“العالَم الأزرق”

قراءة فى مقال “العالَم الأزرق”

للدكتورة نادين طربيه الحشاش

khattabi copy

مدريد- د. محمّد.م. خطّابي *

11705156_10152890595626035_3209869478445140036_n

الأديبة المبدعة، والكاتبة اللاّمعة الدكتورة نادين طربيه الحشاش أتحفتْنا، وشنّفت أسماعَنا، بل فاجأتنا بهذا المقال الجميل (“العالَم الأزرق”، نشر في صحيفة الأنوار)، والعرض القيّم عن دنيا “الفايسبوك” الطليقة، وفضاءاته الفسيحة، وعوالمه الأثيرية الزّرقاء.. !

10550938_10152193529586035_2725062251455174719_n

أفهمتنا بألمعية فائقة، وحسّ أدبيّ راقٍ أنّ هذا هو الواقع الجديد الذي أمسينا نعيش فيه وننتقل بين كنفه، ونتخبّط بين دهاليزه، هذا هو العالم الذي كنا فيما مضى من الأزمان نخاله خيالاّ يداعب عقولَنا، ويدغدغ عواطفَنا، ويشحذ هممَنا، ها قد أضحى واقعاً معاشاً تفرضه علينا سلطتُه، وسطوتُه، وهيبُته، وصولتُه، وسحرُه، وبهاؤه.. ويلقننا بصولجانه نواميسَه، وتعاليمَه، وقواعدَه .. ندخله طائعين، ذاعنين، خانعين، مسوقين، منقادين، من باب الفضول والتطلّع، وحبّ المعرفة والعلم، والإستطلاع، وطمعاً فى مزيد من التحصيل، والتعلّم، والإستمتاع .. . نغوص فى بحوره التي ليس لها قاع ولا قرار.. ونسافر معه عبر مسافات سرمدية ضوئية لا تحدّها حدود.. نتيه فى دروبه، ونضيع فى متاهاته، ونلتوي مع منعطفاته، وندور مع منعرجاته، ونستكه خباياه و نسبر خفاياه .. ونستبطن أسرارَه ومجاهيلَه، ونخوض أدغاله ومفاوزَه، ونقطع مهامهَه، ونجوب قفارَه وصحاريه .. . نتيه .. وكأننا نطير فى خضمّ أضغاث أحلام مبعثرة، منهمرة .. وفى لمحٍ من البصر، وفى رمشةٍ من  العين ننتقل من عالم إلى آخر، ومن دنيا إلى أخرى، ومن منظر إلى آخر ومن صورة إلى أخرى، ومن وجه صَبوح إلى مُحيّا أكثر جمالاً وفتنةً..

12342516_10153147754676035_8177257277772613990_n

متنقلين بين أياديمه الهشّة،  ومظاهره الخدّاعة، نُملّي، ونمنّي أنفسَنا بأنواره اللاّزوردية البارقات، وننتشي بأضواء نيونه السّاطعات، وننجذب ببريقه الجذاب الذي يجعلنا فى هنيهة خاطفة نأسى أو نتأسّى، وننسى، أو نتناسى واقعنا الملموس، ومُعاشَنا المحسوس، ونحلّق فى فضاءاته المترامية الأطراف، ونتجاذل بهذه الصداقات الإفتراضية العابرة التي تغمرنا بومضات سعادة كاذبة.. . إلاّ أننا لا يمكننا أن ننكر أنّ لبعضها وقعَ السّحرعلى أنفسنا، فبعض الكلام فى مناكبه، ودهاليزه يصلنا مبلّلاً بدفق العِطر العَبق الفوّاح الآسر، وبعض الإفصاح فيه يكسوه البيان السّاحر..

10616297_10152216081516035_2433919399423924566_n

 كلمات الدكتورة نادين فى هذا المقال الرّصين جاءت روعة فى إقتناص المكان والزّمان.. وفى أسر اللحظة والهنيهة، ورسم لوحات، وإجهاشات فطرية طبيعية، تلقائيّة تتفتّق، وتتدفّق، وتتألّق، وتتأنّق، وترشق جمالاً، ودلالاً، ورونقاً وبهاءً و فتنةً وسناء.. إنه فنّ القول العفوي الموفي البليغ فى أعلى مراتبه، وأبهى صوره..

10620649_10152216081111035_3297743610028382874_n

فنّ طليق رشيق يثير فينا الإعجابَ المُبْهر، و يخلق فينا الإندهاشَ المثير، إنها مصاهرة بين العين، واللون، والرّيشة، والقلم، والعطاء الخلاّق، لمحات عابرة، وملاحظات سريعة، وإيماءات مقتضبة موجزة كأيّ شئٍ غالٍ ثمينٍ ونفيسٍ فى عالمنا الكبير، إفصاحات رائعة تبيّن لنا بجلاء أنّ الإبداع ليس هذراً طوّلت خطبُه، بل هو لمحٌ تكفي إشارته، قالها وبصمها قديماً أبو عبادة المَنبجي، بعد أن بذّ وتفوّق على أستاذه، ومعلّمه الطّائي عند مَقْدَم النيّروز، وهو يتغنّى بالرّبيع وبالبِرْكة الحسناء لمولاه المتوكّل، ويطرب لعيون المَها بين والرّصافة، والجسر، فضُربت له قبّة من أدم فى قرض الشعر، كما ضُربت من قبل لبلديّه، وسليل جذوره، وصاحبه فى سماء النقد والبلاغة والإبداع نابغة بني ذبيان فى سوق عكاظ، مثل هذه الّلمحات (النّادينيّة) الموفيّة، البلّوريّة، الصافية، الحالمة، الهائمة، والعائمة، والعفيفة، والشفيفة التي “ترسم الأحلامَ ” وتشيع بيننا – وواعجباه.. . عبر أمواج“الفايسبوك” الأثيرية نفسها.. ! حلوَ الكلام، وعذبَ البيان، وتنشر أوتنثر ” أريجَ الشّوق “فى النّفوس المكلومة، وتغبط القلوب المعنّاة، والأفئدة الحزينة التي أضناها الشّجن، وهدّها الكدر.. ومضات نورانية (طربيّة) إستبطانية جوّانية تبعث على الأملَ والتأمّل، وتفسح أو تفتح البابَ على مصراعيْه للخيال المجنّح الفسيح، وتطلق سراحَ “أسراب الشّوقّ” لتحلّق طليقةً فى الفضاء اللاّزوردي البهيج، بضربٍ من المعاناة، والمكابدة، والنغوص. فالكلمات – عند الدكتورة نادين – ( تنادينا ) نحو الأعمق، لإستكناه هذا العالم الأزرق.. !

29571_10151165378586035_371081110_n

إنّها تغدو فى هذه اللّمحات الفيسبوكية نوارسَ طائرة، وتساؤلاتٍ حائرة، ومعانيَ زاهرة، ومبانيَ باهرة، وتنويعات وتريّة متوتّرة، وأنغاماً مؤثّرة، وهي وإن قُصُرت، تظلّ نبعاً رقراقاً، وقبساً ساطعاً منبثقاً من أعماق نفسِ شاعرةٍ شغوفةٍ بالجمال الإلهي الباهر، لصيقة به، وبسحره، ونفائسه، مولعةٍ بالخَلْق الإبداعي الجميل، إنسانة والهة، ساهرة، ساهدة، سامرة، تائهة بين أعطاف الصبّ، والصّبا، والصّبابة، والتّيم، والتيه، والجوى والرّبابة، هذه الأحاسيس المُرهفة، والمشاعر المُترفة تقطن فى الأعالي، هنالك فى هيادب السّمت البعيد، جارةً للثريّا والسّماك الأعزل.

10346213_10153187022321035_5321902302771229049_n

تالله، أيّتها النّاسجة لحروف الضياء، والصّادحة على أرغن الكلمات لقد أبدعتِ، وأقنعتِ، وأفضتِ، وأفدتِ، وكتبتِ .. فأحسنتِ، وانثالتْ علينا كلماتكِ رخوة، ليّنة، طيّعة، مطواعة، رشيقة، رقيقة، شفيفة، عفيفة، وأنتِ بعلم البلاغة والبيان والبديع عريفة، لعَمرى لقد حققتِ المبتغىَ والمَطلبَا، وأدركتِ الغايةَ والمَأربَا، فكلامكِ الطليّ بيانٌ مشهود، وآسٌ محضود، وزهرٌ منضود، ودَنّ مقصود، لا ينقصه سوى نايٍ وعود، فى شرفاتٍ مشربيّة ذات مرمرٍ مَسنون، ولؤلؤٍ مَوضون .. .

12187_10151165379451035_286169628_n

*كاتب، وباحث، ومترجم، وقاصّ من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا.

Advertisements

2 thoughts on ““العالَم الأزرق””

  1. …وها مقال الخطّابي يصاهر في قراءته المقال “…الأزرق”، فيحثّنا للتحليق في سمائه، لا بل يلقينا في أحضانها بكلّ ما فيها من عَجَبٍ عُجاب…وإذا بنا نربأ بهذا العالم، بعدما صوّره الدكتور خطابي لنا، أن تكون “صداقاته افتراضية عابرة” أو أن تكون “ومضات سعادتها كاذبة”، فبعد ما قاله فيها نراها تتلوّن بالصدق والديمومة مع كلّ ما فيها من سحر!

  2. شكراً جزيلاً من أعمق أعاميق الأعماق الصديقة الصدوقة..والانسانة الخلوقة .. الأديبة الرقيقة. والكاتبة الأنيقة المبدعة اللاّمعة الأستاذة الفاضلة الكريمة مارلين سعادة حفظها الله تعالى ورعاها..وسدّد الى معارج الخير، ومدارج السؤدد خطاها.. …شكراً على هذه الكلمات البلورية الصافية النقية الموفية العميقة التي تقطر شهداً مذاباً مُصفىَّ ..وتتأنّق وتزدان بياناً ساحراً مُقفىَّ والتي تشاركينني االإعجاب والاكبار بالمقالة الرّصينة والقيّمة عن هذا “العالم الأزرق” الذي قيّض الله لنا أن نتعارف من خلاله على درب المحبّة والوئام زاد الله حبلهما طولاً ومتانةً للصّديقة الرّائعة، والمبدعة اللاّمعة الدكتورة المقتدرة الفاضلة الكريمة نادين طربيه الحشاش حفظها الله ووقاها ..وسدّد إلى الأعالي السّامقات خطاها . …ألف تحيّة ومودّة وتقدير على مرورك البهيّ البهيج..وحضورك النديّ الأريج ..دام لك الألق والسّمت البعيد … والف ألف شكر من سويداء الفؤاد على هذه المشاعر الرّاقية ،والأحاسيس الرقيقة التي تنبئ بلا ريب عن كريم محتدك..وعريق معدنك..وأصالة جِذرك.. وصفاء ونقاء أصلك المنحدر من أكرم جبلّة ،وأنقى نبع وأصفى مَعين..لك المودّة وكل المحبّة على هذا النبل الفياض ،واللطف الجياش .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s