“وديعةٌ من ذهب”

دقّت الكاتبة بابَ القصّةِ

بيدٍ مضمَّخةٍ بالمواهبِ والملَكاتِ

nat-1
د. ناتالي الخوري غريب

“العابرون” لـ ناتالي الخوري غريب

“وديعةٌ من ذهب”

جورج مغامس

هي هذه مجموعةٌ قَصصيّةٌ حمّالةُ أحوالٍ وحالاتٍ إنسانيّةٍ قارصةٍ أو حارقةٍ مثيرة، مازجَتها غيوبٌ وأقدارٌ.. ساورَها العبث. وهي، بما هي مطبوعةٌ بتلقائيّةِ خزينٍ فكريٍّ رجائيٍّ شَفعته الميثاتُ أحيانًا، شرفةٌ أدبيّةٌ أشرقت بأزهارِ الابتكارِ، في صياغاتٍ وصورٍ وشّتها الشّاعريّةُ الوادعة. فنحن إذًا أمام صنيعٍ بديعٍ، قوامُه الرّأيُ والموقفُ واستبصارُ الخيالِ، تُقبلُ خفيفةً لطيفةً كطيفٍ حلوٍ في منامٍ، على متنِ مشاعرَ وجوديّةٍ وشعائرَ أخلاقيّةٍ،.. وتَجري مجاريَ السّردِ السّلسِ السَّلسالِ، حصيفًا جليًّا لمـّاحَ المتعِ بليغَ الدّلالاتِ.. فثَمّةَ الرَّونقُ الّذي من يُسرِ الأهليّةِ، وطيبِ الطّويّةِ، وهناءِ السّجيّةِ، وطوالعِ البيانِ البتولِ.. ألبريءِ من أثوابٍ تَسربلتْ بها ودائعُ الذّاكراتِ، لَكأنْ أَنّنا إلى ليلةٍ قمراءَ من ليالي الصّيفِ في رُبى الرّيفِ، حينًا توحي وحينًا تبوحُ.. تُتيحُ خروجَ وجوهٍ من حُجبِ الغاباتِ ومن ظلالِ الشّجرِ، تعانقُ الأطيافَ في طَوارفِ السُّمّارِ وفي عينِ الرّقيبِ الّذي يساهرُ السّهرَ!

هذا المعيوشُ، الّذي في ظاهرِ الواقعِ أو تخطّاه إلى منطقةِ التّوقّعاتِ، هو حقًّا يستثيرُ فينا الجوارحَ والوجدانَ.. يَصدعُ الضّميرَ؛ ويَحدثُ أَنّه يفعلُ، لأنّه ينسربُ في منظومةِ تنويرٍ وتشويقٍ مطّردةِ السّياقِ والحلقاتِ، تستعجلُ النّهاياتِ حينًا، وأحيانًا تستبطِئُها اللُقيةُ تَوشّحتْ بفتنةِ التّطريزِ،.. أَفَبعدُ يخطرُ ببالٍ أَنّ الدكتورة ناتالي الخوري غَريب تكتبُ الكتابةَ السّاريةَ الشّيوعِ؟!

إنّ العادلَ قد لا يَرحَمُ، لكنّه لا يَظلِمُ. بلى، كتابتُها ليست من تلك الكتاباتِ السّاريةِ الشّيوعِ!

nat-cover
غلاف “العابرون” الصادر حديثا عن دار الابداع

إنّها كتابةُ الأكاديميِّ، حَضرتْ طرائقُه والمقاييسُ، ولكنْ نازعَتها نوازعُ الإبداعِ، فاخضرَّ حبرُه وانزاحَ من مربّعِ الدّائرةِ صوبَ فضاءِ العصافيرِ.. فضاءٍ يا ما جابته في تجربةِ الرّواياتِ!!

وممّا بيدِ الكاتبةِ، عفوًا، براعةٌ في نَصبِ خطوطِ التّماسِّ ما بين المركَّبِ والبسيطِ.. ما بين المباشرِ وما وراءَ الأكماتِ.. ما بين ثَورانِ السّطوحِ وسكينةِ الدّرِّ في الأعماقِ..، فإذا النّاتجُ المكتوبُ أشبهَ ببعضِ الطّعامِ والشّرابِ، مُستَلذٌّ حلوُه ناكحَته النّكهاتُ موالحَ حوامضَ ومرارةً سائغةً، طابت بنوافحِها ذاكرةُ الذّائقاتِ،.. بل هو هذه السّبيكةُ المشِعّةُ كشَعشوعٍ شهيٍّ رَصدته العيونُ في برّيّةِ الآلهةِ والرّياحِ، تبثُّ، من مدارِ العقلِ والقلبِ تَتَوْأَما في رحمِ البحثِ القَلِقِ عن مصادرِ الخيرِ أو ملاعبِ النّورِ، مساربَ في إقليمِ اللواعجِ وصوبَ أفقِ الخواطرِ.. تُلهمُ المناطقَ الحرّةَ فينا تَنفُخُ بجمرِ الهمم!!

كاتبتُنا، الدكتورة ناتالي الخوري غَريب، حقًّا دقّت بابَ القصّةِ بيدٍ مضمَّخةٍ بالمواهبِ والملَكاتِ؛

وها قد أقامت في حديقتِها المـَوكِنَ اللائقَ، استودعته أُولى ودائعِها.. وديعةً من ذهب!

وفي الإحالةِ على القِصصِ، الشّاهدُ يَبصِمُ بالعشَرة..

يَبصِمُ على تظهيرِ المضامينِ، الحارّةِ أو الحادّةِ أو الحائرةِ، بأبلغِ الإيجازِ.. بنبراتٍ كندىً حلَّ بأكؤسِ الرّبيعِ في بزوغِ الشّمسِ وعند الأفولِ!!

إنّ “العابرون” من أدبٍ، كحمامٍ زاجلٍ كُلِّفَ بالرّسالاتِ…

*مقدمة جورج مغامس لمجموعة “العابرون” القصصية، الصادرة حديثا عن  “دار الابداع”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s