حكاية شجرة معمّرة

mireille-abou-hamdan

ميراي أبو حمدان 

وقفَت مترنّحةً تنعي زمناً طوته سحقات الدّهر، وناحت فوق ابتسامات الأيام، فذرفت الدّمع اللّاهب، وجفّفت اللؤلؤ الحائر، ولمزت الجفن البائس، فمزّقت أوردة القلب الهجين ونثرت غبار السّاعات مع مهبّ الرّياح. وقد جرحت آهاتها بياض القلب، فضمدته بفيض من حنان، وباركته بشذى الأمان.

سجدت خائرة تلوي جراحها، وقد ترامت على أثقالها شذرات الدهر، وتكاثرت على أحمالها انكسارات الصّخر، فأينعت صبراً وأعلنت جَلَداً مرّ الزّمان.  هوذا النّور يقف تجاهها، وقد أغدق حبّاً وأبرق ودّاً، وحدّق ثقلاً، فغافلها بلمسٍ لطيف وحضنها بحنانٍ نبيل، فطوّق بتلاتها بالقوة والرّحيق. ، فأطفأ جأش ضعفها حتّى أمسكت معول الثّبات، ومضغت علقم السّاعات، عندها لاحت بمنديلها الطّاهر إلى الزمن الجميل الذي سافرإلى عالم السكون، وطافت بذكرياتها وناحت بأمنياتها، فضحكت متجلّدة وتنهّدت مسحوقة وشردت أيام طوال غابت عنها أحلام ثقال، ودامت حزينة مكلومة تعدّ خفقات العمر. عندهااشتدّ الحمل فوق أكتاف الرّحاب وتجلجل الشّوق أمام أعين الرّقاب فشعرت بتوقّف الأركان.  ألا ليت بركان الهوى يعود فيغسل شقائق النّعمان.  ألا ليت أغصان النّدى تزحف إلى أحضان الحنان وتغدق حبّاً ولهفة في وهاد المكان. دمتَ عزّاً يا زمن. زلزلت َوصال الوئام، وقهرتَ شوق اللئام، فأخذتَ الفرسان من فم الملآن وعبق العبير يبكي الفرقان، فدسست الطّعنات في جسد الأسد الجريح وتغالبت عليه في ذبح أمانيه، وضللت الطّريق إلى جوف المحيط تفتّش عن أغصان شجرة ثكلى تكسّرت وترهّلت من وطى الآهات. أرادت طريقاً عامراً بمحاسن الأنوار وظلّ الهجير، فلم تجنِ سوى حنقات الزّمان ودغدغات الأنصاب. هي اشتاقت ذرف الدّموع في حضن الأحباب، واشتاقت إلى صمت الأحزان الذي ينبع وجداً ويطوف حباً. ومن أعلى ناصية الأشجان كبُر الشّوق إلى أن لامس ساقية الدّم، وأصبح شفاءً للقهر وسهاداً للوجد في ليالي البرد القارس…

أتراكِ تعبرين السبيل وهو مظلم أيتها الشجرة الكلمى؟ وتنكبّين فوق ذكريات آلمتها زفرات المهاجع؟وهل تعيشين ضوضاء النفس في يومها الحاضر أم تعودين إلى جمر الزّمن الغابر؟ وهل يتراكم الحلم فوق الحلم ويصبح هباءً منثوراً؟ لا لن تعودي إلى ماضٍ سقِم من تأوّهات عرجاء، فبالت عليه لعنة الأشقياء؟وأفرغتِ جمر قلبك في ساقية عابرة إلى سرداب الخلاص، واغتسلتِ طهارة وتنشّقت نقاوة، فخرجت إلى الحياة صافية من شوائب الجراح، والنّور يلثم منبتك ويغدق في حبّك حتى اشتدّ عودك وثقُلت موازينك.

أحسنت صنعاً انك حين تلوذين الآلام وتقهرين الآثام تغدين كمثل الفارس الرابح في معركة الأبطال والقابض على مشعل العبور إلى سكك النجاة، النجاة من أهوال الساعات وفاجعات الليالي.

ولكن… حين حزنَ النور الآتي من بعيد جدّاً جاءها مودّعاً نبض مائها وحلاوة رخائها، فلوّح لها مفارقاً أسود كبريائها وعظيم عطائها وغابَ إلى حيث لا رجعة ولا سلام ولا لقاء. . . وانتظرَت عودة النّورالمودّع، وانتظرت رجوع الوعد المحتوم، فعتبت على غيابه وكلّمت وريقاتها الحزينة:قد فارق همّي وحزني ورحل، كيف السبيل إلى لقياكَ ؟ هل تنتظرُني في مكان آخر من هذا العالم حيث لا وجوم ولا غيوم ولا جروح؟.

عندها غابَ عنها الأمل الضعيف وجفّ النّدى السّخيّ، ورحل إلى أجلٍ قريب، فاستقامت تلك الشجرة وأفرغت جلّ مخزونها إلى تربة الأرض البهيّة، فأثرتها خمرةً وريحاناً وذرفت دموع الرّحيل، وترامت بين أحضان الأقدار ومضت إلى سراب يمزّق الأحلام إرباً إرباً، ويشتّت الأدران كرماد مبعثرٍ خفيف، وهي قد تلاقت مع ملائكة الخلاص وحيدة صاغيةً، وفي جيدها أمطار من الأعتاب على سنين الأمجاد وسقطات الأحقاد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s