هدية عيد الميلاد

amal-2

أمل الراغب

 christmas-paris-vector-illustration-35324988

كان يوما شديد البرودة من أيام باريس الشتائية القارسة، الأرض التحفت وشاحا أبيض من الثلج  كما لو أنها عروس متألقة في ليلة زفافها. حينذاك كادت قدماي تتجمد وأنا أقف على ناصية الطريق ارتشف كوبا من القهوة الساخنة لعلي اخفف من ارتعاش جسدي. في الجهة الأخرى، كان هنالك ما يشوب الثوب الأبيض، كيس أسود قاتم عليه ورقة بيضاء، كان لدي فضول أن أعلم ما المكتوب عليها، أقتربت قليلا حتى استطعت تبيان ما كان، “للتبرع”.

لم اتمالك نفسي من الامساك به وفتحه، كنت على يقين بأنني سأجد معطفا شتويًّا يساعدني على تحمل هذا البرد أو ربما بعض الملابس الصوفيّة التي  يريدون التبرّع بها خصوصا أننا في زمن الأعيّاد، وفي هذه الأجواء تكثر عادة الاعمال الخيريّة، لا أدري لماذا، وكأن الخير لا يلقى استقبالا إلا في المناسبات.

christmas-in-paris-nnfhcupi

 عيد الميلاد بعد يومين، كل الشوارع زيّنت بالأضواء، والأشجار ارتدت حلتها الجميلة بألوانها المختلفة خاصة ذلك الأحمر الذي يضفي على العيد نوعا من الدفء. صحيح أنني لست مسيحيًّا ولم أكن احتفل بالعيد، ولكني أؤمن أن جميع الاديان تقوم على اسس واحدة وهي الحب والتسامح والعطاء، وبما أن العيد بعد غد كنت في قرارة نفسي أعلم أن هذا الكيس وضع من أجلي، لا بل كنت على ثقة كبيرة بالله وأنه ارسل هديّة المناسبة لي.

الصدمة

اقتربت من الكيس بخطى حذرة وفتحته بعدما كنت قد ادرت ظهري للعودة إلى حيث كنت، وبلحظة توقف الزمن أمامي، كادت الصدمة تجعل قلبي يتوقف، لم يكن هناك أي شيء مما تخيّلته أو تمنيّته، ما كان موجودا لن تتوقعوه، مجموعة من الالوان وأدوات الرسم، نعم لا تتفاجأوا فهكذا كانت نظرتي أيضاً عندما رأيتها.

painting

امسكت بذلك الكيس وأنا مشوش الذهن، أقفلته وأردت أن أعيده مكانه، لكنني لم أفعل، نعم، فقد عدت في تلك اللحظة إلى سنوات طويلة مضت. كنت شابا يافعا وقتذاك وكنت أعشق الرسم، لكن والدي كان يريدني أن أصبح مهندسا وحاول جاهدا أن يزرع في عقلي تلك الفكرة حتى أجبرني على الابتعاد عن الرسم ونسيانه نهائيًّا. غير أنني لم أنسه بل كنت أكابر على نفسي من أجل أبي. كان يقول لي أريدك أن تصبح شخصًا محترما في المجتمع وتحصل على قوت يومك من دون أن تشقى فأنا تعبت جدا في حياتي ولا أرغب أن تمرّ أنت بما عانيته، والرسم لن يطعمك رغيف خبز. ربما كان محقا ولكنّه لم يستطع أن يفهمني حينذاك وأنا لم أكن املك الجرأة الكافية لشرح موقفي.

درست وتفوقّت على أمل أن يرسلني إلى فرنسا لمتابعة تعليمي هناك وهذا ما حصل، كان ينتظر بفارغ الصبر أن أعود إليه بشهادتي الجامعية فيفخر بي، إلّا أنّ الأقدار شاءت أن يقضي حتفه قبل أن أكمل سنتي الاولى، حينذاك لم تكن الهواتف متوفرة كما هي الآن كان يراسلني مرة كل شهر ويرسل لي ايجار الغرفة والمصروف. مر شهر وآخر ولم أستلم منه فلسا واحدا، شعرت بالخوف فأرسلت إليه رسالة  تلو الأخرى ولكني لم اتلقَ أيّ ردّ. اتصلت بعدها بشخص أعرفه لاستفسر عن الأمر فعلمت أن والدي مات اثناء قيامه بعمله في البناء، وقع على راسه حجر ارداه جثة على الفور، لم اتقبل الخبر ورحت أبكي، وأبكي.. دونما توقف وأصبحت حالي مأساويّة جدًا، اسودت الدنيا أمامي وفقدت كل أحلامي وآمالي، خسرت آخر شخص في العائلة، فقبله ماتت أمي عندما كنت في سن الخامسة وكنت بأمسّ الحاجة  إليها، كانت تعاني من مرض خبيث لم يستطع الطب أن يسعفها رغم جهد أبي من أجل علاجها ولكنه لم يجدِ نفعًا.

ترك الجامعة

307d35a27de188f4f79f8aa83b2121a3

وقتذاك كنت قد استدنت من أصدقاء لي مبلغا من المال، لمّا توقف أبي عن ارسال المصروف ظنًا مني أنه سيرسل لي لاحقا وارده لهم، ولكن ديوني ازدادت وحالي ساءت حتى تركت الجامعة وبدأت ابحث عن أي عمل استطيع أن اعتاش منه، لكن الأمر لم يكن سهلا أبدا. بدأت بالبحث عن سكن يأويني والاسعار كانت باهظة جدا، ولا أملك من النقود فلسا، فصرت أنام في الحدائق العامة، وفي أنفاق المترو على مقاعد الانتظار، كنت مشردا بكل ما للكلمة من معنى. كان عليّ ايجاد عمل وهذه كانت اصعب خطوة على الاطلاق، فلا أحد يرغب بعامل لا يملك أوراقا ثبوتية لأني عندما تركت الجامعة أصبحت مواطنا غير شرعي يعيش في البلد ولا يحق له العمل، ولو امسكت بي الشرطة لوضعتني في أول طائرة لأرسالي إلى بلدي. أعلم أنكم ستسألونني لماذا لمْ أعد إلى وطني عوضًا عن هذا التشرد؟ لسببين، الأول أنني لم أعد أملك ثمن تذكرة تقلني إلى بلدي ولا أرغب بالعودة عن طريق الشرطة  كالهاربين والمجرمين، والأخرى وهي الأهم، أعود لمن؟ ولماذا؟ كيف سألتقي بالناس وأنا على هذه الحال؟ كيف سأذهب إلى  قبر أبي لأريه ما وصلت إليه حالي بعدما تركني؟ كيف سأقابل سارة التي وعدتها بالزواج بعد عودتي؟ كلها اسئلة كانت تجعلني لا أفكر بالعودة أبدا بل البقاء والمحاولة لإيجاد الافضل واثبات ذاتي.

clochard-01

كنت أجد عملا ليوم أو ليومين ولكن الأمر لا يدوم كثيرا، مرت عليّ شهور لا اتناول فيها الطعام إلّا مرة واحدة في اليوم وأحيانا تقتصر على  قطعة خبز فقط، لم يكن ينتظرني إلّا التسول، لكن كرامتي وعزة نفسي منعاني من أن أمد يدي لأحد حتى لو مت جوعا.

الهدية المنتظرة

لذلك عندما وجدت ذلك الكيس تمنيّت أن يكون فيه شيئا ثمينا، وبما أن فكرتي عن العيد لم تتغير علمت أن هذه الالوان هي هديتي المنتظرة، ربما ستكون قارب نجاة ارسله الله لي عبر هذا المتبرع، بعض الرسائل تصلنا من غير أن نعلم لماذا ولا نعيرها أهتماما، اخذت الكيس وبدأت الرسم كعاشق التقى بمعشوقته بعد طول غياب.

christmas-in-paris

صرت بعدها أعمل ليلا في مطعم عربيّ، اساعده في تحضير الخضار واقوم بغسل الاطباق، لاحصل على وجبة عشائي وبعض النقود لدفع ايجار الغرفة الصغيرة التي وجدتها في قبو لا يدخله النور إلّا من ربع النافذة الموجودة على طرف الشارع العام، حيث لا تستطيع أن تنعم بالهدوء نهائيا، فمع كل مرور سيارة تشعر أن الغرفة تهدر وتهتز وكأنك تعيش في قطار لا يتوقف أبدا، لا بل هو قطار حياتي ما كان يركن في تلك الغرفة المظلمة من دون حراك.

صرت شغوفا أكثر في الرسم وبدأت ارسم أي شيء يقع أمام ناظري وارسم على كل شيء.

جميع الناس كانت ترى الشجرة كما تبدو عليه أما أنا فكنت أرها امرأة جميلة مكتملة الانوثة تتراقص أمامي وتوحي لي بلوحات مختلفة، كل شيء أراه بنظرتي وأحوله لما أرغب، هذا الاختلاف برؤية الأشياء جعلني أنجح أكثر في اختيار مواضيع لوحاتي التي لم تقتصر على رسم الطبيعة.

بدأت بعدها برسم البشر وبما أن لدي حنين إلى الوطن كانت معظم الشخصيات التي ارسمها تشبه تاريخي وثقافتي تشبه وجوه جيراني واحبائي، حتى أني كنت اتقصد هذا الأمر أحيانا واعتبره إمضاءً خاصا بي، طابعا مدموغا على جبين رسوماتي.

زبون مميز

أحد الاصدقاء رغب أن ارسمه في اللباس العربي، وراح صديق يخبر صديق، كان أمرا جديدا عليهم وقد لاقت اللوحات اعجاب جميع من رأها، حتى وصلتُ في يوم إلى زبون مميز، كان فرنسيًّا ثريًّا، رأى لوحة لدى أحد الاصدقاء ورغب بأن يتعرّف بي وارسمه بطريقة مختلفة، رسمته وكنت أصلي كي تعجبه اللوحة، وعندما رأها لم ينبس بحرف عن رأيه فيها، بل قرأت ابتسامة رضا على ثغره، لم يسألني كم أريد، بل أخرج مبلغا من جيبه وقدّمه لي كعربون عن مجموعة لوحات يريدني أن أرسمها له ولعائلته.

painter

بالطبع وافقت فالمبلغ كان كبيرا جدا ولم أكن أحلم به قط، وهكذا بدأت ارسم لهذا الثري لوحاته ونلت عليها ما غيّر مسار حياتي، بعد ذلك انتقلت لسكن افضل، استأجرت شقة محترمة، وطلبت من هذا الرجل ايجاد عمل لي كي أحصل على أوراق ثبوتية تخولني العيش بأمان وهذا ما لن انساه له ابدا ما حييت.

فعلا قام الرجل بتوظيفي في احدى شركاته وحصلت على أوراقي وبدأت مسيرتي الفنية بالتحول لتأخذ شكلا احترافيا، بدأت بالمشاركة في المعارض الصغيرة بعدها أقمت عدة معارض خاصة بي وهكذا صرت من مشرد يحلم بقطعة خبز لرسام معروف يسعى إليه العديد من الناس.

خلال هذه الفترة كنت قد بدأت بمراسلة “سارة” واخبرتها بما مر معي من ظروف وشرحت لها الصعوبات التي جعلتني ابتعد عنها لفترة.

في البداية كانت حانقة عليّ ولم تتفهم كلامي، ولم تجب على رسائلي الكثيرة، من ثم بدأت ترد عليّ وأستمر الوضع هكذا لمدة عام كامل.

بعدها تزوجنا ورزقت بكم يا أحبائي، كنت أخاف عليكم من الهواء، أردت أن أكون أبا مثاليا  وأهيئ لكم كل ما تحتاجونه وأحميكم من أي شيء يهدد حياتكم ولكني لم أنجح، بل فعلت كما فعل أبي، لا أدري لو كان حيًّا هل كان راضيا عن وضعي أم لا؟ أتخيّل أحيانا كيف ستكون حياتي لو اكملت دراستي وأصبحت مهندسا كما كان يرغب؟ لكني أندم أنني لم  أحقق حلم والدي، اضافة لما وصلت إليه الآن.

لن أقول أن المصادفة التي واجهتها صنعتني، فأنا لا أؤمن بالمصادفات أبدا، هي الاقدار التي شاءت أن أمرّ بكّل ما عانيته لأصل لما أنا عليه الآن.

على فراش الموت

dying

لذلك، اليوم وأنا على فراش الموت أنتظر رحمة الله، أتمنى أن تسامحوني إن حرمتكم ممّا كنتم ترغبون به، كما حرمني والدي، لكن الفارق أن والدي كان يبحث عن مركز لي وأنا كنت أبحث عن سلامتكم، فكل واحد منكم اختار هواية أخطر من الأخرى، واحد يعشق تسلّق الجبال وآخر قيادة السيارات السريعة والفتاة الجميلة القفز من علو لو رأيته في الصور لأغمي عليّ.

التفتوا خلفكم هناك فقد حضّرت لكل واحد منكم كيسا أسود كتب عليه اسم أحدكم، لعله يكون بداية الطريق الذي ترغبون به، وسامحوني إن لم اسمعكم مسبقا فخوفي عليكم أصمّ أذنيّ!

amal-2

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s