدرحي. وهي للبعض في الأنا وللبعض الآخر في اللأنا. ولبعضٍ السعادة هي اللذة، وما كلّ لذّة طريق إلى السعادة، لا بل إنّ بعضها طريق إلى نقيض السعادة.

تستحق السعادة عندما تكتشف أنك لم تنتمِ إلى عالم فاسد، ولم تكن نفعياً. أذكر أيها الصديق: إنّ عالماً يستمرّ بالنفعين  والتبعيين والظهوريين عالم ساقط فاسد يخجل من إعلان موته (ذاك شعار مسرحيتي معاقون). واعتزّ بنفسك في فقرك، وعدم ارتقائك الاجتماعي، وعدم حضورك على شاشات الصفحة الاجتماعية في مجلّة أو على شاشة، ًوفي وقوفك إلى جانب الفقراء، وفي شهادتك مِن أجل الحقّ.

ولكنْ ما زال السؤال مطروحاً ما هي السعادة؟

ليست التهنئة بالعيد المساحة الكافية لأطرح رأيي. ولكن لا بدّ من تحية للمقهورات والمقهورين، والمظلومات والمظلومين، والمعنَّفات  والمُعنَّفين،  والمضطًّهَدات والمضطَّهَدين، والنازحات والنازحين، وللمربياتوالمربين، ولحاملي هموم هؤلاء، ولمن يتكبّد مشقة حماية سلمهم وأمنهم.  أمّا الفاسدون ، فالعيد فرصة لسؤال كلّ منهم في مملكة فساده؟ ماذا عن تحقيق المكاسب بما يخالف القانون؟ وماذا عن تحقيق الشّهرة أو الوظيفة أو الموقع بأقلام مأجورة أو بتزوير مُبرمج؟ أمَا وجب أن تكون أيها المًصاب بالفساد بمنتهى التعاسة – وإن تظاهرت أو شعرت بأنك سعيد بنتاج فسادك؟ ألا تعني سعادتك (إن كانت حقيقية) أنّ في حواسك ما تعطّل وبالتالي لا قيمة لسعادتك؟ ألا تعتقد معي بأنّك وحيد مُزيّف رغم صولاجانك وإن شعرت بأنك سعيد، لأنّك سارق لفعل أو لقب أو إبداع مزعوم أو سلطة زمنية أو غير زمنية في حال بعض مَن يكرّسون أنفسهم أوصياء على الحياة؟ ألا يفترض مقياس “الإتيكا” أنك أضعت بوصلة تقييم الكرامة كنت مًن كنت إنْ أنت فاسد؟

أعتز بأصدقائي لأنّهم غير فاسدين، وهم مصدر سعادة على مُستوى المشروع الوطني. وأتمنى لهم  سعادة الفقراء لأنّ الفقراء شرفاء وليسوا بلصوص. أتمنى لهم سعادة الناجحين في مهمّاتهم خدمة للحياة. أتمنى لهم ابتسامة البسطاء لأنّ البسطاء لا يزيّفون ولا يسرقون المجد الزائف، ولا ينادون بما لا يؤمنون به. أتمنى لهم نقاوة أبناء قرانا وأحيائنا الفقيرة مادّة والأغنى إنسانيّة: من باب التبانة إلى أبو سمرا،إلى جبل محسن، إلى المخيمات، إلى بعض أحياء الضاحية أو بعلبك أو الهرمل أو القاع أو بعض قرى  عكار، أو كسروان، أوالبترون أو الشوف أو البقاع أو الجنوب أو على الطرقات في لبنان والعالم، حيث هناك فقراء شرفاء. أتمنى لهم شجاعة القضاة الذين بهم العدالة. أتمنى لهم قداسة الرّهبان والمتصوّفين بعيدا عن شيطان الإتجار بالكرامات. أتمنى لهم القداسة المدنية في مواجهة الضبع الديمقراطي. كلّ سعادة إلا تلك التي يحملها الضمير واهنة واهية. كلّ سعادة إلا تلك المًجرَّدة من النفعية والمادّية ومضة وهم.

فطر مبارك ، فطر سعيد

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s