صخورٌ ودُرَر

marleine-saade

مارلين وديع سعادة

 

ما للكلماتِ جوفاءَ لا تواتيني؟

صمّاءَ بكماءَ تُنكرُني وتجافيني!

تناديها المعاني، ترجوها ملهفةً

نقْلَ سلامي إليكَ وحنيني.

***

سألتُ الفِكْرَ: لمَ لا يجودُ

عليّ بما قد أرومُ من عِبَرْ؟!

فأطرقَ صَمْتًا يحوطُ المعاني

لا يرضى بوحًا بسرٍّ ضُمِرْ!

وخلفَ السكوتِ لمحتُ بريقًا

يشي بما تحتَ الصخورِ من دُرَرْ.

وضجَّ في ذهني ضجيجًا يفوقُ

بصخبِ هديرِهِ موجَ البحرْ،

فطابَ لنفسي الولوجُ لعُمْقِ

المياهِ ونبشِ ما فاتَ النظرْ،

وأدركتُ أنّ المعاني لآلي

لا نلقى منها إلا ما ندرْ!

 

 

Advertisements

2 thoughts on “صخورٌ ودُرَر”

  1. قراءة فى قصيدة ” صخور ودرر” لمارلين وديع سعادة
    مِن المَعاني لآلئ ودُرَرْ.. لا نلقىَ مِنها إلاَّ مَا نَدَرْ!..
    -مدريد- د.محمّد م. الخطّابي *
    وأنا من وراء البّحار… وبيننا جِبالٌ، وهِضابٌ،ومرتفعاتٌ، وآكامٌ، وسُهولٌ، وسهوبٌ، ومَفاوزَ، ومَهامهَ، وقفار…وصلتني همساتُ كلماتٍ شعريةٍ جميلة ،أدركتني نفحاتُ معانيها، وسبك مبانيها .. بعد أن حطّمت، ودمّرت، وهشّمت،وإخترقت جدارَ الصّمت،وقلّصت النأيَ والمسافات ، وصلتْ، ودغدغتْ مسامعي حلاوتُها، وغَشَتْ أنفاسي طلاوتُها ،أدركتُ سريعاً أنّ مَصدرَها الفوّار ، ونبعَها الزّلال، ومنهلها الرّقراق..ينابيع غير غريبة عنّي،ومألوفة فى مسامعي، تلمّستُ وسط زحام الحياة ،وخضمّها، ومشاغلها التي تترىَ أمامنا أيامُها،وتنثالُ نصب أعيننا لياليها ، فأيقنتُ أنّها معروفة فى آذاني.فتساءلتُ مع نفسي فى إعجاب : إذا كان “الأسلوب هو الرّجل ” Le style, c’est l’homme – كما يقول جورج بوفون Georges-Louis Leclerc, de Buffon – فإننا والحالة هذه نكتشف، ونستشفّ من جرّائه روحَ الإنسان l’être humain (رجلاً كان أم إمرأة) ونتعرّف على طبعِه (ها) و على خصائص إبداعاته (ها)، وطرائق كتاباته (ها) ،ومناهجَ تفكيره (ها)، أجل، نكتشف كلَّ ذلك فى أسلوبه أو فى أسلوبها ، وفى نظره أو فى نظرها إلى مَجريات الأمور.. ولا ريب أنّ المرأة أحرىَ، وأجدر وأحقّ بهذه المعاني الرّقيقة جميعِها، فأجلُّ وأجملُ الدّرر والآلئ ، وأدقّ وأرقّ المباني والمعاني الشفيفة للمرأة نصيب الأسد فيها، وهي من صميم إختصاصاتها،وطبعها لحكمةٍ أرادها أو رامها الله فى خلقه..
    إنها نفس المرأة التي أدركتْ،وإعترفتْ أنّها لا تلقىَ من هذه اللآلئ والدّرر إلاّ ما ندر..! ولا غروَ ولا عجبَ فالعِطر الغالي، والثمين، والباهظ، والباذخ يُودَع فى قواريرَ فى منتهىَ الصّغر والدقّة تكاد تُخطئها العين، وعلى الرّغم من صِغرها فإنّها تملأ حياتنا، وحواسَّنا، ووجداننا،وأنفسَنا طيباً زكياً، وعِطراً نديّاً،وعبيراً عَبِقاً فوّاحاً ..
    ولمَ لا يجود الفكرُ علي الشّاعرة بما قد تروم من عِبَرْ..؟ ففي حالاتٍ “قد يطرق صمتاً يحوط المعاني “، ،ولا يرضى بوحًا بسرٍّ مَكنون،ومَصون كضميرٍ مستترٍ مُوارىَ فى بُطون أمّهات الكتب، والمصادر، والمظانّ، والمُتون.. إلاّ أنّه خلف حائط الصّمت تلمح الشاعرة بريقاً يشي بما هو مُخبّأ تحت الصّخور من دُرَرْ، يُخفى بين جوانبها، وسوانحها، وجوانحها، وجوارحها سلاماً مُرهفاً ،وحنيناً مُترفاً ،وحياءً، وقبساً من خَفرْ، فإنْ كانت بعض الكلمات تُمعن فى أن تظلّ فى أعين الشّاعرة المُجيدة (جوفاءَ، صمّاءَ ، بكماءَ)..؟ علّها ألِفَتْ بريق السّكوت، ففى بعض الصّمت حكمة، وبلاغةً، وملاذ..إذ فيِ الصَّمْتِ قالهَا ” أرثورامْبُو” – ذَاتَ مَرَّةٍ – يَنبغيِ لِلْقَصِيدَةِ أَنْ تَقْطُن، إذ يُخَيَّلُ إِلَينا أَحْيَاناً، أنَّهُ قدْ حَانَ أَوَانُ الصَّمْت،وكما أخبرنا العارفون .. فإنّ بعضَ الكلام إذا كان من فضّة، فإنّ الصّمت من ذهب..والله تعالى وهبنا فماً واحداً لنتحدّثَ أقلّ.. وأذنين إثنتين لنسمعَ أكثر..!
    سكوت الشّاعرة،أو صمتها يشي بما لا يُدرك إلاَّ بقدْرٍ باهظٍ من الصّبر، والجلد، والمثابرة، والأناة، والتريّث، والعناء والذكاء، وبمصارعة المستحيل، كما صارع فى الزّمن الغابر ذاك الذي( أسمعتْ كلماتُه مَنْ به صَمَمُ )، خيولاً من فوارسها الدّهرُ… وحيداً وما قولهُ كذا ومعهُ الصّبر..؟! ولا يفتأ أن يضجّ فى ذهن الشّاعرة ضجيج، يفوق صخبَ،ولجبَ البحر، وهدير لججه العاتية،وزبد أمواجه العالية ، إنه يدعوها للغوْص (عندما طابَ لنفسها الولوجُ لعُمْقِ المياه ونبش ما فات النظر) تحت ثبج صفحة البحر السّاكن، حيناً ، والمُزبد أطواراً لتنبشَ، وتستخرجَ من قاعه ما لا يُرى، وما لا يُدرك بالعَين المُجرّدة من علٍ..عندئذٍ لم تلبث أن أتتها النجاة كقَدَرٍ مُشعلٍ على شفةٍ ، فأدركتْ بالفعل أنّ المعاني، واللآلئ، والدّانات، والجُمانات، والدّررالنفيسة ليس من السّهولة واليُسر الحصولُ عليها، أو الوصولُ إليها إلاّ بعدَ جُهدٍ جَهيد، وكدٍّ عَنيد.. ولا جَرَمَ أنّ هذا البحر هو اللغة لا محالة، كما أنّ لآلئه، وداناته، وجماناته، وجواهره، وصدَفاته، ودُرره هي معانيها، وبيانها، وتبيينها، ومَحاسنها، وشواردها..وبذلك أخبرنا ببراعة شاعرُ النيل حافظ إبراهيم فى تائيته الرّائعة عن لغة الضّاد الجميلة.
    “صخورٌ ودُرَر” ** تضعنا أمام لمحاتٍ شعريةٍ شفيفة تبيّن لنا مرّةً أخرى أنَّ الشّعرَ “لمح تكفي إشارته “، هكذا قالها قديماً أبو عبادة المَنبجي، بعد أن بذّ وتفوّقَ على أستاذه، ومعلّمه الطّائي عند مَقدم النيّروز ، وهو يتغنّى بالرّبيع الطّلق الذي أتاه هاشّاً ، باشّاً، ضاحكاً، ويطربُ للبِركة الحسناء التي لاحت مغانيها لمولاه المُتوكّل، ويتغزّلُ ويتشبّبُ بعيون المَها بين الرّصافة والجِسر اللاّئي جَلبنَ الهوىَ لعليِّ بن الجَهْم من حيث يدرى ولا يدري ! فضُرِبتْ للبحترى قبّة من أدم فى قرض الشّعر،كما ضُربت من قبل لصاحبه فى سماء النقد، والبلاغة، والإبداع نابغة بني ذبيان فى سُوق عُكاظ ، هذه الّلمحات ” المارلينيّة ” المُوفيّة، الحالمة، الهائمة ، والعفيفة، تشيع بيننا حلوَ الكلام، وعذبَ البيان، وتنشرُ أو تنثرُ حولنا أريجَ الشّوق، وروائع البنان، وهالات الفِكر،والعِبر،ونوادر الدّرر التي تغبط القلوبَ المُعنّاة ، والأفئدة الحزينة، والأنفس المكلومة..إنها ومضاتٌ إستبطانيةٌ جوّانية تبعث على الأمل والتأمّل، وتُفسحُ أو تفتحُ الأبوابَ على مِصراعيْها للخيال المُجنّح الفسيح ،وتطلق سراحَ أسراب القطا المُحمَّلة أجنحتها بمراسيل الهويَ، والصّبابة، والجوىَ، والحنين لتحلّقَ طليقةً فى الفضاء اللاّزوردي الفسيح،وما إنفكّت الشّاعرة تتساءل حيالها فى إلحاح بِضَرْبٍ من العتاب والضّنك (ما للكلماتِ جوفاءَ لا تواتيني؟ صمّاء بكماء تنكرني وتجافيني ) وكأنّ حالَ لسانها يشدو أمام هذا العجز، وحيال هذا القصورمع المّجنون العشق الولهان قيس بن الملوّح: ( أسِرْبَ القطا هل من يُعير جناحَه / لعلّي إلى مَنْ قد هويتُ أطيرُ..) .إنها (ترجوها ملهفةً نقلَ سلامها إليه والحنين)..!
    الكلمات عند مارلين وديع سعادة تغدو فى هذه اللّمحات تساؤلات ملحّة متواترة، ، ،وتنويعات وتريّة مؤثّرة ، وهي وإنْ قَصُرتْ ، تظلّ مشاعر مُفعمة بفيضٍ من الصّفاء والنقاء، نابعةٍ من نفسِ شاعرةٍ ساهرةٍ، ساهدةٍ، سامرةٍ ، تائهةٍ بين أعطاف الصبّ، والصّبا، والصّبابة ، وحائرةٍ بين التّيم ،والتّيه ،والجَوىَ وأنين الرّبابة.
    *************************************************************************************
    *- كاتب، وباحث، ومترجم، وقاصّ، من المغرب. عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا.
    **- نُشرت هذه القصيدة فى كلٍّ من جريدة” الأنوار”البيروتيّة الزّاهرة بتاريخ الخميس 28 سبتمبر(أيلول)2016.وفى موقع Aleph-Lam الرّصين بتاريخ 29 سبتمبر 2016.

  2. قد تكون قصيدتي هذه أبلغ ما يقال في تعليقك على كتاباتي أستاذي الكريم الدكتور محمد خطابي، فقد توّجتني تتويجا عجزت معه عن إيجاد الكلمات الموفية لهذا التقدير وهذه المحبة. كلامك الدرر واللآلي، وأنى لي أن أعثر على ما يضاهيها رفعة وقيمة وجمالا؟! لك شكري العميق وتقديري ومحبّتي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s