حكاية عمر بلون الورد

imad-2

عماد نبيه خليل

الآن عرفت، ماذا يعني أن يسرق الصبح وجه الحياة؟ الآن، الآن، أدركت ما معنى أن تفقد القلب وأنت معلّق في نوافذ من أحلام.

أمّي، أهكذا هو الوعد؟ ألم نتّفق على حكاية لمّا تزل فصولها في سرد، وفي حوارات، وفي تضمينات، وفي اتّفاق مبرم، أن لاتذهبي إلى مطلق مكان، لقد غدرنا نبيه (والدي)، ورحل، وأقسمت بالفصول أنّك لن تفعلي، فلماذا فعلت؟؟؟؟.

ألم تحكي بالصّمت، نحن الأبناء، والأحفاد، والصّهر، ومابقي من بيت أبيك: “سأبقى معكم”، فما نفع الوجود حين تغيب الأمّ، والأخت، والجدّة؟ ومع ذلك فعلت، إلى أين؟ إلى أين؟.

يا أمّي، بالأمس، كان اللّيل رغم غياب أبي يحدّثنا عن عصفورة، عن وجه ملائكيّ، عنك، احترسوا، غاب والدكم، وها هي “قرنفلة” تملأ الدّار ربيع أعماركم، فخبّئوها في الأجفان، وبين الضّلوع، واعترفنا أمام اللّه، وأمامك، أن نبقى تحت قدميك ميناء حبّ، فلماذا تجاهلت جنون حبّنا، ومضيت، إلى أين؟ إلى أين؟.

لماذا شرّعت لأيّامنا عواصف من بكاء، وأنت الحنونة، ولماذا، حملت حقيبة العمر قبل أن نحمل المنديل؟ وقبل أن نرفع على سطوح العشق أسوار الكلمات العطشى لوجه “قرنفلة”، للوجه الملائكي، الّذي تجلّى في مدى أحلامنا شعاعًا من نور المحبّة، وفي قلوبنا ارتسم حكاية عمر بلون الورد، وفي مسارات أيّامنا تعطّر بعبير القرنفل، يا أمّي، ألست أنت من شقّ خيوط الفجر بالنّدى، وبوشوشات الهمس، بـ “بسم اللّه الرحمن الرّحيم”، “أصلّي صلاة الفجر قربة للّه تعالى”، فلماذا خذلك الفجر، وذهبت إليه؟ ياربّي، رحماك، رحماك، أوتدري أنّك خلّعت قلوبنا، وكسرت جوارحنا، لقد مات القلب فينا، فلماذا لم تأخذنا معها؟ وأنت الرحمن الرّحيم، ياربّي…

أمّي العطوفة، المحبّة، الدّافئة، المخلصة، الودودة، الطّاهرة، المؤمنة، الصّابرة، القابضة على وجع العمر، والحارسة لأحلامنا، السّرّ في مفرداتنا، فلماذا رحلت؟ ألأنّ الأيّام افترسها موعد آخر مع البوح القاتل، مع المشفى والجراح، مع القلب، والأيّام الطّوال من العذاب، مع العناية المشدّدة، والغرفة المغلقة، وآلاف الأسلاك، والحديث الصّعب، مع الدّمع والصّلوات، مع المسافات والإنتظار، ليتحوّل العمر إلى ذاكرة في ذاكرة.

نعم، تحوّل العمر إلى وقت مثخن بالجراح، إلى عذاب الفراق القاتل، إلى انتظار أبديّ، انتظار لن يتعب، لأنّك يا أمّي سكنت قلوبنا، ولأنّك الحنان الّذي غمرنا، فلك منّا، من فلذات كبدك، من صهرك، وأحفادك، كلّ الحبّ، ومن أخويك، وأقاربك، وجيرانك، ومحبّيك، كلّ الوفاء، لأنّك مجبولة بالوفاء، أمّي، الآن عرفت حين صرخ الحزن في قلوب المتأوّهين، والمفجوعين، وأعلنوا موت القداسة، والحقيقة، أنّهم ما أعلنوا سوى الإيمان، فحين ترحل الأم، يموت القلب، لأنّها نبض خفقانه، فيا أمّي، لن أقول ما حييت مايغضب الرّب، لاحول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم، إنّا للّه وإنّا إليه راجعون.

وأخيرًا، أمّي وداعًا إلى أن نلتقي في رحاب أسرار الرحمن…

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s