من مشاغل السّيميائيّة

صناعة الوجاهات/صناعة الإفادة

mohamed-khraief-3
محمّد خريّف

(كاتب ومفكّر تونسي)

الإفادة فنّ يصنعه الباثّ السّيميائي بتدبير وحذق، مادّته العلامات، سبيله التّركيب العلاماتيّ بهدف التّوجيه والتأثير من أجل النفع العاجل. والإفادة من فعل “أفاد” في العربيّة ومنها الجُملة المُفيدة في النحو، إلاّ أنّ معنى الإفادة متغيّر باِسْتمرار، تحتاج دراسته في التّراث العلاماتيّ العربيّ إلى التّعمّق ومزيد البحث، إلاّ أنّ مفهومه تغيّر على وجه التّخصيص مع ظهور علم الأصوات وعلم اللسان وكذلك علم السّيمياء، وقد الفت فيه الكتب الخاصة فلِـ “دان سبربر” كتاب عتوانه “الإفادة” أو “الوجاهة” (1). وللوجاهة مُترادفات في العربيّة على غير الوَجاهة في دراسة العلامة  كما يذهب جون لوزون في كتابه “التّصوير بالرّغم عن الصّورة” (2)، اذ هي جماع “الشّفافيّة والعَتميّة”، أي أنّ العلامة شفّافة وعاتمة في الوقت نفسه la transparence -cum-l’opacité.

khraief-mohamed-dan-sperber
دان سبربر

انّ الدّراسات الخاصّة بالعلامة والصّورة مُتطوّرة جدّا في البلدان الغربيّة السّيمقراطيّة عمّا هي عليه في البلاد الشّرقية ولا سيّما العربيّة الإسلاميّة، لكن الذي يعنينا في هذا الصّدد كيف تصنع الإفادات أوالوجاهات، بعدما تبيّن أنّ الوجاهة لم تكن حاصلة بتوجيه ربّاني أو هي مقدّرة كما هو مُقرّر في منطق علوم الفقه والعلوم الشّرعيّة الميتافيزيقيّة، وأن الوجاهات السّيميائيّة يصنعها الإنسان في كل زمان ومكان اِسْتحابة لنداءات النّفع الفيزيائي الذي يدخل في نشأة علوم البرغماتيّة العلاماتيّة ونموّها؟.

صناعة وجاهات جديدة

لعل من فوائد هذه المُغامرة الخاصّة بالبحث في السّيميائيّة العربيّة تفتح لنا نوافذ البحث اللّولبيّ عن صناعة وجاهات جديدة هي وجاهات العلامات التافهة الخارجة عن محاور اِهتمامت المجتمعات اللاّسيميائيّة، وهو مُبتغى يبدو في الوقت الحاضر صعب المنال لكنّه لن يكون مُستحيلا، قد يقوم به غيرنا ممن تضمن لهم سلامة أجسادهم وعقولهم المُجرّبة مُواصلة ما لم نقدر عليه نحن في عمر أجسادنا، التي يطالها الوهن، باِعتبارها علامات غير زائلة دأبها “الحؤولة (La métamorphose) وعدم الاِستقرار، فلا ياتي عليها الفناء والبلى، وإنما تفعل فعلها السيميائي بغير فاعل فتستحيل أشكالها أشكالا أخرى لاهي نهائيّة ولاهي تامّة التّكوين.

منابت سيميائيّة مُستقبليّة اِفتراضيّة

السّيميولوجيا بمفهومها التّهديمي الإفساديّ الرّامي إلى إعادة تشكيل العلامات بالمسخ والتّحويل عدو ديكتاتورية النّظام الألد، وليس أدلّ على مُعاداة الدّيكتاتوريّة للسّيميولوجيا من تجربة حكم الأغلبيّة النّسبية في تونس ومعادلتها ثلاثيّة يُعادي جدّ السّلفيّة فيها كلّ عبث سيميائيّ يمسّ حسب اِدّعائهم بالمُقدسات الدّينية، لذا فالحكومة التي تدّعي الدّيمقراطية في حملتها الاِنتخابيّة صارت في نظر االمُعارضة ذات الحُضور النسبيّ الضعيف على مستوى نتائج الاقتراع حكومة دِيكتاتوريّة فاشية لأنها تُمارس العنف ضدّ فنّ التصوير بمُختلف أشكاله، وهي حكومة في نظر العلمانيين تشرّع لديكتاتوريّة اللّسان الأوحد الافتراضيّ، لسان الشّريعة، وما اللسان الأوحد الموهوم إلا استراتيجيا قوليّة، زمانها غير زمان استراتيجيا الصّورة. ومن قرائن الدّيكتانريّة أن تُصبح العلامات دالة على ضديدها وان تقلب المفاهيم فيصبح الفاسد مُتهما غيره بالفساد في غياب ديمقراطيّة العلامة والعلامة المُضادة، وبهذا تكون الشّعارات التي تنادي بها الأحزاب من ديمقراطيّة وحريّة من قبيل تلك الشّعارات التي كان يرفعها نظام الدّيكتاتوريات في تونس وليبيا ومصر فالديمقراطيّة كالمُجتمع المدنيّ والعدالة والحرّيّة صارت تعني الدّيكتاتورية التي يسمّيها بعض الكتاب في الغرب بالديكتاتورية النّاعمة، وللباحث أن يعيد النّظر في ما تكاثر في تونس من قوانين وتشريعات في ظاهرها العلاماتيّ خدمة الإنسان لكنها تبقى على مستوى الممارسة حِبرا على ورق فصارت العلامة قائمة مقام علامة أخرى ولا مصداقيّة لها على أرض الواقع.

khraief-mohamed-jean
جان لوزون

وبما أنّ العلامة خطيرة باِعتبارها مجتمعا سيميائيّاّ هشّا يختلط فيه الحابل بالنّابل زمن الثورة وبعدها كما كان من قبلها التعلق باِستبدال علامات بعلامات أو الإبقاء على بعضها ممّا اِهترأ ولم يعد قادرا على الوفاء لمراجعه، ومن بوادر الحكم السّلفيّ الوقتيّ وإجراءاته العاجلة أنْ هرول رموزه إلى صناعة وجاهات سيميائيّة نائمة مستيقظة استيقاظ أهل الكهف ومنها: وجاهات اِستبدال نكاح البُورديل بنكاح العرُف أو المُتعة ومنها أيضا “وجَاهات “ختن النّساء” و”تعدّد الزّوجات” وغيرها من العلامات ومُصطلحات أنظمة الحكم كالخلافة و”الشّورى” و”الإتاوة” و”بيت الزّكاة” إلى جانب محاولة اِِستبدال مراسم التحيّة بين الذكور والاناث مع السّعي إلى منع الاِختلاط في المدارس بين الجنسين والترويج لاِرتداء النّقاب والحجاب وهي وجاهات بدت غريبة عن الجسد السّيميائيّ التّونسيّ. فلم يقبلها بسهولة ولم تهضمها الذهنيّته العامّة للمجتمع، وهي وجاهات مرفوضة لانّهامفروضة قسرا وليست من طبيعة أغلبيّة السّكان وهي قد تذكّر بالشّعارات والرّموز التي حاولت الفاشية والنّازية فرضها على الشّعوب بين الحربين ولا سيّما على الشعب الالماني والايطاليّ ولم تقدر، فباءت محاولاتها بالفشل. لذا فانّ من ركب الثورات العربيّة الهامشيّة من هذه الأحزاب والنحل، لم يجد غير هذه العلامات والشّعارات لإثبات شرعيّته، لكنّ هذه العلامات ترفعها جهات محسوبة على الحزب الحاكم الدّينيّ وهي من قبيل تنظيمات حماية أهداف الثورة وأنصار الشريعة وغيرها من التي جعلت من وجاهاتها غير وجاهات تحقيق الكرامة للمهمّشين من الشّباب والعاطلين عن العمل من خريجي الجامعات المنادين بالحرّيّة والعدالة والكرامة، لذا اختلطت الامور واِختلطت وجاهات الثورة الهامشيّة بوجاهات أخرى لم تكن مطروحة على الثوّار المهمّشين ولا هي في الحسبان ومنها أيضا وجاهات تحقيق أهداف الشّريعة الإسلامية ورفع الراية السّوداء مُقابل إنزال الرّاية القائمة، راية البلاد المميّزة باللّولين الأحمر والأبيض(نجمة وهلال) ولعلّ للمُتشبّث بوهْم يقين العلامة ألاّ يظفرَ الا بسراب اِعتقاده في صواب قُدرته على الفعل بمُعجزة خالق خارج عن التّاريخ والجغرافيا. فيظلّ ذلك تنبّؤا وخوَرا مالم يقُمْ الفعل مقام العلامة، ولن يقوم إلا بالثّورة على يقينيّة العلامة القائمة قينا مقام الضّمير الحَمْعيّ ألا وهو ديكتاتور الفكرة الواحدة فكرة التّوقيف العلاماتيّ الّتي تجعلنا غُرباء في أجسادنا عن أجسادنا، ومن أجسادنا واقعنا المعيشيّ وشتّان بين علامة واقعها اِفتراضيّ وأخرى واقعها فعليّ، وبذلك تحتاج الشّعوب إلى وعي سيميائيّ يدعم الوعي الفعليّ بضرورة الثورة على ديكتاتورية الحكام حتى المنتخبين منهم إن كانوا خارج الوعي بالسّيميائيّة. ولعلّ الوعي السّيميائيّ يصير طبعا فينا فيبدأ بترويض المُجتمع على اِِكتساب ملكة مُلاحظة العلامات والتّفكيرفيها بما يضمن نقدها وتأويلها لذا كانت الحاجة إلى التّحول بالنّقد من النقد الانشائي الاِرتساميّ إلى النقد السّيميائي ضروريّة ولازمة.

من النّقد اللّساني إلى النّقد السّيميائيّ

من قرائن تخلّف النّقد عند العرب المُعاصرين عن النقد في بلاد الغرب غياب النقد السّيميائيّ في مفهومه الحديث ممّا يدلّ على غياب السّيميائية في المُجتمع العربيّ المعاصر، إذ السّيميائية نشاط علاماتي تشكيليّ يحيا بالتّصويب والإفساد مترق لا مجال فيه لصلوحيّة العلامةالمشحونة بحوافّ المحمود والمنبوذ من المفاهيم والّتي هي من مواليد الحقبة الميتافيزيقيّة ولم تعد العلامة المثاليّة مُبتغى الثورة اللسانيّة و السّيميائيّة. ومولد عصرها الفاعل يبدأ من أواخر القرن التاسع عشروبداية القرن العشرين  ويستمر في النمو والاِزدهار وفق منطق الانفصال والاتصال حتى بداية القرن الواحد والعشرين ولعله يكون قرن البيوسيميائيّة وما بعدها بامتياز؟

ولعل التّحوّل من ذهنيّة النقد الإنشائيّ القائم أساسا على منظومة العلامة القوليّة إلى ذهنيّة العلامة الصّورة من الأمور الصّعبة المعقّدة، وهذا ما يجعل أهل الحِجاج والمُناظرات في تونس لاسيّما إبّان حصول ما يُسمّى بالثورة على علامة “جسد” حاكم البلاد دون الثورة على المنظومة الفكرية والاقتصادية التي كانت ولا تزال قائمة في ضمائر النّخبة المثقفة الوفيّة الخائنة التي ساعدت ذلك الحاكم على البقاء زمنا طويلا حتى جاءت ظروف لا تزال غامضة ساعدت على هُروبه وهيّأت لأعدائه ومناوئيه ممّن لا علاقة لهم بالثّورة بخِلافته والحلول محلّه. لكن ذلك أمر لايهمّنا في هذا الصّدد بقدر ما يهمّنا أمر خطاب هذه النّخبة التي تمرْكزت على شاشات التليفزيون لتتحاور في مواضيع ما يسمّى بأمور التّحوّل الدّيمقراطيّ بعلامات العصور الوسطى حيث يغلب النّقد الإنشائي اللفظيّ على النّقد السّيميائي، ورأسه الصّورة ممّا يجعل أطروحات المحاورين من رِواية المحفوظ المدرسيّ وترسّباته الأيديولوجيّة والغقائديّة المستيقظة من سباتها القسريّ زمن الدّيكتاتوريّة فجاءت في معظمها خارجة عن أطروحات عصرالصّورة عصر الألفيّة الثالثة، إذ الحوارات التلفزيّة تعيش بالصّورة وتموت بها تستحضر علامات الجدل الفلسفي والسفسطة مشوّهة في غفلة تامّة عمّا تفرضه اِستراتيجيا السّيميائيّة الحديثة من ضرورة حضورلغة الصّورة والإشارة لا لغة مجالس علم الكلام، فلا من وعي بخطورة الصّورة باِعتبارها علامة هشة صُلبة قابلة للتّشكّل والتشكل والتطويع فالتوظيف على جميع المستويات، لذا نرى هذه النّخب بما فيها جماهيرها الجاهلة بأبجديات السّيميائيّة غير قادرة على صدّ خطر السّيميائيّة الجارف ولا حتّى فهم دواليب عملها المُؤدّية إلى الاِرتباك والإرباك ومن مظاهر ذلك ما يلحظه المُشاهد المتلقي من حالات الفوضى وجنون التشنّج الّتي غالبا ما تَسِم الحِوارات غير المتكافئة على الشاشات التلفزيّة العربيّة الإسلاميّة وهي التي مازالت بدورها تتوكأ على عصيّ السّيمياء العرجاء في مفهومها التّقليديّ الذي يُبيح لسلطة النّقد أن تبقى بمناي عن المٌحاججة والمُقارعة واِكتساب القدرة على سماع الآخر.

khraief-mohamed-paul-ricoeur
بول ريكور

والسّيمياء العرْجاء تحظى على اِمتداد تاريخها بمنزلة الهيْمنة على نوازع السيّميائيّة الحديثة وإمكانيات نشوئها ممّا يجعل من هذا الفرع من علم الكلام العائد في إفلاس علما لا يُطال ولا يُدرك إلا وهْما وتخيّلا فتنشا عنه ديكتاتورية النّقاد التي تجعل من بعض الكتابات نصوصا ضاربة وأخرى غير ذات بال أو هي هامشيّة. فهل النقد في حدّ ذاته في حاجة إلى ان ينقد ذاته لتنكشف عُيوبه ونواقصه باِعتباره نشاطا لسانيّا ثائِرًا على نفسه وهو في تحوّل لا يتوقّف لأنه بدون هذه العدْوى الكيفيّة المعقّدة للتحوّل قد لا يستحقّ البتة هذا الفضل وهذه المزيّة، وهي عدوى تحيا بفيريس جدليّتها جدليّة الفرخ وبيضته في لغة الديالكتيك السّيميائيّ الشبيه بديالكتيك هيغل.. فالنّقد الّذي يشهد تاريخه بهذا العبور من مرحلة إلى أخرى يكون أحيانا قويّا و أخرى ضعيفا، لكنّه قلّما يدرك وهو يتّصف بنظام متميّز منهجيّا: أي أنّ النقد الإنشائيّ الذي يعود تاريخه إلى أرسطو يُحيل إلى علم الشّعر باِعتباره غرضا من أغراض علم القلب البشريّ أي الوجدان لا علم اللّسان البشريّ يتجسّد في كلام منظوم، فهذا النّقد يواصل نموّه إلى أن يعيَ بوجود نقد أخر هو النقد اللّساني الذي يرجع بالإحالة إلى العلامة الألسنيّة والتي تجعل حسب فرديناند دي سوسير العلاقة بين الدّال والمدلول علاقة اِعتباطية. هذا النّقد اللسانيّ يُلاحظُ في أعمال تودوروف وجينات وبن فينيست وآخرين أمثال بول ريكور الذي يقول في كتابه: “حسب الأنمودج تؤدي صلة الدّال بالمدلول إلى عبارة ذات وجهين مزدوجين ذلك إن المدلول بأتم معنى الكلمة الذي يشذّ فهمه عن صلته بالمرجع… هكذا تكون سرديّة من النمط السوسيري قد استطاعت أن تطبق على اللقطات الطويلة النصية وضع سبابة المرجع الحاصل بالأنموذج” ص6.

استراتيجيا أسلوبيّة

غير أن هذا النقد ودون أن يقطع قسرا مع حقله الأدبيّ الجهويّ ليتّسّع مداه مع بارط فيجتاز حدوده التي رسمتها سرديّات النقد اللساني وتراكماته التأويليّة والأيديولوجيّة والتنميطيّة وحتّى الاِصطلاحيّة فيعيَ بأنها مرشّحة للانخراط في حقل علامة أوسع من حقل علامة اللّسان وهل هذه العلامة الجديدة إلاّ علامة من حقل ليس له إلاّ أن يرى النور الجديد مع النقد السّيميائيّ باِعتباره استراتيجيا أسلوبيّة يضعها أيْكو في المرتبة الثالثة من تبويبه المنهجيّ؟ فالسّيميائية هذه الورشة التي تصنع من علامة ذريعة أو سببا لرصد شعريّة صورة مّا أو رمز مّا قصد نقدها لتغنم من عمليّة تسويق سيميائيّ تجيْ لتبلغ ذروتها مع الجُرْأة الحرّة لبارط خارج سلطة الأكاديميّ، لكن دون الاِكتفاء بدور القارئ المُسالم هل يمكن التفكير اِنطلاقا من هذا المفهوم السّيميائي في مُقاربة سيميائيّة جديدة يكون مشغلها الحْبكة السّيميائيّة باِعتبارها وسيلة تحكّم دقيقة لتُدخِلَ في جماهير أو في شعب ما أو في أيّة جماعة إفليميّة أو عالميّة فكرة التّسويق السّياسي؟ أتفتح هذه المُقاربة الطّريق أمام علم ديمقراطيّ يُجيز لكل كائن بشريّ مهما كان مستواه الثقافي بأنْ بَعِيََ أمر تأثير الحبكة السّيميائيّة التي بكون الكائن البشريّ هدفا لها؟ فهل لهذه الحبكة أن تكون عملا مُدبّرا من فبل دولة أو مجنمع اِستهلاك أو عَوْلمة تتمّ بواسطة وسائل الإعلام وشبيهاتها بغرض تحويل الرأي العامّ بصناعة وجاهات النفع السياسيّ والايديولوجيّ والعقائديّ لأنّ الحبكة السّيميائية أخطر من تمويه الرّواي الإلاه المتخفّي في نقد بويتيقا السّرد والغفلة عن اعتباطيّة العلاقة بين الدّال والمدلول في النقد النقد اللساني، فالحِبْكة السّيميائيّة بخلاف الحبكة السّرديّة تستهدف بالصّورة المُركبة جمهورا واسعا قد يُغامر بفقدان ذاكرته حين يكون أمام جهاز تلفاز أو جهاز كمْيوترفي خلط أو اِِرتباك دون أن تكون له القدرة علىالحجاج أو المقارنة بين ماهو اِفتراضيّ وماهوواقعيّ فيثق في علامة الصّورة ويعتبرها يقينيّة من المُسلّمات وليست علامات قارعة مملوءة بحِيَل المُونْتاج والإخراج واِستغلال الذّكاء الأليكترونيّ للتّمويه على المشاهدين والمدمنين على الانترنيت العزّل فيمنعهم من التّفكيرالسّيميائي ويلهيهم، وذلك بفضل التقنيّة الحديثة التي تيسّر وضع حيكات الصّور المبثوثة على الشاشة في خدمة السّلطة القائمة ومن يقف وراءها من قوى العولمة، فهذا الواقع خَطِرُ لأنّه يجعل من الإنسان العادي لاسيّما في البلدان الفقيرة ضحيّة بريئة لسيّد قد يبدو في نفس الوقت حامي حمى الوطن والدين أو هو نفس “مؤمنه يخاف ربّه” لكنّه قد يكون في الواقع وخارج مربّع الشّاشة مُجرما محتالا، ففي غياب النقد السّيميائيّ ليس بإمكان أيّ شعب من الشّعوب المغلوبة على أمرها أن يكون بمنأى عن الألم أو المعاناة التي يتسيب فيها له طغاة حكم جُدد مُقنعون اومزيّفون بفضل الحبكة المصوّرة. فدون أن نسأل عن خطر الحبكة المُصوّرة التي تضع القتاع أو تلفّ خطر وباء ينسي العبد في لحظة البث مساوئ سيّده فيصفق له ويغدومن مُناشديه.

2016-883617807-todoroveurope-jpg_20160127-1
تودوروف

إن هذه الحقيقة الحاصلة بالفعل تدعو إلى ضرورة العبور من السّيميائيّة الادبيّة إلى السّيميائيّة الهرمينيطيقية. لانّ السّيمييائية النّقديّة الهرمينيطقية تبني ميدانها الأوسع وتؤسّس له اِنطلاقا من هذا المفهوم الجديد للنقد الذي يضع كل ضرب من ضروب النّشر أو البث المصوّر محلّ اتّهام وسؤال كل الوسائل التي لا تصلح لتنمية ملكة الحجاج والنقد والاِِحِتجاج أمام فعل تدبير وخدعة الإيقاع بالفرائس البشريّة سواءُ أكان ذلك الفعل المُدبّر صادرا عن سُلطة سياسيّة أو دينيّة بواسطة قناة تلفزيّة أوجهة تجاريّة وحتى إشهاريّة معلومة أو غير معلومة. لكن هيهات فكيف الدّهاب نحو هذا الأفق الخاصّ بسيميائيّة جديدة هي سيميائية اليوميّ من أجل التّحرر وتحرير المُتلقّي بما في ذلك الذّات عامّة من إكراهات غير المُحدّد أو المقنّع؟

*Aleph-Lam: المقال يعبّر عن أفكار كاتبه ووجهة نظره فقط

mohamed-khraief-3
محمّد خريّف
  • Dan Sperber « la pertinence»
  • Jean Lauzon: «La photographie malgré l’image», University of Ottawa Press, 1 janv. 2002 – 224 pages

* بول ريكور: الذاكرة والتاريخ والنسيان

* بارط. الواضح والغامض

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s