4 إصدارات جديدة لـ بولس طوق

كلمة الدكتورة مهى الخوري

a-maha
الدكتورة مهى الخوري نصّار

إحتفل المحامي بولس طوق بإصدار مؤلفاته الجديدة في “بيت المحامي”، وهي: “شطحات”، و”طيوب الغروب”، و”كلمات مهاجرة”، و”إضاءات بولس طويق ــ ما كُتب فيه. وتخللت الاحتفال، كلمات لكل من: نقيب المحامين أنطونيو الهاشم، ود. يوسف عيد، ود. مهى الخوري، ود. ديزيره سقّال.

هنا كلمة الدكتورة مهى الخوري نصّار في  المناسبة:

f-1
المحامي بولس طوق

مقدّمة:

الأدبُ زودُ وعْيٍ شموليٍّ بالوجود وفيضُ علمٍ تفرّديٍّ بالحياة. وبقدرِ تجسيدِهِ الوجودَ تخيّلًا وتخييلًا، ورفضِهِ أنواعَ الظُّلمِ فيه، وتعزيزِه حرّيّةَ الكائنِ الحيّ، فإنّ نقدَه لا بدَّ من أن يرقى تحقيقًا لوظائفه تنظيرًا وتطبيقًا، وتصويرًا لمعانيهِ تفسيرًا وتحليلًا، واستكمالًا لرؤاهُ فهمًا وإفهامًا.

ومَن يقاربْ نتاجَ بولس طوق، لا سيّما كتابُه “شطحات”، يدركْ أنّه أمامَ ركونِ وِجدانٍ إلى سكونِه ساعةَ صفاء، وانضمامِ بصرٍ إلى بصيرةٍ لحظةَ تسربُلٍ بأصالةِ فكرٍ ووقارِ امتلاء… وتاليًا، يتنبّهْ إلى أنّ مضمونَ الكتاب سيعنيهِ أكثرَ من التفاصيلِ البنائيّة والتشكيلاتِ اللغويّة فيه. لذا، فإنّ نقدَنا لن ينصبَّ على الأسلوبِ والقيمِ الجماليّة، ولا على التقنيّات والفنّيّات، بل على منطقِ العملِ بحدِّ ذاتِه، وعلى قدرةِ الأديبِ التعبيريّةِ الإضافيّة، وعلى فنّيّةِ الحكمةِ المرسومةِ لوحاتٍ مقنَّعةً، يرصُّها الكاتبُ فكرةً بعدَ فكرةٍ لإخراجِ رؤيتِه الفلسفيّةِ المتكاملة، عبرَ جملٍ قصيرةٍ، مكتنزَة، مكثّفة، تتعاملُ معَ الواقعِ من منظورٍ مغاير، فتجسّدُ مفهومًا جديدًا في جماليّاتِ التلقّي وتُرغمُنا على الانغماسِ في أجواءِ الشخصيّات، وعلى التأمّلِ في مغزاها الذي يتركّزُ على قيمةِ الإنسانِ الحقيقيّةِ المتمظهرةِ في معدنِه الأصيل، وعلى جوهريّةِ الإيمانِ والتسليمِ الكلّيّ لــــِ”سيّد التاريخ”، وعلى محوريّةِ الارتقاءِ بالحرّيّةِ والمحبّة، تحقيقًا للتناغمِ مع المستوى الكونيِّ الأورفيّ.

وقد شكّلَ عنوانُ الكتاب (شطحات) مفتاحًا موضوعاتيًّا إشاريًّا يسيطرُ على بنية المتن فيحيلُ إلى تشظّياتِ الروح في شطحاتٍ انخطافيّةٍ تتعدّى الأزمنةَ والأمكنة، وتخلقُ أفقًا رمزيًّا للخروجِ من عتمةٍ روحيّةٍ، وفضاءً لروحٍ ترفُضُ البقاءَ رهينةَ الانغلاقِ، وتأبى الاختناقَ تحتَ سلطةِ واقعٍ لا منفَذَ فيه ولا خلاص. وكأنَّ الكاتبَ يعلنُ من خلالِ شطحاتِه، قي توحُّدِها الدلاليّ (شطحاتٌ…خارجَ قفصِ النَّفسِ الإنسانيّةِ المتألِّمة) انبثاقَ روحِه منْ داخل، وانطلاقَها حرَّةً إلى امتدادٍ مطلقٍ، لا يدركُ المحدوديّةَ، متّخِذًا منها مطيَّةً تعلنُ عنْ نفسِها في غابةِ الحياة، لتظهرَ أفكارَهُ الناضجةَ على مستوى جدليّاتٍ كونيّةٍ صاغَها الألمُ الخلّاق، وسبَكَها التخطّي المــــُزهر، ونحَتَها التَّسامي الرائي.

والشَّطحةُ في الاصطلاحِ الصوفيِّ تُختصرُ في إمكانيّةِ اتّحادِ النَّفسِ البشريّةِ اتّحادًا مباشَرًا بالخالق، لمعرفةِ اللهِ حدسيًّا وذوقيًّا، وتاليًا الاطّلاعِ على أسرارِ الكون[1].

أمّا شطحاتُ بولس طوق المتماسِكة، اللّولبيّةُ التصاعديّةُ الارتقائيّة ُفي جوهرِها، فأراها صلاةً في الصَّمت. وعندما نصمُتُ عنِ الكلامِ نكونُ في حضرةِ كيانِنا الداخليّ وذواتِنا الحقيقيّة، حيثُ يسكنُ الله، فنسمعُه ونتنفّسُه ونعرفُه في صمتِ المحبّة، الطَّريقِ إلى معرفةِ الحقّ، علامةِ النِّعمة والقوّةِ الفاعلةِ في ذاتِها. يقولُ طوق: “إذا كان في داخلِكَ شمعةٌ مضاءةٌ فلن يغلبَكَ العالم” (ص.31).

f-3

       ويسترجعُ المسيحانيُّ في عددٍ من شطحاتِه قولَ إلهِ القيامةِ: “لا أحدَ يعبرُ إلى الآبِ إلّا بي”،”أنا في أبي، وأنتم فيَّ، وأنا فيكم”، وكأنّها محاولةٌ واضحةٌ منه لتجاوزِ الانقسامِ بين الإنسانِ والإله، ولإثباتِ أنَّ الشراكةَ الإنسانيّةَ قابلةٌ للقياس معَ الإلهيّة، وبذلكَ فإنَّ المبدأَ الذي يحكُمُ الحياةَ الإلهيّةَ يجبُ أن يحكُمَ الحياةَ الإنسانيّة. لذا، لا شكَّ في أنّ تشارُكَ المحبّةِ وتساكُنَها بينَ الآبِ والابن، عبرَ التجسُّد، قدْ أشركَ البشرَ جميعًا وجذبَهم إلى حركتِه، وبهذا “تكونُ جماعةٌ في الله عندما تكونُ متّحدةً في الكمال، لأنَّ اللهَ صلةُ محبّةٍ وعطاءٌ لذاتِه”[2]، فيصبُّ إذّاك تساكُنُ الآبِ والابنِ في تساكنِ الابنِ والإنسان. وبهذا يظهرُ لنا ما أرادَهُ طوق في شطحتِه من حركةِ مشارَكةٍ تصهرُ البشريّةَ جمعاء والأممَ بعضَهم ببعض عبرَ وسيلةٍ روحيّةٍ من دونِ فقدانِ شخصيّةِ الفرد، وهذا ما يُحيلُنا إلى شطحةٍ أخرى في كتابِه (ص.105)، حيث قال: لوحُ الزجاج يعكسُ الشمسَ، كلَّ الشمسِ، إذا تكسّرَ إلى أجزاءٍ صغيرة كحَبِّ العدسِ أو أقلَّ، فكلُّ جزءٍ يعكسُ الشمسَ وتبقى الشمسُ واحدة. مقاربةُ هذه الخاطرة تُحيلُنا إلى أنَّ لوحَ الزُّجاج (أي المسيح) يعكِسُ الشَّمسَ (أي الله)، كلَّ الشَّمس(كلَّ النور/ لأنّ اللهَ إلهُ النور ولأنَّ النورَ بانبثاقِه يتحرّرُ من دائرةِ الشمسِ ومن كلِّ الدوائر). إذا تكسَّر إلى أجزاءٍ صغيرة كحَبِّ العدس أو أقلّ (وهنا يشيرُ إلى تساكُنِ الابنِ والإنسان/ المسيح وآدم)، فكلُّ جزءٍ يعكِسُ الشَّمس (أي الله/الآب، لأنَّ الآبَ ساكنٌ فيه)، وتبقى الشَّمسُ واحدةً(يبقى الآبُ واحدًا، ويصبحُ الإنسانُ واحدًا في المسيح، وتكونُ المصالحةُ التاريخيّةُ بين آدم والله/ بين الأنا والوجود، قد تمّت عبر المسيح)، ويكونُ الزجاجُ رمزًا للثالوثِ الأقدس، مصدرِ أشعّةِ الحبِّ ونورِه.

a-maha-2

وبذلك، يتبدّى لنا أنّ الأديبَ يولي العقلَ البشريَّ مكانةً رئيسةً في تفكيرِه اللاهوتيّ، فهو يثقُ بهِ وبقدرتِه على الرؤيا، وعلى اكتنازِ أبعادٍ ميتافيزيقيّة، فنراهُ يردُمُ، بجرأةٍ قلَّ نظيرُها، الهوّةَ بينَ عالمِ الوحيِ والإيمان، وعالمِ الفلسفةِ والعقل، شأنُه في ذلك شأن توما الأكويني الذي أثبتَ أنَّ ليس ثمّةَ طلاقٌ بين العالــَمـــين، فإذا كان اللهُ قد خلقَ الإنسانَ عاقلًا، أفليسَ منَ الغريبِ جدًّا أن يكونَ الإنسانُ – في دماغِه الصَّغير الذي يعقِلُ الكونَ الكبير- إنسانًا بدونِ الله؟

وبتغليبِ العقلِ يعيشُ طوق غريبًا مهاجرًا لامنتميًا غارقًا في الضَّباب، يحملُ أثقالَ غربتِه في عالمٍ وهمٍ، الإنسانُ فيهِ أسيرٌ يحملُ قبرَه على كتفيْه، والسّعادةُ فيهِ لا تعدو كونَها كفايةً روحانيّةً ومسالمةً عقليّة، والشّهادةُ للحقِّ إفشاء، والصّخرةُ قدرٌ سيزيفيٌّ متدحرجٌ لكلِّ مَن يعلو على منحدرِ الحياة، والقمّةُ عبثٌ وتفاهةٌ وهباء، وتذويبُ أجنحةِ التحليقِ الإيكاريّ صراعٌ أبديّ، والزمانُ حَقودٌ غَضوبٌ عنيفٌ يلتهمُ جميعَ أبنائِه ويستهلكُهم فناءً جسديًّا فيحرمُهم من نارٍ أرضًا، ومن نورِ سماء.

ووسط َكلِّ ذلك، يبقى الرأسُ عائمًا، ويبقى الحبُّ دينًا، وتبقى المرأةُ أمَّ الحياة، عطرَ صمتٍ ووحدةٍ وشقاء، وطيْبَ تمزُّقٍ ووجعٍ وعناء، حلمَ غروبٍ ووسيطَ عودةٍ، وإلّا فالمشوارُ تافهٌ والموتُ حرام. ويبقى يسوعُ – الكلمةَ المحبّةَ والرجاءَ، فداءَ الوجود، مُسقِطَ الموتِ عنِ القبور.

f-2

خاتمة:

في “شطحات” الأديبِ رؤى تتماثلُ فيها اللّغةُ والأسلوبُ والمعرفةُ والثقافة، على الرَّغمِ منِ اختلافاتِها الداخليّة، لتُخرجَها كلًّا مشكَّلًا زاخرًا بإشكاليّاتٍ وجوديّة، وصراعاتٍ حضاريّة، مقدَّمًا بوصفِه محاولاتٍ لتمظهرِ الكونِ عبرَ الوظيفةِ السميولوجيّةِ التي تنشأُ بفعلِ تفكيكِ النُّظُمِ الرمزيّةِ المفتوحةِ على التأويلِ والانتقاء، فتتقدّمُ تحتَ مظهرٍ موجّهٍ لإنتاجِ أشياءَ متمثَّلة، تحكمُها الشموليّةُ والديمومة. وهذا النشاط يسمّيه “كاسيرار” التموضع حيث تكونُ الأنظمةُ الرمزيّةُ سيروراتٍ ديناميّةً للترميز لا تمثّلُ انعكاسًا للواقعِ الخارجيّ بقدرِ ما تجعلُ تمثُّلَ الواقعِ الخارجيّ ممكنًا.

وبذلك رأيناه، في خضمِّ التواجهِ الحضاريِّ الناشطِ في أرجاءِ المسكونة، قدِ اجتهدَ في إبرازِ أفعالِ الواجبِ في فلسفتِه الأخلاقيّة، وخلاصةِ تصوّراتِه واقتناعاتِه اللّاهوتيّةِ والماورائيّةِ والأنتروبولوجيّةِ والاجتماعيّة، متّخذًا من شطحاتِه الملفّعةِ بنكهةٍ فلسفيّةٍ لافتة، معادِلًا ترميزيًّا جعلَ منْ هذا الامتدادِ البصريِّ الشاسعِ (شطحات) مرايا صقيلةً تعكسُ حركةَ الزَّمنِ وملامحَ الشَّخصيّات، وتُسقطُ على مظاهرِهِ المتنوّعةِ أحاسيسَ الأنا الساردةِ وهواجسَها، فتتغيّرُ الألوانُ والأشكالُ والإيقاعاتُ بحسبِ طبيعةِ الحدثِ والسياقِ والرؤية، لتهمسَ بخبايا أفكارٍ وهمهماتِ ذاتٍ يقِظَة، هاربةٍ من نفسِها، في رحلةِ بحثٍ عن عقلنةِ كُنهِ الوجود.

بولس طوق، قرأناك كائنَ توقٍ، يفيضُ نبعَ مكاشفاتٍ بأحوالِ نفسٍ تعرَّت وتصفَّت  وتنقَّت فوصَلْت بالكلمة إلى قمّةِ روح.

قرأناكَ اعتصارَ فكرٍ فلسفيٍّ تغذّى منْ روافدِ عميقِ إيمانٍ مسيحيّ، وما أبهاهُ، قطَّرتَهُ وحملْتَهُ ورميتَهُ تحت قدميْ يسوع المصلوب… فها بينَ يديَّ منديلُ فيرونيكا أقلّبُهُ كتابًا، زادَ فكرٍ، خميرَ نارٍ ونور، فيتراءى لي بولسُ، رسولًا فكريًّا متوهِّجًا، عاشِقًا لمسيحٍ حقّقَ قداسَتهُ في الإنسان، فمنحَ الأرضَ سرَّ معانقةِ السّماء.

د. مهى الخوري نصّار

f-6

– المعجم الأدبيّ: جبور عبد النور، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط1، 1979م، ص159،160[1]

– الثالوثيّات: مقاربات معاصرة، مجلس كنائس الشرق الأوسط، ط1، 1994م، ص106[2]

عن هذه الإعلانات

من حين لآخر، قد يشا

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s