هدى شديد

so-ho
هدى شديد

إضاءة على كتاب

“ليس بالدواء وحده” لـ هدى شديد

صونيا رزق الله

كم سمعنا عن رجال ناجحين يتفانون في عملهم، ويضعون كل طاقاتهم الجسدية والفكرية في خدمة مسؤولياتهم المهنية ومصالح المجتمع الذي يعيشون فيه، على حساب صحتهم وحياتهم الشخصية، وعلى حساب واجباتهم العائلية. هذه كانت وما زالت حال سيدة شابة عرفناها منذ سنين عديدة من خلال إطلالاتها المتكرره على الشاشة الصغيرة، فتعايشنا معها مدة طويلة وأحببناها، كما أحببنا إنجازاتها، إنها الأعلامية العصامية هدى شديد.

هي حالة نادرة بين النساء اللواتي تفانّين في عملهن، فكرَّست حياتها لمهنتها التي أحبَّت، وأخلصت في المسؤوليات الملقاة على عاتقها. شغفها لمهنة الصحافة، جعلها تعطي الكثيرمن روحها وجهدها الجسدي، خصوصًا أثناء سفرها المتكرر لتغطية الأحداث المهمة. كانت المهمات اليومية ترهقها جسدياً لكنها كانت راضية سعيدة بما تقوم به.

sonia-cover
غلاف الكتاب

كانت مهنتها كمُراسَلة على قناة LBCIهَوَسها وولعها وغرامها، تعلقت بها إرادياً وقسرياً، إرادياً لأنها مهنة أحبَّتها فإختارتها منذ أيام الدراسة، أما قسرياً فلأن قدرها كان أقسى من أن تحتمله إمرأة في أول شبابها، إذ أنها فقدت زوجها في بداية حياتها الزوجية بعد معاناته مع مرض السرطان، فجابهت قدرها بالصبر والصلاة وبالعمل الدؤوب الذي كان لها مهرباً من الأزمات، فتعلقت أكثر وأكثر بالصحافة وشغفت بها وجعلت منها رفيق عمرها البديل، فإقترنت بالصحافة، ويا لسعد الصحافة بها.

دمعة وإبتسامة

أصبحت مهنة الأعلام معشوقها الجديد، والعاشق يعطى معشوقه كل إلأهتمام لمرضاته، لذلك نجحت وبرزت في هذا الميدان، حصدت النجاح عربون سعيها إلى الكمال في جهودها، والاخلاص في مهمَّاتها. كانت  تتمتع بالطاقة والحيوية  أثناء ظهورها على الشاشة الصغيرة على مدى سنين عديدة، تحمل للمشاهدين الخبر اليقين بإبتسامتها العريضة التي كانت تحرص عليها وعلى مظهرها البشوش المتألق. لكنها كانت تخفي وراء تلك البسمة المشرقة وجعاً لا يُحتمل ولايُرى، لم يعرف أحد ما كان يختلج في صدرها من المرارة والحزن والفراق، ولا كان أحد أيضًا يعلم كيف كانت تطوي نهارها المرهق، وكيف كانت تستقبل ليلها الطويل وحيدة، بلا رفيق دربها، بلا الرجل الذي أحبته وأحبها، لأن من أحبته وإقترنت به، قسى عليها، غاب عنها من اول الطريق وتركها تمشيه وحيدة، لم ينتظرها في الأمسيات ليهّون عليها بكلمات الحب، وبلمسات الحنان لتنسى تعب الساعات الطوال، رحل عنها بعد صراع طويل مع المرض، فهي إن تذَّكرته، قلَّ ما تتذكر كلماته الرقيقة، بقدر ما كانت تتذكر آلامه وعذابها في رؤيته يتألم، لم يكن لديه الوقت الكافي ليردِّد لها كلمات الحب، لأنه كان أحوج منها بالحب وبالحنان، إنها تتذكر اللحظات العصيبة التي مرَّ بها وأمضتها بجانبه، تهَّون عليه، تسنده، تشجعه، فكان  نصيبها أن أكملت حياتها بلا سند، بلا زوج، بلا حبيب، فكانت مهنتها هي عذاؤها الوحيد.

sonia
هدى شديد خلال توقيع كتابها

رضيت بمصيرها، ومشت مشوار الحياة متسلحة بالأمل، بغدٍ مشرق أفضل، تنسى فيه عذاب الماضي، لكن قدرها كان واقفاً لها بالمرصاد ، يريد منها تضحيات إضافية، وكأنه لم يرتوي من دموعها، فأصابها بالمرض نفسه على حين غفلة، تسلل إليها، إلى أحشائها، فسمًم وجودها وقلب كيانها وأحدث فيها إنقلاباً نفسياً وجسدياً، حطًمها ولم يرحمها، وأسكنها من جديد في عالم القلق والخوف من مرض السرطان الذي أصيب به عريسها وحبيبها الشاب، وهي ما كادت تنسي تلك اللحظات العصيبة، حتى عادت لتتخبط فيه، متأرجحة بين الماضي والحاضر، بين مرضها المفاجىء، ومرض من أحبت في الماضي.

التجربة المُرَّة

أخفت مشاعرها الأليمة طيلة هذه السنين، ثم قررت أن تزيح الستارة عن مكنونات صدرها، فكتبت يومياتها في أثناء العلاج وما يختلج في داخلها. ثم أصدرت كتاباً تروي فيه معاناتها وتجربتها المُرَّة في الحياة، لتكون عبراً وعزاءًّ لكل من مرّ فيها أو عرف شخصاً قاسى من هذا المرض. هذه كانت حالتي عندما قرأت كتابها وبكيت، كل اللحظات العصيبة التي تصفها لنا في كتابها، قد عشتها معها لحظة بلحظة، أعادت في ذاكرتي ذكرى أليمة ماضية، ذكرى أوجاع أمي التي أصيبت بالمرض نفسه وتوفيت في بداية العقد الخامس من عمرها، وكنت يومها في عمر المراهقة، كنت أسمع أنينها وأوجاعها في الليالي ،فلم يكن بإستطاعتي النوم، كنت أتوجع لوجعها، واذهب في الصباح التالي إلى مدرستي باكية. إذا مرض فرداً من أفراد العائلة، تصبح العائلة بأكملها مريضة.

s-h

في كتاب هدى شديد “ليس بالدواء وحده” سيرة ذاتيه لحياتها، خصوصاً للفترة التي كانت تعصف في داخلها هواجس عدة، من جراء إصابتها بمرض السرطان ، تلّقت نبأ مرضها وصُدمت به، تغيرت نظرتها إلى الوجود، فباتت وكأنها متأرجحة بين السماء والأرض، بين التشاؤم أوالتفاؤل، بين المقاومة أو الأستسلام، بين الكفر أو الأيمان، بين التعلق بالحياة أو الرغبة في الموت، بين الرفض أو ألانصياع إلى أمر تشمئز منه نفسها، صراع داخلي كان يمزّقها طيلة مسيرتها على درب الجلجلة، حاملة صليباً كان أكبر وأثقل من قدرتها تحمّله، ومع هذا مشت به بخطوات ثقيلة، كانت ترى أيامها طويلة ولياليها جحيماً من جراء أوجاعها التي كانت تعيشها لوحدها، وتحاول قدر المستطاع أن تخفيها عن من كانوا كظلها في أزمتها. لولا الملائكة البشرية اللذين كانوا يحيطونها بكل ما يلزم من المحبة والأخلاص لما كان بمقدورها أن تصل إلى نهاية العلاج بنجاح.

إختارت لكتابها عنواناً ناقصاً، كأنها تعمّدت ذلك لتترك للقراء حرية إيجاد البقية الباقية للمعنى ، كأن نقول: ليس بالدواء وحده يعيش الأنسان بل بالحب، أو بالحنان، أو بالشجاعة، أو بالإصرارعلى الشفاء…

التغلّب على المرض

في مرضها إكتشفت هدى نفسها، إكتشفت إنساناً جديداً في داخلها كانت تجهله، وتجهل إنعكاساتها النفسية تجاه المحن، تجاه الواقع الجديد الذي كان لا بد لها من أن تتعايش معه شاءت أم أبت، لم تجد لنفسها مهرباً من قدرها القاسي، كان عليها إما أن تستسلم له فيقوى عليها، أو أن تقاومه فتتغلب عليه، وهذا ما حصل، فبقوة نذورات الأحباء والأصدقاء لكل الأديان السماوية، وبقوة المحبة، وبقوة الصبر، تخطت نيران الجحيم الذي احرقها جسدياً ، وكاد أن يلتهب في طريقه إرادتها، وعزمها، وطاقاتها الفكرية، حتى آمالها قد تحطمت ،لم يعد شيئاً يغريها في الحياة .فلولا المشجعين من حولها، لولا تحدَيها لقدرها، لولا حبها لعملها، لأطلالتها، والأشتياق  لرونقها، والتفاعل مع الحدث، ومع المواضيع الجديدة التي كانت تحب تغطيتها يومياً، لما كانت تصدّت للمرض. وقد عرفت خلال مرضها معنى الصداقة الحقيقية ونبل الأشخاص اللذين أحاطوا بها، وعطائهم السخي المعنوي والأخوي بلا منّية. عرفت تجاوب وتحسس أرباب العمل لها في محنتها فساهموا في رفع معنوياتها. عرفت كم هي عزيزة وغالية تلك الدموع التي رأتها في عيون المحبّين، في فرحتهم لعودتها إليهم معافاة، إلى أهلها، إلى وطنها، إلى أصدقائها، إلى عملها. إرتاحت من الكابوس، وشفيت بعون الله، ودعاء المؤمنين، وشعرت كأنها ولدت من جديد.

sonia-hoda

من يقرأ كتاب “ليس بالدواء وحده” لا بد له من أن يذرف الدموع، ليس فقط على محنتها ومعاناتها، إنما أيضاً على معاناة كل الأطفال، كل الشبان والشابات، كل المصابين بهذا المرض الفتَّاك الذي لا يرحم. وفي خلال العشرة أشهر من العلاج المضني والمنهك، عاشت هدى الجحيم من خلال أوجاعها التي لا تحتمل وتسآلت مرات عديدة “لماذا أنا”، السؤال الذي يسأله كل من يشعر أن الخالق قد تخلَّى عنه، قد ظلمه.

في قرأتي لهذا الكتاب خطر في بالي آيتين من الأنجيل المبارك: “الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟ّ”، “لم تصبكم تجربة إلا بشرية. ولكن الله أمين، الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضا المنفذ، لتستطيعوا أن تحتملوا”. كما يستحضر ذاكرتي آيتين من القرآن الكريم: “ما أحزن الله عبداً إلا ليسعده وما أخذ منه إلا ليعطيه وما ابتلاه إلا وقد أحبه”. “إنَّ اللهَ تعالَى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم”.

sonia-hoda-2

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s